لم يبعدهم زمن الغناء الهابط عن الساحة الفنية، بل ظلت أصواتهم هي المفضلة عند عشاق الفن الملتزم، وعند القادرين على التمييز بين الفن الحقيقي وغيره من الفنون التي تستمد وجودها من تفاصيل أخرى بعيدة عن الفن.
مارسيل خليفة، ماجدة الرومي، وجوليا بطرس، وغيرهم.. أسماء نعرفها جيدا لأنها لا تغيب عن ذاكرتنا، وإن غابت فإنها تعود بحضور قوي يميزها عن غيرها من الأصوات.ولكن ما يلفت أن هذه الأغنيات تستعيد روحها في ظل الأزمات والحروب،
وهكذا باتت الفضائيات وبالأخص منها اللبنانية، تبث الأغنيات والموسيقى الحماسية في تغطيتها للحرب العدوانية التي تشنها إسرائيل على لبنان للأسبوع الرابع على التوالي، بينما عمدت بعض القنوات الى تنفيذ عدد من «الكليبات» التي توثق المجازر ومشاهد العدوان والتصدي له بمرافقة أغنيات وموسيقى للعديد من الفنانين.
مارسيل خليفة الفنان الأكثر جمهورا بين مختلف الأجيال، مؤلف موسيقي ومغن وعازف عود، ويعتبر مارسيل أحد أهم الفنانين العرب الملتزمين بقضيته، بأغنياته التي تأخذ الطابع الوطني، وبأسلوب دمجه بين الموسيقى الشرقية والآلات الغربية كالبيانو. في بداياته كان منتميا إلى الحزب الشيوعي (رغم أنه لم يلتزم به بشكل دائم)،
و كان ومازال مؤمناً ومدافعاً عن القضية الفلسطينية، هذا الإيمان الذي رافقه في أغنياته وموسيقاه رغم أن طابع الموسيقى قد اختلف بشكل واضح حسب مراحل حياته من الحرب الأهلية اللبنانية و النضال الفلسطيني إلى مرحلة السلم.
منذ منتصف السبعينات، بدأ مارسيل بتلحين قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش مطلقا ظاهرة غناء القصيدة الوطنية الفلسطينية التي تمتزج فيها صورة المرأة الحبيبة بالأرض والوطن أو الأم والوطن معا، كانت البدايات مع : «ريتا و البندقية» و «وعود من العاصفة»
واستمرت لسنين محققة مزجا رائعا بين العود و شعر درويش الرمزي الوطني العاشق فكانت «أمي» و «جواز السفر» شعارات يحملها و يرددها الجماهير العربية المنادية بالنضال في فترة ما بعد النكسة، وشكل مارسيل و درويش ما يشبه الثنائي في أذهان الناس،
رغم أنهما لم يلتقيا إلا في فترة متأخرة، كما لحن مارسيل أيضا لشعراء آخرين مثل شوقي بزيع وحبيب صادق و طلال حيدر وحسن عبدالله وغيرهم.. واستطاع مارسيل أيضا إدخال الساكسفون إلى الموسيقى العربية في واحدة من أهم أغنياته « يعبرون الجسر» وعبر عن ميوله اليسارية بقوة في «قصيدة الخبز و الورد »
ماجدة الرومي التي حضرت أخيراً بقوة في أغنيتها «شوف شوف يا حبيبي شوف» التي عرضت بفيديو كليب مميز يدمج ما بين القديم والجديد، تحضر الآن بقوة على الفضائيات اللبنانية والعربية، وهي التي غنت قصيدة نزار قباني «يا ست الدنيا يا بيروت»
وغيرها من الأغنيات الوطنية التي شكلت بصمة في ذاكرتنا يتماشى صوتها القوي وأغنياتها العذبة مع المحنة التي يتعرض لها لبنان في حرب قاهرة يحتاج الناس لمقاومتها والصمود فيها إلى أصوات كثيرة ترتفع عاليا لتشد من أزرهم.
