تقول دراسات حديثة إن شريحة المتسوقين الأوفياء لمركز تسوق واحد، في دبي، آخذة بالارتفاع. ويرتكز تحليل ذلك الاتجاه على سبب نفسي يتعلق بقدرة المركز التجاري على خلق بيئة متكاملة وتجربة نفسية مستقرة تشعر المتسوق أنه ليس بحاجة إلى تجربة مراكز أخرى. ويساعد وجود نسخ متكررة من محلات معينة في العدد الأكبر من المراكز، شريحة المتسوقين متوسطي الدخل، على الاكتفاء بزيارة مركز واحد.
بينما تجذب »المولات« التي تنفرد بمحلات تبيع علامات تجارية أميركية وأوروبية فخمة، باستقطاب المتسوقين الأثرياء الذين لا يجدون طلبهم إلا في مكان واحد، ويسعدون بعدم تعميم تجربتهم التسوقية على شرائح شعبية أخرى.
إزاء تلك الظواهر التي يختلط فيها الاقتصادي بالنفسي، وجدت بعض المراكز التجارية، وآخرها مركز »برجمان«، فكرة ذكية وجديدة، نسبياً، في عالم التسوق. »لماذا لا يقيم المتسوقون داخل المركز ذاته؟«.
ويمكن تصنيف هذا المشروع، من الناحية التسويقية، في خانتين: الأولى تتمحور حول نظرية »تمدد العلامة التجارية« (براند اكستانشين)، حيث تمددت علامة »برجمان« من كونها دلالة على مركز تسوق، لكي تحملها شقق فندقية فخمة يبلغ عددها أكثر من تسعين وتحمل اسم »ريزدنس«.
وخلال الشهر المقبل، سيتم افتتاح فندق »برجمان روتانا«، المرتبط بمركز التسوق أيضاً، وسيضم 150 جناحاً فندقياً. الخانة الثانية تتعلق بتوفير ما يعرف بـ» التجربة التسويقية المتكاملة« (هول باكيج)، من خلال جعل المستهلك يعيش تجربة التسوق، بما تعنيه الكلمة حرفياً، إذ هو يقطن إلى جانب حله المفضل، أو مطعمه الأثير.
وبالفعل، وبعد تأخر انجاز المشروع أكثر من سنتين لأسباب لوجستية وانشغال المقاولين في مشاريع أخرى والحرص على تقديم تجربة نهائية متكاملة، أطلق »برجمان«، مركز التسوق الذي ربط اسمه بقيم محددة مثل الفخامة والرقي، أكثر من تسعين شقة سكنية، مرتبطة بمركز التسوق في منطقة بر دبي ومستقلة في مبنى خاص، له مداخله ومواقف سياراته المستقلة.
وحفاظاً على هوية المركز، والتداعيات الذهنية التي باتت مقترنة بعلامته، من كونها تجسد الفخامة والرقي، تم الحرص على التعامل مع شركات عالمية معروفة في مجالاتها، وفي عالم الفخامة. فالبرج »ريزدنس« قد صممته الشركة المعمارية العالمية العريقة »كون بيديرسون فوكس« التي تملك مكاتب في مدينتي نيويورك ولندن،
ويحتل البرج السكني موقعاً مريحاً خلف مركز »برجمان« للتسوق في بر دبي، وهو يتألف من 80 شقة دوبلكس ذات مساحات واسعة، و10 منازل، و5 بنتهاوس ذات معايير فخامة عالية، بدءاً من الأرضيات الخيزرانية المصقولة، والبلوطية الصلبة، والماركينية السوداء، بالإضافة إلى الحمامات الرخامية، والمطابخ التي صممتها الشركة الألمانية المتخصصة »بوجينبول«.
شقة بـ137 ألف دولار
»الشقق لدينا يتراوح إيجارها السنوي بين 60 ألف دولار و137 ألف دولار«، يقول مسؤول التأجير، فيما فلاشات كاميرات المصورين تضيء بمعدل مرة كل ثلاث ثوانٍ، وقد تجمعوا داخل الشقة الفخمة التي دعي إليها الصحافيون في دبي. تلك ليست شققاً تقليدية في مجمعات أو مناطق بعيدة عن الوسط التقليدي للمدينة، المحدد بمنطقة بر دبي، بل هي في عمق الوسط، وامتداد لأحد مراكز التسوق الفخمة.
