من الصعب الاندهاش من إخفاق محادثات التجارة العالمية في جولة مفاوضات الدوحة في الوقت الذي يشتعل فيه الشرق الأوسط وترتفع فيه أسعار البترول ويتراجع الاقتصاد الأميركي.

لقد سبب الرضا الزائد عن الذات والإهمال فشل المحادثات مما يشير إلى هزيمة السياسات ذات الاهتمامات الخاصة. ويحتمل ان يصيب الفقر الجميع بعد إخفاق هذه المحادثات في أعقاب خمس سنوات من التفاوض والإعداد لها.

وليست جولة مفاوضات الدوحة فقط هي الخسارة المرئية، فإن عدم الالتزام بالتجارة متعددة الأطراف الذي سقط في جولة محادثات الدوحة سوف يفت في عضد النظام التجاري أيضاً على المدى الطويل.

أكبر خدعة للثقة

يقول تقرير لمجلة »الإيكونوميست« ان المحادثات التجارية دائماً تفشل قبل أن تسجل أي نجاح، فكان من المتوقع انتهاء جولة محادثات اورجواي خلال 4 سنوات، لكنها تمددت إلى 8 سنوات. والمحادثات الزراعية والسبب في إخفاق جولة الدوحة، كان دائما شوكة في الخاصرة.

ورغم الإخفاق في التوصل إلى اتفاق دولي فإن الاتفاقيات الإقليمية بين الدول تقوم بهذا الدور بسرعة مضاعفة وبدون كل هذه الفجة.والمكاسب التي تحققت من جولات المحادثات السابقة يجري استثمارها ولن يخاطر أحد بالرضا المتولد في الوقت الذي تنضم فيه الصين والهند وغيرها إلى الاقتصاد العالمي بتعريض التجارة للخطر.

ولابد للحرس القديم أن ينظر بعيون جديدة لأن إخفاق جولة الدوحة لايزال يشكل أكبر تهديد على النظام التجاري منذ الحرب العالمية الثانية. ويمثل هذا الفشل تسليم المفاوضين التجاريين لخدعة الثقة التي بنيت عليها التجارة العالمية.

وتأتي فوائد التجارة الحرة من الواردات أكثر من الصادرات. واستيراد السلع الأرخص والأفضل يعطي المستهلك المزيد مقابل ماله عن طريق المنافسة يرفع الإنتاجية المحلية.

وتحرير التجارة متعددة الأطراف يستقبل عزم المصدرين على دخول السوق العالمية للتغلب على جماعات الضغط الداخلية التي ستجعل الأسواق المحلية مغلقة قريباً، ومفهوم مفاوضي التجارة بأن فتح أسواقهم يعتبر تنازلاً مقابل فتح أسواق أخرى هو هراء اقتصادي يتم توسيعه لأغراض السياسة المحلية.

وقد ساعدت هذه الخدعة العالم على أن يعيش سنوات من الرخاء. وأضافت جولة الدوحة خدعة أخرى بطرح فكرة »جولة التنمية« التي تعتبر وسيلة ماهرة لإضفاء مزيد من الجاذبية على التجارة الحرة.

لكن كلتا الخدعتين جاءتا بنتائج عكسية بإقناع الدول الغنية المشاركة بأنها تضحي بمصالحها الوطنية لصالح الآخرين، بدلاً من تعزيز اقتصاداتها. ولا يمكن إلقاء اللوم على دولة بعينها، فكثير من المشاركين في المحادثات، شاركوا في صنع الفشل.

أرادت الهند خفض الدعم الزراعي والتعريفة الجمركية، لكنها لا ترغب في إزالة الحواجز أمام السلع الزراعية والمنتجات الصناعية. ولم يوافق الاتحاد الأوروبي على خفض الجمارك الزراعية.

وأعلنت أميركا أن عدم التوصل إلى اتفاق على الإطلاق أفضل من صفقة سيئة، وهي الروح الوحيدة وراء دفع الجولات الأخرى للمحادثات. لقد دفنت هذه الأطراف المنطق وراء تحرير التجارة الثنائية ونسيته من فترة طويلة.

ولذلك يرى دبلوماسيو المحادثات التجارية أن الاتفاقيات الإقليمية هي الأفضل. هذه الاتفاقيات أسهل في التوصل إليها. وكانت الاتفاقيات الإقليمية نادرة منذ عقد واحد، لكن كل دولة عضو في منظمة التجارة العالمية الآن أبرمت اتفاقية تجارية ثنائية على الأقل.

وتعتمد قيمة هذه الصفقات مع ضيق الأفق على قدرتها على خلق تجارة أو تحويلها لكن تأثيرها الأوسع نطاقاً قد يكون مدمراً. فالاتفاقيات الثنائية معقدة وغالباً ستكون سيئة بالنسبة للدول الفقيرة.

فالدول الفقيرة تستطيع مناطحة الدول القوية في الاتفاقيات الجماعية، لكنها في الاتفاقيات الثنائية لا تستطيع ذلك، وكلما زادت الاتفاقيات الثنائية زادت صعوبة التوصل إلى اتفاقات جماعية.

المستقبل مجهول ومحفوف بالمخاطر

وحول ما إذا كان إخفاق جولة الدوحة مجرد عدم تقدم وليس عكس اتجاه؟ الحقيقة أن بحور التجارة العالمية راكدة، وقد بدأت التجارة تنمو بمعدل أسرع من نمو إجمالي الناتج المحلي العالمي. وارتفاع أسعار السلع والنمو القوي يعنيان انه ليس هناك نداء من أجل الحماية. لكن رغم أن النظام التجاري لن ينهار، لكن الصدأ سوف يعلوه بمرور السنين.

فسوف يكون من الصعب إحياء جولة الدوحة عندما يفقد الرئيس الأميركي العام المقبل تفويض الكونغرس له بالتفاوض حول اتفاقيات تجارية دون أن يتدخل البرلمانيون. والتشريع المتوقع العام المقبل حول المنتجات الزراعية في أميركا قد يكون مدمراً ويزيد من الخلافات في هذا الصدد.

وقد ينتشر هزال الرغبة السياسية إذا بدأت الشركات الأميركية والأوروبية في تسريح مزيد من العمالة. وقد تؤدي شكاوى الغرب بشأن القرصنة على حقوق الملكية إلى تعظيم الخلافات مع الدول النامية.

وإذا انقلبت منظمة التجارة العالمية ضد أميركا لن يتسامح الكونغرس مع ذلك، كل هذه العوامل توضح مدى سهولة انهيار نظام التجارة العالمي وليس فقط جولة محادثات واحدة.

ترجمة: أشرف رفيق