تؤشر سياسات البنوك المركزية الكبرى مثل المركزي الأميركي والأوروبي والياباني التي ترفع أسعار الفائدة لخفض معدل التضخم من فترة في اقتصادات الدول النامية عن طريق صعوبة الحصول على الأموال واستثمارها في الأسواق الصاعدة.
ولم تكن مصاهر البلاتين وتآكل رواسب الألماس من بين مصادر القلق لثلاثة من محافظي أكبر البنوك المركزية مثل بين برناتك محافظ المركزي الأميركي وجون كلود ترشيه محافظ المركزي الأوروبي وتوشيهيكو فوكوي محافظ البنك المركزي الياباني. لكن العلاقة بين مصاهر البلاتين والألماس جاءت في تقرير البنك المركزي الجنوب إفريقي الذي رفع سعر الفائدة في يونيو من أجل السيطرة على التضخم.
وقد تبدو العلاقة بين تشديد السياسات المالية والمحاجر والأفران المتعثرة غير واضحة، لكنها قد تكون أقوى في الاقتصاد الصاعد، حيث تظهر المشكلات في مجالات بعيدة لتؤثر على مجالات أخرى.
وتمثل معادن البلاتين والبلاديوم والذهب والألماس ربع صادرات جنوب افريقيا، لكن إنتاج المناجم تأثر في العام الماضي وانخفض بنسبة 6% خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري. وتراجع صادرات جنوب افريقيا أدى إلى تفاقم العجز التجاري ليصل إلى أعلى معدل له خلال الربع الأول من العام الجاري، ولم يتحسن كثيراً في الربع الثاني.
وسبب العجز التجاري ضغطاً متصاعداً على العملة المحلية، وسبب العجز التجاري ضغطاً متصاعداً على العملة المحلية (الراند) التي سببت بالتالي ضغطاً على الأسعار، وبالتالي رفع أسعار الفائدة.
وليس البنك المركزي الجنوب افريقي هو الوحيد الذي يمارس سلطاته لمواجهة التضخم، بل تقوم بذلك أيضاً البنوك المركزية في التشيك والهند والسلوفاك والمجر وتركيا التي رفعت جميعاً أسعار الفائدة في الفترة الأخيرة، والبنوك المركزية في تلك الدول تواجه أيضاً تحديات خاصة بها لاستقرار الأسعار، لكن محافظي البنوك المركزية يواجهون مشكلات مشتركة أيضاً، فقد تعقدت حياتهم بالانتصار الأخير الذي حققه فوكوي على معدل التضخم والإجراءات التي اتخذها برنارك لتحقيق نفس الهدف. فقد أصبح الآن من الأصعب الحصول على المال بفضل هذه الجهود وغيرها، وبالتالي أصبح المستثمرون أقل رغبة في استثمار هذا المال في أسواق الدول النامية. والنتيجة انخفاض العملات في مايو ويونيو من العام الجاري.
وخاض البنك المركزي التركي أقوى معركة، حيث رفع أسعار الفائدة خلال شهرين بنفس القدر الذي رفع به المركزي الأميركي سعر الفائدة في عامين.
وحدد المركزي التركي هدفاً في ديسمبر 2005 هو خفض معدل التضخم السنوي من 7.7% إلى 5% بحلول نهاية العام الجاري، لكن معدل التضخم ارتفع بحلول يونيو العام الجاري إلى 15%، فهل هناك نمو محموم في تركيا؟ سجل معدل النمو التركي 6.4% خلال الربع الأول من العام الجاري، وحدثت طفرة في البورصة وزاد عجز الحساب الجاري، وقد تشير رغبة هارفي نيكولز في فتح فرع في اسطنبول إلى الدليل على ذلك.
