تكاد الدراسات والمسوحات الصادرة عن المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاونكتاد وكذلك مؤسسات عربية مثل منظمة العمل العربية والهيئات الخليجية تجمع على أن أحد أهم التحديات الأساسية التي تواجه دول مجلس التعاون في الوقت الراهن هو تحدي أسواق العمل.

واللافت للنظر أن هذه الأسواق تحمل في طياتها الكثير من الصعوبات سواء على المستوى الاقتصادي الكلي أو الجزئي. فعلى المستوى الكلي نحن نتحدث عن ضرورة وجود استراتيجيات واضحة للتنمية البشرية، ثم ربط مخرجات التعليم باحتياجات التنمية.

كما نتحدث عن الاقتصاد الجديد وثورة العلوم والتكنولوجيا وتأثيرها على معطيات أسواق العمل، كذلك الحاجة لتوسيع دور القطاع الخاص في التنمية وما ينطوي على ذلك من اشتراطات عديدة يرتبط جزء أساسي منها بإعادة هيكلة أسواق العمل.

كما نتحدث هنا عن العولمة والتحرير الاقتصادي والاتفاقيات التجارية والعمالية الدولية وانعكاساتها على أسواق العمل المحلية. وهكذا. أما على مستوى الاقتصاد الجزئي، فنحن نتحدث أكثر تحديدا عن الأجور والرواتب وبيئة العمل وعقود العمل.

كما تبرز هنا أهمية مجاراة جوانب العرض لجوانب الطلب في أسواق العمل والتي تتحكم فيها العديد من العوامل بعضها يتعلق بالجانب الاقتصادي الكلي وبعضها بالجانب الاقتصادي الجزئي.

ونود أن نتوقف في هذه المقالة بشكل خاص أمام خصائص جانب العرض في أسواق العمل الخليجية.

وبإلقاء نظرة سريعة على التركيبة السكانية بدول مجلس التعاون الخليجي، تبرز بشكل واضح الأهمية النسبية لفئات الشباب من اجمالي السكان، حيث ينطوي ذلك على الكثير من التحديات الراهنة والمستقبلية. ولعل تأهيل الشباب حديثي التخرج للاندماج في سوق العمل يعتبر من اهم هذه التحديات التي تواجه الدول والمؤسسات ونظم التعليم والتدريب في دول المجلس.

فالتغيرات الجذرية والمتسارعة في شكل وطبيعة متطلبات منظمات الأعمال أصبحت تتطلب اكثر من أي وقت مضى ضرورة وضع برامج خاصة يتم فيها الربط بين «التعليم» و«التدريب» و«العمل» تهدف الى مساعدة الشباب للحصول على اول عمل لهم واندماجهم في عالم العمل وتلبية متطلباته.

نقول هذا بشكل خاص عندما نلاحظ أن أجهزة وبرامج التعليم والتدريب بدول المجلس لا تزال تتعامل مع احتياجات الاقتصاد القديم في حين أن أنحاء عديدة من العالم تتهيأ للدخول وقسم منها دخل بالفعل الى الاقتصاد الجديد.

ويختلف نمط معطيات العرض من القوى العاملة في دول الخليج العربية عن الوضع الموجود في الدول النامية ذلك ان الدول النامية التي نادرا ما تعاني من نقص في العمال، بل ان العمالة تعتبر عامل وفرة عادة ما تنجم عنه البطالة، وتعاني تلك الدول من مشكلات رأس المال والتقنية الحديثة.

الوضع في دول الخليج العربي معكوس، فرأس المال يسمح بتوسعة القاعدة الاقتصادية، ولكنها تفتقر الى العمالة الكافية ولا سيما من ناحية النوعية الأمر الذي احدث فجوة بين العرض والطلب على العمالة.

وقد أثرت بعض العوامل على انخفاض معدلات مشاركة القوى العاملة الوطنية في سوق العمل ، نتيجة للمعوقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مثل انخفاض اسهام الإناث في الأنشطة الاقتصادية والتركيب العمري للسكان حيث تتراوح نسبة الأقل من 15 سنة ما بين الثلث الى النصف من جملة السكان، وكذلك عدم إقبال المواطنين على العمل اليدوي لدوافع تتعلق أحيانا بالوضع الاجتماعي وغالبا بتدني المردود المادي من هذا العمل.

وبدوره فان تحديد الاحتياجات التدريبية بحاجة الى توضيح عدة فرضيات مثل أهداف المؤسسات وتحليل وتصنيف وتحديد السلوك البشري المطلوب لتحقيق هذه الأهداف بوضوح والإطار التدريبي الثابت والواضح ووجود قدرة لدى القائمين على تحليل الاحتياجات على جمع وتنظيم وتقييم المعلومات دون اية أخطاء.