ماجدة التي نشأت في بلدة لبنانية نموذجية بطرقاتها الجبلية الضيقة وعين المياه وشجر الزيتون وكروم العنب والبيوت المتلاصقة تعكس جميع هذه التفاصيل في غنائها الذي لا يبتعد بشفافيته وصدقه عن هذا الجو، حيث تشكل بينها وبين هذه البيئة علاقة حميمة وترسخ بداخلها و في قلبها نموذج للبنان البكر قبل أن تخدشه الحروب.
هي ابنة الموسيقار حليم الرومي التي شبت في عائلة فنية، وحرصت خلال مسيرتها الفنية على المحافظة على تقديم فن راق سواء في زمن الحرب اللبنانية السابقة أو في زمن السلم، غنت ماجدة الرومي قصيدة «كلمات» و«طوق الياسمين» و«مع جريدة» لنزار قباني، وغنت «كن صديقي» لسعاد الصباح كما برزت في عدة أغنيات وطنية مثل «قوم تحدى» و«سيدي الرئيس» و«قانا» كما غنت لمحمود درويش قصيدة «سقط القناع».
أما جوليا بطرس التي كان أول ظهورها الفني عام 1984 إبان الاجتياح الإسرائيلي على لبنان في أغنية(غابت شمس الحق) ثم غنت « وين الملايين» و تتالت أغنياتها الوطنية من تلحين أخيها زياد بطرس، كما غنت جوليا بعض الأغنيات التي تنطلق من فكرة الحنين لزمن ما مثل أغنية «يا قصص عم تحمل أسامينا» وأيضا الأغنية التي كان لها صدى مميز «وين مسافر».
جوليا التي تحولت في مسارها قليلا أيام السلم لتطلق بعض الأغنيات ذات الطابع الرومانسي مثل أغنية «على شو»، «اتعودنا عليك» و«لا بأحلامك» إلا أنها ظلت محافظة على مستوى فني معين يحرص على اختيار اللحن والكلمة.
ولا تخفي جوليا أعجابها بمارسيل خليفة، وتقول :« كنت على طول أردد بالبيت أغنيات مارسيل ومازلت من أشد المعجبين بفنه وبطروحاته وخاصة بالشعر اللي كان يختاره، شعر متميز كثير، غير مباشر بنفس الوقت فيه حنين وفيه رؤية، مارسيل خليفة يعني الوطن أو صورة الوطن اللي لازم تكون».
وتحرص جوليا دوما على التعبير عن احتجاجها على ما يجري في الوطن العربي من حروب وموت ودمار سواء في العراق أو فلسطين أو لبنان. وفي أحد حواراتها قالت: « لقد عودوا المتلقي العربي على مشهد المجزرة، يعني صار عادياً إنه مثلا تفتح التلفزيون بتشوف صار مجزرة بمخيم بالضفة أو بالعراق أو مطرح ما كان، ترجع تقلب على فيلم أو بتقلب على أغنية فيديو كليب مثلا، يعني شوف المستوى وين صرنا، طبعا مش أنا، ما عم بحكيك عليَّ،
أنا عم بحكيك على يعني الجو العام للمتلقي العربي صار بالنسبة له الموت، يعني لازم يموت له شيء، تسونامي لازم، يعني تسونامي لازم يصير بالوطن العربي حتى ما حد ينهز وهلا إذا ما صار مئتا ألف قتيل، يعني مئة عادي.
مارسيل، جوليا، ماجدة طبعا بالإضافة للرافد العظيم الأول فيروز ومسرح الرحابنة، فنانون يقدمون وجها مشرقا للفن اللبناني القائم على الإبداع والأصالة، فلماذا يكون الإخلاص لهم في زمن الحرب فقط؟
خدمة (وكالة الصحافة العربية )
القاهرة ـ لنا عبد الرحمن