ففي دبي، حيث ورشة البناء لا تهدأ، والابتكارات تتسارع وتيرتها كل يوم لتلبية الطلب المتزايد على إيجاد سكن للعاملين في المدينة، الآتين من كل دول العالم، بدأت ظاهرة جديدة تترسخ مع بروز شقق ملحقة بمراكز التسوّق التي تستقطب عدداً متزايداً من المتسوقين المحليين والآتين من خارج البلد.
وقد أصبحت نسبة المتسوقين الأوفياء لمركز تسوق محدد، أكثر مما كانت عليه في الفترات السابقة، وبرزت شريحة المتسوقين المتكررين الذين يقومون بالفعل التسوقي أكثر من مرة في الأسبوع.
ومع تفاقم أزمة السير في شوارع المدينة، ومحاولة الدولة معالجتها عبر شق طرقات جديدة وتوسعة الطرقات الحالية، إضافة إلى تنشيط مشاريع النقل العام وبناء خط مترو من المتوقع انتهاؤه في العام 2009، باتت عملية التنقل أصعب بالنسبة للمتسوقين، خاصة في الفترة المسائية التي تلي انتهاء دوامات العمل.
يقول سمير، أحد المتسوقين:» يفصل بين بيتي ومركز برجمان للتسوّق شارعان فقط، وبرغم ذلك أقضي أكثر من أربعين دقيقة للوصول إلى الموقف الأرضي للمركز، بسبب الازدحام المسائي الخانق«.
فخامة وهدوء
المركز ذاته، أي برجمان، الذي يحوي 300 محل تجزئة، في غالبيتها تبيع منتجات الماركات الأوروبية والأميركية الأكثر فخامة، أراد أن يقدم حلاً مرضياً لشريحة زبائنه الأثرياء، فقام ببناء شقق على درجة عالية من فخامة التصميم والتجهيز، وجعلها ملحقة بالمركز بممر لا يسمح إلا لسكان الشقق باستخدامه.
يقول ماجد الغرير، مدير المجموعة المالكة للمركز الذي يمتد على مساحة 2.8 مليون قدم مربع في وسط المدينة، »إننا نريد أن نقدم إقامة فخمة للمتسوقين لا تضاهى بمثيل«.
ويضيف عيسى آدم، مدير المركز، أنّ عدداً كبيراً من وكلاء الماركات العالمية الذين يديرون محلاتهم داخل المركز أعربوا عن رغبتهم بالإقامة في مكان قريب من عملهم، وله مواصفات عالية تتناسب مع مقدراتهم الاقتصادية ووضعهم الاجتماعي.
تخاطب تلك النوعية من الشقق بالدرجة الأولى، وكلاء التجزئة والرؤساء التنفيذيين لشركات تقع مكاتبها في برج المكاتب الملحق أيضاً بالمركز، إضافة إلى المتسوقين الذين تروق لهم الإقامة على بعد أمتار قليلة من محلاتهم المفضلة، »من دون أن يشعروا بأي انزعاج أو ضجيج، إذ أن الشقق التي يبلغ عددها 95 شقة فقط، لديها مداخل منفصلة تماماً عن مدخل المركز، ومواقف سياراتها مستقلة، وبيئتها هادئة جداً«.
للعائلات فقط
يقول سامر غازي، مسؤول التأجير في الشقق إنّ »هناك شروطاً دقيقة يتم على أساسها انتقاء المستأجرين، ويهمنا جداً مراجعة ملفاتهم الاقتصادية للتأكد من قدرتهم على الإيفاء بمستلزمات الإيجار من دون انقطاع«. وتبرز في دبي، حالياً، مشكلة وقوع عدد كبير من الشباب في ورطة الاقتراض البنكي وبطاقات التأمين، والفوائد المرتفعة،
الأمر الذي يجعل من دفع الإيجار بطريقة منتظمة وسلسلة أمراً غير ثابت، في الوقت الذي تزداد فيه الضغوطات على المستأجر وترتفع قيمة الإيجارات بنسب كبيرة قد تصل إلى 40% سنوياً. وبالرغم من أن شريحة العزاب، غير المتزوجين، هي الشريحة الغالبة على المقيمين في دبي، فإن تلك الشقق الملحقة بمركز التسوق لا تستقبل إلا متزوجين:» هناك بعض الاستثناءات، لكن الأمر يحتمل الدراسة والتدقيق«.
دبي ـــ خاص البيان الاقتصادي