ويعتبر الأجر النقدي حافزا أساسيا من حوافز العمل في معظم النظم الاقتصادية وفي بعض دول المجلس يعتبر هذا العامل حافزا قويا للأيدي العاملة الوافدة التي تمثل المصدر الرئيسي للعمالة، وقد أدت الأجور المرتفعة بالنسبة للوافدين وإمكانية الكسب الاقتصادي الناتج عن اختلاف الأجور على وجود دافع قوي لجذب العمالة الوافدة.

لكن من ناحية اخرى فان مدى استجابة الأيدي العاملة المحلية تجاه الأجور يختلف عنه في حالة الوافدين، فبينما أغرت الأجور الوافدين على دخول قطاعات الصناعة والتشييد والبناء والتجارة، الا انها برهنت على عدم قدرتها على جذب الأيدي العاملة المحلية، وقد نتج عن ذلك ان ادت الأجور الى تقليل حجم المشاركة المحلية، وعلاوة على ذلك فان هناك عوامل أخرى لها آثارها الهامة على توزيع العمالة، وهي وجود بعض العيوب في تركيب الاجور مثل التفاوت بين الاجر النقدي والأجر الاقتصادي.

حيث لا يتطابق في معظم المهن بالقطاع الخاص الاجر الاقتصادي مع قيمة الإنتاجية الحدية للعمل فضلا عن الازدواجية في الأجور حيث الأجور في القطاع الحكومي اعلى من قيمة الإنتاجية الحدية مما يجذب عمالة وطنية اكبر حجما من المطلوب، ويخلق عجزا اكبر في القطاعات غير الحكومية، حيث تكون الأجور ادنى من قيمة الإنتاجية الحدية.

وعامل ثالث متمثل في بيئة العمل حيث يعتبر احد اهم المشكلات التي تعاني منها أسواق العمل ببعض دول المجلس وذلك بالنسبة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة. وعلى سبيل المثال فقد واجه معهد البحرين للتدريب صعوبة كبيرة في اقناع خريجات برامج التدريب على تقنيات الملابس الجاهزة للعمل بهذه المصانع بسبب عدم توافر بيئة العمل الصحية بها. فهذه المصانع عادة تعتمد على عدد كبير من العمالة الرخيصة التي تقبل العمل تحت اية ظروف غالبا لا يقبلها العامل البحريني.

وقد يكون من المفيد دراسة بعض التجارب الدولية وما حققته من انجازات، وذلك للاستفادة منها في إيجاد انسب الحلول ملاءمة للواقع الاقتصادي والاجتماعي في دول مجلس التعاون الخليجي، ومن هذه التجارب - على سبيل المثال - برنامج التدريب المسبق في ايرلندا والموجه خاصة الى الشباب الذين لا يحملون الشهادة الثانوية ويبحثون عن عمل منذ اكثر من ستة أشهر.

ولا يستوجب هذا البرنامج ان يكون المستفيد منه متمتعا بأي قدر من خبرة مهنية سابقة، وانما يهدف الى مساعدة الشباب كي يكتسبوا الخبرة، ويتعايشوا مع التقنيات الجديدة ويركز البرنامج على تنمية الثقة بالنفس لدى هذه الفئة من الشباب والثقة بدورهم في المجتمع، وزيادة مرونتهم وتجاوبهم، وتنمية روح المبادرة لديهم.

وكيفية التعامل مع المشكلات ومهارات الاتصال الفعال واتخاذ القرارات، ومدة التدريب في هذا البرنامج سبعة شهور يقضي المتدرب خمسة شهور منها في التدريب خارج محيط العمل وشهرين للتدريب على رأس العمل.

وكي نضمن بناء فعالا للموارد البشرية الوطنية القادرة على الوفاء بكامل متطلبات الجودة والكفاءات في أسواق العمل الخليجية فلابد من الاهتمام بالتدريب المستمر وتوفير برامج إعادة التدريب والتأهيل، وتنويع مستويات التدريب وتطويرها وتعدد أنماط التدريب والتركيز على تعدد المهارات لمواجهة التطور والتجديد في مختلف المجالات.

وقد يكلفنا ذلك تكاليف باهظة لكن المردود قيمته لا تدانيها كل هذه التكاليف، فالنتيجة الحتمية للمستوى الجيد من التدريب والتأهيل هي التنمية الشاملة التي تعتمد وترتكز أساسا على التنمية البشرية.

كاتب اقتصادي مصري