تتزين العملة الأوروبية بآفاق فائدة مبشرة، وتتحلى بتوقعات بأن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع معدلات الفائدة، وهو الأمر الذي قدم دعما لليورو في مواجهة الدولار الأميركي، فضلا عن حصولها على دعم من قوة البيانات الاقتصادية. ولكن ما سوف يقيد مكاسب اليورو وجود توقعات بأن الاقتصاد الأوروبي بصدد الوقوع في براثن الركود في العام المقبل، بحيث ستكون المعضلة التي ستواجه البنك المركزي الأوروبي هي كيفية التعامل مع قوى التضخم وتراجع النمو الاقتصادي.
ومن جانب،لم يخيب البنك المركزي الأوروبي توقعات السوق، وجاء إعلانه في 3 أغسطس برفع الفائدة منسجماً مع التكهنات التي أجمعت بأن البنك سوف يقوم بإجراء زيادات متتالية، حيث أعلن البنك في 3 أغسطس رفعه معدل الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية ليصل إلى 3 %، وهي تعد الزيادة الرابعة منذ مطلع شهر ديسمبر الماضي . وقد أجمع الاقتصاديون على التنبؤ بحدوث مثل هذا التحول، وهم يحاولون استشراف ماذا سوف يكون عليه الوضع في المرحلة التالية.
وتوقع اقتصاديون استطلعت وكالة بلومبيرج للأنباء آراءهم أنه من المحتمل أن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع الفائدة مرة واحدة أخرى بعد الزيادة التي أجراها في 3 أغسطس ولكن المستثمرين أقل ثقة بأن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع آخر للفائدة، حيث أظهر التداول على العقود الآجلة أن العائد على العقود الآجلة لمدة ثلاثة أشهر والمستحقة في شهر ديسمبر بلغ 3.57 %.
ارتفاع سعر اليورو
وقد تقدم اليورو، بعدما أطلق رئيس البنك المركزي الأوروبي إشارة بأن صناع السياسة النقدية الأوروبيين قد يقومون برفع معدلات الفائدة بوتيرة أسرع، ولامس اليورو في 2 أغسطس أعلى مستوى في شهر في مواجهة الدولار، بناء على توقعات بأن البنك المركزي الأوروبي سيقوم برفع معدلات الفائدة بوتيرة أسرع وأكبر من بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي.
وجاء إعلان البنك المركزي الأوروبي في 3 أغسطس برفع معدل الفائدة للمرة الرابعة منذ شهر ديسمبر الماضي لتصل إلى 3 %، منسجما مع توقعات 46 اقتصاديا استطلعت وكالة بلومبيرج للأنباء آراءهم . وعلق آدم كول كبير المحللين RBC Capital Markets بلندن أن تبني تريشيه منهاجا أكثر تشددا قد يدفع السوق نحو زيادات أكبر للفائدة، وهو ما يمثل دعماً لليورو.
وقال تريشيه في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد إعلانه قرار رفع الفائدة إن البنك سوف يواصل المتابعة عن كثب لكافة التطورات فيما يتعلق بالأسعار وقال كذالك إن مخاطر التضخم قد تزايدت أيضا.
وتظهر التداولات على عقود الفائدة الآجلة أن التجار يتوقعون أن البنك المركزي الأوروبي سوف يقوم بإجراء رفع واحد للفائدة لتصل إلى 3.25 % بحلول نهاية العام الجاري . وبلغ العائد على عقود الفائدة لمدة ثلاثة أشهر والمستحقة في شهر ديسمبر 3.56 % .
مخاطر التضخم
وقال جوسيه مانويل جونزاليز عضو لجنة السياسة النقدية في البنك في 14 يوليو إن التضخم في منطقة اليورو بلغ في شهر يوليو وللشهر الثالث على التوالي معدل 2.5 % وهو أعلى من المعدل الذي يستهدفه البنك وقال إن المخاطرة تتمثل في التصرف بطريقة أكثر جرأة بسبب الضغوط التضخمية.
ويريد جان كلود تريشيه رئيس البنك المركزي الأوروبي في رأي بعض المحللين التلطيف من حدة التضخم في منطقة اليورو من خلال معدلات الفائدة العالية، مع بدء صورة الأفق الاقتصادي في التدهور. وما يقيد حرية تحركه هو ما إذا كان سيحافظ على سياسة تشديد الائتمان بهدف تقييد تسارع وتيرة صعود الأسعار، أم أنه سيتوقف عن رفع الفائدة لحماية النمو الاقتصادي في منطقة اليورو والذي يعد الأقوى منذ عام 2000.
وفي رأي إيريك شاني كبير الاقتصاديين في مؤسسة Morgan Stanley بلندن أن توليفة من رفع تكاليف الإقراض والضرائب العالية وجعل اليورو أكثر قوة من شأنها أن تدفع اقتصاد منطقة اليورو البالغ قيمته 10 تريليونات دولار إلى الوقوع في براثن الركود في عام 2007 .وعبر ستيفان داو كبير الاقتصاديين في بنك UBS بلندن عن القلق ذاته بقوله انه يشعر بقلق متزايد بشأن العام المقبل، ومع اقتراب عام 2007 سيكون من الصعب تبرير القيام بإجراء المزيد من رفع الفائدة.
