(أنا مشغول بقرع الحوافر عن المزاهر) قالها: سيف الدولة عندما دعاه ابن عمه الشاعر أبو فراس الحمداني لحضور أمسية غنائية، فاعتذر لأنه مشغول في تهيئة العدد والعدة لمقابلة البيزنطيين، وها أصحاب القرار ورجالات قطاع الأعمال والاقتصاديون مشغولون في كيفية بناء ما تدمره الحروب، فقد تكالبت التحديات، فما إن يثر الاقتصاديون انتباه أهل الحل والعقد على أمور في غاية الأهمية إلا وتبرز مستجدات بالغة الهموم، فالتنمية تعتبر الموارد البشرية من أهم الركائز الأساسية التي تعتمد عليها التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا الصدد يقول مالك بن نبي في كتابه (مشكلات الحضارة): «إن الاقتصاد ليس قضية إنشاء بنك وتشييد مصانع فحسب، بل هو قبل ذلك تشييد الإنسان، وإنشاء سلوكه الجديد أمام كل المشكلات»، فالإنسان هو أساس التنمية يصنعها ويجني ثمارها، فإذا لم تستهدف العملية التنموية صناعة إدراك هذا الإنسان بأنه مكرم من قبل الله، وأنه مستخلف في مال الله، فبلا شك تستحوذ على إدراكه الثقافي روح النرجسية، بل يعبد طرق الشر من أجل شهواته، فالفساد الاقتصادي وحده قادر على زعزعة بعض الأنظمة العربية، بالإضافة إلى التضخم المستورد، والبطالة.

والعشوائيات في ظل العولمة، كلها أدوات نخر للاقتصاد العربي، ولكن ما ذكر من تحديات في وادٍ وما تدمره آلات الحرب العدوانية خلال سويعات في وادٍ آخر.. إن إيرادات اليوم، بما فيها النفطية، ليست دائمة في وجود تحديات عديدة مما يعطل انسيابية العرض.

كما ان تكنولوجيا الطاقات البديلة في تطور مدهش ومستمر في مختبرات ومراكز البحوث الغربية، وان الإدارات العامة بحاجة إلى إصلاحات جذرية في القوانين والأداء والمؤسسات بحيث تعمل على تحسين نوعيتها لجذب المستثمر. كما تحتاج الدول العربية إلى مراجعة حجم ودور القطاع العام في الاقتصاد، لاستخدامه في تحفيز النمو وتسهيل عمل القطاع الخاص.

كان تشارلز كندلبرج من أوائل من لفتوا النظر إلى أهمية التمييز بين النمو والتنمية حيث يقرر أن (النمو يعني إنتاجا أكثر بينما التنمية تضمن كلا من إنتاج أكثر وتغيرات في الترتيبات الفنية والمؤسسية التي يتم بها الإنتاج، وبالقياس على الإنسان...

التأكيد على النمو يعني التركيز على الطول أو الوزن بينما التأكيد على التنمية يجذب الاهتمام إلى التغير في الطاقة الوظيفية، ففي البلدان الصناعية المتقدمة لا أحد يتحدث عن التنمية، ذلك أن المسألة في تلك البلدان هي مسألة نمو وليست مسألة تنمية، لذا فإن الهم الاقتصادي لديهم هو التركيز على تسريع معدلات النمو الاقتصادي في أجواء يسودها الاستقرار.

بمعنى عدم تعرض اقتصاداتها لهزات أو أزمات حادة، بسبب موجات من التضخم أو البطالة أو الركود، فهي معنية بحركة النمو الاقتصادي المحكوم بقوانين السوق، وقد أشار روبرت صولو في كتابه (نظرية النمو) بالمقومات الأساسية الثلاثة: معدل الادخار، ومعدل نمو القوة العاملة، ومعامل رأس المال ـ الناتج، فحواها أنها أخذت كأدلة ومعايير، فمعدل الادخار اعتبر عاكسا لواقع التفضيلات، كما اعتبر معدل نمو عرض العمل واقعا ديموغرافيا- سوسيولوجيا، أما معامل رأس المال الناتج فهو انعكاس لواقع تكنولوجي، فأي انحراف صغير في هذا الوضع سيكون مصيره التضخم المتناهي.

وبالطبع فإن هناك العديد من التحديات التي لا يمكن مواجهتها، على نحو منفرد، فمهما بلغت موارد البلد المالية، أو زاد عدد سكانه، أو اتسعت شبكة علاقاته، فإن تعقيدات الحياة الجديدة، وعمق المشكلات التي يتعرض لها، تجعل من غير الممكن مواجهة ذلك كله على نحو منفرد، ونشير هنا بوجه خاص، إلى المشكلات التي تفرض على بلدان منطقتنا العربية والتي يجب أن تكون مواجهتها جماعية مثل: قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستثمار، ومشكلات المياه والطاقة.

كاتب ومحلل إقتصادي

Kutaiba @ emirates .net .ae