لكن البنك المركزي يرجع هذه العلل إلى أسباب أخرى، فهو يقول إن السبب هو ارتفاع أسعار البترول والغذاء والذهب. ويلقي باللوم أيضاً على الليرة التركية التي انخفضت بنسبة 23% أمام الدولار بين 5 مايو و23 يونيو، وإذا لم تنخفض قيمة العملة بهذه النسبة لكان معدل التضخم توقف عند 8.6% حسب توقعات البنك المركزي.
ووعد البنك المركزي في تركيا وجنوب افريقيا بعدم ترك معدل التضخم يتزايد، لكن حتى الآن فإن التزام جنوب افريقيا فقط هو الذي يبدو حقيقياً. وبرغم انخفاض سعر الراند يتوقع الجنوب أفارقة أن يظل معدل التضخم بين 6.3% خلال العام الجاري والمقبل، بعد النجاح الذي حققه البنك منذ سبتمبر 2003. ومقابل ذلك فإن انخفاض سعر الليرة الإيطالية قد أثر على توقعات التضخم في تركيا واعترف البنك المركزي بذلك في يوليو ويقول أحدث استطلاع للرأي في تركيا إن الأتراك يعتقدون ان التضخم سوف يتجاوز 8% في العام الجاري وسيكون أكثر من 6% العام المقبل.
المستثمرون أكثر اتفاقاً من قبل
أصبح المستثمرون أكثر انتقاء الآن وحريصين على التمييز بين الأسواق الصاعدة وغيرها وقد يرون أن المجر مثل تركيا وجنوب إفريقيا. فهناك أيضاً عجز كبير في الحساب الجاري في المجر يعتقد صندوق النقد الدولي انه سيتجاوز نسبة 9% من إجمالي الناتج المحلي. وعند المقارنة يتضح في الواقع ان المجر أسوأ حالاً. فقد تكون تركيا تعاني من ديون ثقيلة، لكنها على الأقل تسجل فائضا في الميزانية يصل إلى 6.4% من إجمالي الناتج المحلي.
وهناك عجز معقول في ميزانية جنوب افريقيا يمكن السيطرة عليه. لكن المجر تعاني من كل ارتفاع الديون (60% من إجمالي الناتج المحلي) وعجز كبير في الميزانية. ويطلق نوريل روبيني الباحث في رويني جلوبال ايكونوميكس على هذا الوضع »قنبلة موقوتة«.
ومع ذلك أنخفض سعر العملة المحلية في المجر بنسبة 10.7% من السعر القياسي لها في العام الجاري ولايزال التضخم هناك 2.8%، لكن البنك المركزي المجري لا فرصة أمامه فقد رفع سعر الفائدة بمقدار نصف في المئة يوم 24 يوليو بعد ارتفاع ربع في المئة في يونيو.
ويطرح روبيني ثلاثة تفسيرات، هي ربما تكون السوق راضية عن هذا الوضع، لكن هزة مايو ويونيو لابد أن تكون أيقظتها. وربما تكون العضوية في منطقة اليورو تسبب حماية للمجر، لكن ارتباط الليرة الايطالية بالمارك أو الإسترليني في بداية التسعينات لم يفدها في شيء.
وربما تفيد الأسواق من الحكومة الجديدة، التي كشفت عن التدابير المالية للناس. وإذا كان الأمر كذلك تكون الحكومة أبهرت الأسواق أكثر من صندوق النقد الدولي الذي يشكك في حكمة ومصداقية السياسة المجرية.وقال الصندوق هذه السياسات سوف تبهر السوق لفترة قصيرة لكن الدولة ستظل على حافة الخطر.
وليس هناك سياسة تقوية تستطيع إنقاذ دولة من اللامبالاة المالية. والحقيقة ان تصعيب الحصول على الأموال هو الوحيد الذي يعجل بيوم الاعتراف بوجود مشكلة. ولابد أن تخاطر البنوك المركزية، في الدول النامية بسياسات قد تخفض الصادرات وقيمة العملة أو إثارة توترات سياسية. لكن لا شيء يضر بالبنوك المركزية أكثر من وزير مالية لا يبالي.
ترجمة: أشرف رفيق