وقد ورد في تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في 1 أغسطس الإشارة إلى أن التوسع في منطقة اليورو مازال هشا، اعتمادا على النمو القوي للاقتصاد العالمي، وتنبأ الصندوق بأن يتباطأ النمو في عام 2007 إلى 1.8 % من 2.1 % خلال العام الجاري . وتوقع أيضا أن ينمو الاقتصاد العالمي عند مستوى 5 % خلال العامين الحالي والمقبل.
ووردت في مذكرة تحليلية أعدها كل من جوليان كالوي ونيك ماثوي المحللان الاقتصاديان في Barclays Capital بلندن الإشارة إلى أن البنك المركزي الأوروبي يواجه وضعا دقيقا وحرجا من زاوية كيفية التوازن بين التوقعات القائلة بأن الاقتصاد الأوروبي سيتعرض للتباطؤ وبين توقعات ارتفاع معدلات التضخم.
وقد بلغ معدل التضخم في شهر يوليو 2.5 % وذلك للشهر الثالث على التوالي، ويعد هذا المستوى الأعلى منذ شهر أكتوبر الماضي، وبالتالي تجاوز التضخم على مدى 18 شهرا المعدل المستهدف من قبل البنك المركزي الأوروبي والذي يبلغ 2 %. وقال ديفيد ماكي كبير الاقتصاديين JPMorgan Chase & Co بلندن ان التطورات الحالية تتعارض مع بعضها البعض، وهو ما يجعل البنك يتحرك بوتيرة سريعة، في الوقت الذي يشعر فيه بالقلق بشأن العام المقبل.
ومع ازدياد قتامة الصورة بالنسبة لأفق الاقتصاد الأميركي الذي يعد أكبر اقتصاد في العالم، يزداد تبلد الرؤية بالنسبة لأفق الصادرات الأوروبية التي من المتوقع أن تتقلص تحت وطأة تراجع الطلب العالمي وازدياد قوة اليورو في مواجهة الدولار، حيث يقلل اليورو القوي من تنافسية الصادرات الأوروبية، بأن يجعلها أكثر كلفة في الخارج . وقد نما الاقتصاد الأميركي خلال الربع الثاني من العام الجاري بنسبة 0.6 % بالمقارنة مع الربع الأول، أي أنه نما بمعدل اقل من النصف من معدل نموه في الربع الأول.
ولعل بروز مخاطر تباطؤ النمو الاقتصادي بشكل حاد قد شجع بن بيرناك رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي على إطلاق إشارات توحي باستعداده لوقف دورة رفع الفائدة الأميركية التي استمرت لمدة عامين حتى مع تصاعد وتيرة صعود التضخم.
وقال بيرناك في 19 يوليو انه قلق من رفع تكاليف الاقتراض إلى مستوى عال، بعدما قام البنك برفع الفائدة 17 مرة خلال العامين الماضيين، بما أوصلها إلى 5.25 % وفي وقت سابق، أوضح تقرير أن أسعار المستهلك ارتفعت في شهر يونيو للشهر الرابع على التوالي، وربما يكون من المتعين على تريشيه أن يقرر ما إذا كان سيحذو حذو بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي، ويقوم برفع معدلات الفائدة وذلك على حساب النمو الاقتصادي.
وقال شاني المحلل في Morgan Stanley انه غير ممكن استبعاد أن يشهد مطلع العام المقبل فترة قصيرة من الركود وتنبأ أن يكون متوسط النمو في العام المقبل في حدود 1.4 % أي أقل من توقعات البنك المركزي الأوروبي التي قدرت بأن يبلغ 1.4 %، ويشير المؤيدون لمعدلات فائدة مرتفعة إلى أن التقارير الاقتصادية تظهر أن تكاليف الاقتراض ليست عالية بشكل يكفي لتلطيف الضغوط التضخمية.
وقد أوضحت التقارير الحكومية والصناعية خلال الأسبوع الجاري أن معدل الثقة بين المستهلكين والمديرين التنفيذيين عند أعلى مستوى لها منذ شهر مارس الماضي وأن القطاع الصناعي شهد في شهر يوليو توسعا اقترب من معدل عام 2001 الذي كان يعد الأسرع على مدار ست سنوات، وقد وصلت أسعار النفط إلى 78.40 دولاراً للبرميل في 14 يوليو، الأمر الذي دفع مؤشر المفوضية الأوروبية الخاص بتوقعات المستهلك للأسعار إلى أعلى مستوى منذ يناير 2002، وهو ما أدي إلى ازدياد احتمالات ارتفاع الأجور.
وفي ألمانيا التي تعتبر أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، قد يؤدي قرار الحكومة الألمانية رفع ضريبة المبيعات في العام المقبل من 16 % إلى 19 % إلى دفع الأسعار لأعلي . وتسارعت وتيرة نمو العرض النقدي في شهر مايو لأعلى معدل لها على مدى يزيد على 3 سنوات، ورغم تراجع نمو العرض النقدي في شهر يونيو إلى 8.5 %، إلا أن هذا المعدل مازال يقل عن المعدل الموضوع من قبل البنك المركزي الأوروبي والبالغ 4.5 %.
وهناك احتمال في رأي بعض المحللين بأن يردد البنك المركزي الأوروبي قناعة مفادها أن الضرائب المرتفعة وأسعار النفط تنطوي على مخاطر بالنسبة للتضخم أعلى من النمو الاقتصادي.
متابعة : مجدي عبيد