المرأة الجنوبية التي يحاول المصور اختيار الزاوية الأنسب لتظهير صورة نزوحها المأساوي، تملك، في ضيعتها، التي احترقت، كروما من العنب والكرز. المرأة الجنوبية التي يختار المراسل صياغات دقيقة تستدر عطف المشاهدين وتنبههم إلى »المهجرة التي تبحث لإبنها عن علبة حليب مجفف وتفترش حصيرة بالية في موقف سيارات في أحد الاحياء البيروتية«، هي ذاتها التي كانت، إلى حين قريب، تفتح بابها المشرع على حقول الزيتون، وتنتظر الغريب، عابر السبيل الذي لا تعرفه، لكي ترش على رغيفه الزعتر والزيت، وترص في سلته قليلا من القاورما.

ثيابها، تلك التي علق على أطرافها طين الأرض، ليست ثياب النزوح، كما يريد التلفزيون أن يفتي. غطاء رأسها، المتواضع الخالي من الزخرفة والإبهار، ليس قبعة التهجير التي أجبرت على ارتدائها حزنا على البيت الذي تهدم والكلاب التي سحبت الجثث من تحته.

إنها ثيابها المعتادة. ترتديها في وقت الطيبة والألفة، حين تجلس على عتبة البيت، الرخامية الباردة التي تختزن حنو الجلسات الهانئة في صيف حار. حين تخرج إلى الحقل، تحتاج إلى مثل تلك الثياب الواسعة الفضفاضة التي تخفي »حياءها« من تحتها، حين تتحرك بهمة وخفة، تقوم وتقعد، تنحني وتتسلق شجرة أو صخرات الجل..

تفرط الزيتون عن الشجرة، وتضرب شجرة الزعرور بعصا طويلة، أو تطحن السماق بالمدقة الخشبية الثقيلة، على السطح المكشوف للناس. ليست الثياب الفضفاضة، ثياب النزوح، بل قماشاً يحمي الأجسام من غلظة الطبيعة أحيانا، وغلظة نظرات العيون أحيانا أخرى.

ألوان الثياب، غير المتناسقة بالمفهوم المدني للموضة وطريقة تشكيل القماش على الأجساد، تبدو أكثر تجانسا مع ألوان الحقل. هناك، يرتدي الجنوبيون أشجارهم وعرائشهم وجبالهم ووديانهم وسهولهم وما يخلفه ماء النهر من تلاوين على صخرات مجراه، وحفاف النبات. لا يحتاج ابن الجنوب، الآتي من كومة ألوان متبدلة أكثر من الموضة،

ومتجاورة أكثر من التناقض، أن يفكر بتناسق الألوان التي يرتديها. هو ابن اللون أصلا، والكاميرا، التي تصول وتجول على تلك الثياب، بلقطات مقربة حد الوقاحة، تريد أن تفتي أن الجنوبيين لبسوا ثيابهم على عجل، ولم يتنبهوا إلى أناقتها، فهم نازحون من تحت القنابل وهدير الطائرات. هم المهجرون، ولا يجب أن نلومهم على فوضى هندامهم وعدم تناسق الألوان فيه.

تريد الكاميرا أن تقول إن أهل الجنوب، الآتين إلى صيدا وبيروت وطرابلس، يظلون مشهدا غريبا عن صورة المدينة. مشهد غريب لأنه مؤقت، ومؤقت لأنه غريب. غدا يرحلون ويعود الانسجام إلى صورة المدينة الكلية الواحدة. تريد الكاميرا أن تفتي بالكثير، ملتقطة دمعة أم من هنا أو صرخة عجوز من هناك أو قسم رجل يصرخ. لكن الجنوبيين يفاجؤون الكاميرا.

يفوتون عليها الرغبة بتهجيرهم مرة أخرى. صورة التهجير التلفزيونية تلك التي يشاهدها الملايين حول العالم، ويتحرك شريط أخبار يتزايد فيه الرقم يوما بعد آخر.

يهجّر التلفزيون - طمعاً باللحظة الدرامية المشوقة، وبذريعة المواكبة التلفزيونية الدقيقة للحدث - أهل الجنوب مرة ثانية، بتظهيره أنماطا مقولبة للذل والمهانة والضيق الذي يعانون منه. أغلب الظن أن الجنوبيين لا يريدون ذلك، وان واحدا من مئة هو الذي يرضى بالحديث للمراسل، وان هذا الواحد حين يتم سؤاله عن الرغيف والجوع يحمد الله ويشكره، كما حزبه وسيد الحزب.

يفوّت الجنوبي الفرصة على الكاميرا، فلا يقف أمامها، إلا نادرا، وفي لحظة ضيق كامل. ولا يتحدث عن جوع الأطفال، إلا في لحظة يأس كامل. لكنهم لا ييأسون. وهم، في مغادرتهم القرى، مثل المتسربين من المدرسة. لا يريدون أن يشهروا ذلك. يخجلون من صورة النزوح. تأبى كبرياؤهم تلك الصورة.

المرأة الجنوبية التي تعرف جيدا كيف تقيس عمر أشجار الزيتون الضالعة في أرضها من مئات السنين، تأبى أن تختزلها لحظة تلفزيونية عابرة... بوصفها المهجرة في موقف سيارات!

دبي ـــ إبراهيم توتونجي