منذ أن بدأ أوليفر ستون مسيرته في عالم السينما في سبعينات القرن المنصرم، انقسمت حوله الآراء النقدية إلى نصفين، فالبعض يثني عليه بقوة والبعض الآخر يذمه بالقوة ذاتها، ويأخذون عليه مغالاته في صناعة صوره المركبة لإيصال فكره المسكون بهواجس «المؤامرة» ورمزية أحداث التاريخ وتخوفه من السلطة، التي انتقدها على الدوام، بسبب ومن دون أي سبب أحياناً.

في عمله الجديد «وورلد ترايد سنتر»، الذي يبدأ عرضه في الصالات الأميركية مساء غد، أجمع النقاد في أميركا، والذين شاهدوا الفيلم في عرض خاص قبل أسبوعين، على نجاح ستون في تخطي جميع العقبات، بما فيها «لوثة أفكاره السياسية اليسارية»، كما كتب الناقد السينمائي المحافظ روجيز فريدمان: «هذا العمل سيخلد اسم ستون في ذاكرة الفن السابع، انه عمل شخصي وقوي ومؤثر، سيكون من المفاجئ ألا يحصل على ثلاثة أوسكارات رئيسية لأفضل عمل وأفضل مخرج وأفضل دور أول لبطله نيكولاس كايج، الذي أضاف الآخر الكثير إلى رصيده».

وكتب الناقد الأميركي لوي هاريس رئيس تحرير موقع الانترنت «موفيز كوم» يقول: «عرف عن أوليفر ستون قدرته على صدم المشاهد ليمرر رسالته السياسية التي يريد إيصالها في كل أعماله، لكنه هنا لا يقع في فخ التكرار هذا، فيروي قصة أبطال يثيرون مشاعر إنسانية لأي مشاهد لديه الحد الأدنى من التعاطف مع أخيه الإنسان. وفي الشريط لقطة واحدة تحمل إشارة سياسية بسيطة في مقدمته لم تكن مفعمة أو مفتعلة، تدور حول عرض مشاهد تلفزيونية عن أحداث 11 سبتمبر ينظر إليها بشر من كل العالم وهم يبكون، تعني أن العالم لا ينظر إلى أميركا اليوم كما نظر إليها في ذاك اليوم المشؤوم».

كتب سيناريو الفيلم أندريه بيرلوف عن قصة حقيقية لشرطيين حوصرا تحت ركام وأنقاض المبنيين المنهارين، بأسلوب متين حسب وصف الصحافة الأميركية، متيحاً المجال للمخرج وممثليه أن يجسدوا لحظة نادرة في تاريخ الولايات المتحدة، التي لم تصب بنكسة مشابهة إلا خلال الحرب العالمية الثانية، حين شن الطيران الياباني غارة واسعة على ميناء بيرل هاربور، الذي غرقت فيه سفن حربية كثيرة وقتل آلاف العسكريين من المارينز مع سكان الجزيرة المدنيين.

لعب دور البطولة نيكولاس كايج وإلى جانبه مايكل بينا وماغي غلينهال وماريا بيلو وستيفن دورف. والفيلم منافس قوي على الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي الدولي المقبل الذي تنطلق فعالياته في الثلاثين من الشهر الجاري، بمواجهة المخرج الإنجليزي ستيفن فريدز وفيلمه «ذا كوين»، وفيلم «بلاك داليا» من إخراج المخضرم بريان دي بالما، وفيلم ديفيد لينش «إن لاند امباير» وفيلم الايطالي جياني اميليو «النجم غائب».

بين التاريخ والسياسة

عاش أوليفر ستون حياة المجند في حرب فيتنام البشعة، حيث أصيب برصاصة في قدمه اليسرى. وبدأ حياته السينمائية بعد عودته إلى مسقط رأسه في مدينة نيويورك، فالتحق بمعهد سينمائي خاص، تعلم فيه كتابة السيناريو، ثم ساهم بإخراج فيلم وثائقي شارك فيه 30 مخرجاً في عمل جماعي تحت عنوان «رائحة الطريق» في العام 1970، ليقدم بعده بثلاثة أشهر عمله الروائي القصير الأول «السنة الأخيرة في فيتنام» في 22 دقيقة، لم يلتفت إليه النقاد ولا الجمهور كثيراً.وكذلك كان حظ فيلمه الثاني «سيزوري» مع أنه متوسط الحال، إلى أن كتب سيناريو فيلم «قطار منتصف الليل»، الذي أخرجه آلان باركر.

ونال عنه ستون أول أوسكاراته الثلاثة لأفضل سيناريو، أتبعه بفيلم رديء كتبه وأخرجه بعنوان «اليد»، الذي بدا به متخبطاً في محاولة العثور على خطه ورؤاه كمخرج، فعاد إلى الكتابة وقدم إلى بريان دي بالما الفيلم القوي «سكر فايس» من بطولة آل باتشينو في بداية صعوده، ورشح الفيلم لثلاثة أوسكارات لم ينل منها أي منهما في العام 1983.

بعدها بسنتين اشترك في كتابة سيناريو «عام التنين» عن المافيا الصينية داخل أميركا وخارجها، أتبعه بعد عام بفيلمين ممتازين الأول «بلاتوون» أي (الفصيلة) الذي نال عنه أوسكاره الثاني لأفضل إخراج وتدور أحداثه عن حرب فيتنام، والثاني «سلفادور» الذي رشح بطله للأوسكار الممثل جايمس وودز.

ونال ستون أوسكاره الثالث لأفضل إخراج في العام 1989 عن «مواليد الرابع من جولاي» من بطولة توم كروز بدور جندي يصاب في الحرب ويصبح مقعداً فيتحول إلى مناضل كبير لإيقافها، بمواجهة الإدارة المتمثلة بالرئيس ريتشارد نيكسون آنذاك، الذي حقد عليه المخرج الفذ وانتقده بحدة في فيلم حمل اسم الرئيس وجسده أنطوني هوبكينز في العام 1995.

ولم يكن ستون قد أخفى إعجابه بالرئيس جون كينيدي فأخرج «جي إف كي» المتضمن اتهامات ورائحة المؤامرة عن حادثة الاغتيال التي قضى فيها الرئيس الشاب. وحاز ستون عن هذا الفيلم على جائزة الغولدن غلوب التي تعادل الأوسكار بقيمتها.

الحديث عن أوليفر ستون لا يكتمل بمقالة واحدة، وهو الذي تم تأليف الكتب عنه وعن سينماه النقدية الكاريكاتيرية أحياناً مثل «ولدوا ليقتلوا» عن العنف في أميركا، و«وول ستريت» عن الفساد الاقتصادي في البورصة، الذي نال عنه مايكل دوغلاس أوسكار أفضل ممثل.

مؤكداً حضوره في مساحة الأداء «البولاري» المتوتر والفاعل. فها هو ستون الذي يطرح الأسئلة على صورة تجيبه وتجيبنا بالسؤال عينه المفتوح أبداً على مآسي الحروب والخداع والكذب والبلاهة التي لا يمكن أن تجيب عليها الصواريخ والقذائف الذكية، البادية بمستوى ذكاء بعض سكان «البيت الأبيض» أحياناً.

دبي ـ حسين قطايا: