يواجه حسين سلطان المدير التنفيذي لمجموعة اينوك معادلة ذات طرفين متناقضين، تمثل تحديا صعبا يندر وجوده في دنيا المال والأعمال، يتمثل طرفها الأول في إنجاز التوسعات التي تكفل للشركة تحقيق الرسالة التي وضعتها نصب عينيها بأن تكون شريكا ذا مصداقية في مجال الطاقة على المستويين المحلي والدولي،

وان تكون إحدى القسمات الرئيسية المعبره عن وجه دبي العالمي كمركز للتجارة والإقنصاد، أما الطرف الثاني من المعادلة، فيتمثل في القيود المالية الموضوعة على الشركة الناتجة عن المسؤوليات الإجتماعية التي تنهض بها الدولة في مجال تسعير الوقود،

وهو ما جعل الشركة تواجه نزيفا مستمرا من الخسائرعلي مدار سنوات عديدة، بحيث صار هدف الوصول إلى نقطة التعادل بين الإيرادات والمصروفات مطمحا عزيز المنال على أجندة الأهداف الاستراتيجية للشركة.ولعل الإجابة التي توصل إليها حسين سلطان للتعامل مع هذا المأزق الذي رافق شركة اينوك على مدار تاريخها الطويل،

تمثلت في تنويع قاعدة الاستثمارات وتنويع المنتجات وابتكار منتجات متميزة، على اعتباران بيع الوقود في محطات التجزئة لا يحقق أي أرباح، بل على العكس يزيد الخسائر المتراكمة بين فروق الأسعار بين الشراء وبيع التجزئة للمستهلكين.

وفي البداية، تأسست شركة شركة نفط الإمارات الوطنية المحدودة (اينوك) في يونيو 1996، باستثمار قدره 350 مليون دولار، وتتولى الشركة إدارة العمليات النفطية في دبي، وتتبع لها مجموعة من الشركات المتخصصة التي تعمل داخل الدولة وخارجها من بينها شركة دبي للغاز الطبيعي (دوغاز).

وقد افتتحت الشركة منذ العام 1999 أول مصفاة لتكرير النفط مملوكة لها بالكامل، وتكلفت هذه المصفاة نحو 1.5 مليار درهم وتنتج 120 ألف برميل يومياً. وأقيمت على مساحة 890 ألف متر مربع. وتنتج المصفاة الديزل ووقود الطائرات للإستهلاك المحلي، ولكن إنتـاجها الرئيسي هو مادة (النافتا) التي يتم تصديرها إلى دول الشرق الأقصى.

وتمتلك اينوك حالياً 150 محطة »اينوك ـ ايبكو« في دبي والشارقة والإمارات الشمالية، وتخطط لإنشاء 20 محطة توزيع جديدة تتكلف الواحدة منها سبعة ملايين درهم على الأقل.

رؤية الشركة

وصاغ حسين سلطان الرؤية التي تسعي الشركة تحقيقها، ومؤداها – حسبما جاء في موقع الشركة على شبكة الإنترنت - أن تكون شريكا ذا مصداقية في مجال الطاقة، من خلال الابتكار المتواصل للارتقاء بجودة المنتجات، والتطوير المستمر في أنواع الخدمات، والتحديث في تقنيات تقديم الخدمات، إلى جانب،

تلبية مطالب السوق بشكل سلس وإيجابي، وتوفير أساليب في الإدارة والأداء المالي على أحدث طراز، والمساهمة الإيجابية في القضايا البيئية والاجتماعية، ويوجز حسين سلطان الرسالة التي تضعها الشركة نصب عينيها بقوله »إن الشركة تسعى لأن تكون فاعلا رئيسيا في تشكيل المستقبل العالمي لدبي«.

ولعل هذه الرؤية ذات الزوايا الاجتماعية والاقتصادية المتعددة تعد السبب الرئيسي وراء انخراط الشركة في تشكيلة متنوعة ومتسعة من الأنشطة تتجاوز القطاع النفطي بمعناه الضيق، على نحو جعل كافة الخطط المستقبلية للشركة تتقاسم هدفا واحدا،

وهو تعزيز مكانة دبي و الدولة بشكل عام كبوابة للاعمال في منطقة الشرق الأوسط، على اعتبار أن تألق مكانة دبي من خلال اتباع سياسات الاقتصاد الحر والتحديث المتواصل لبنيتها التحتية، يمثل الضمانة لتحقيق الشركة النجاح في القرن الحادي والعشرين، وعليه، تسعى الشركة بأن تكون الاسم الذي يشار إليه بالبنان في تشكيل مستقبل دبي.

القيود المالية

وربما لا يوجد من وجهة نظر حسين سلطان ثمة تناقض بين سعي الشركة لتحقيق رسالة تنطوي على دلالات سياسية واجتماعية، وكون الشركة تعد في المحك النهائي شركة تجارية من حقها تحقيق أرباح مثل بقية شركات القطاعات الاقتصادية المختلفة.

وتفيد هنا تقديرات حسين سلطان أن الشركة خسرت 5. 1 مليار درهم في السنوات السبع الأخيرة بسبب ارتفاع أسعار النفط الخام وفروق الأسعار العالمية لبيع البنزين بالجملة وأسعار البيع المحددة محليا،وأن خسائر الشركة اليومية من مبيعات البنزين وحدها تتراوح من 4 إلى 5. 4 ملايين درهم،

وقد تتفاقم مشكلة خسائر شركات توزيع البترول مستقبلا نتيجة تضاعف أسطول المركبات من كل الأنواع على طرق الدولة خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وبالتالي، تقع شركات توزيع البترول بين فكي الكماشة من حيث الخسائر الناتجة عن مبيعات البنزين، وضرورة رصد المزيد من الاستثمارات المالية لإنشاء العديد من محطات البترول لمنع حدوث مشكلة تكدس وطوابير سيارات في منافذ بيع البترول عاماً بعد الآخر.

ويتحقق من وجهة نظر حسين سلطان الخروج من هذه الكماشة من خلال الاختيار بين حلَّين، هما الدعم الحكومي لأسعار البترول أو تحرير سعره وتركه للعرض والطلب أو حتى إعادة هيكلة الشركة، مقدرا الدعم المطلوب للإبقاء على أسعار بيع البنزين المحلية في مستواها الحالي بنحو خمسة مليارات درهم سنوياً.

وهكذا، مازالت هذه الخيارات جميعها مطروحة على طاولة الدراسة، رغم إقرار البعض بأن مشكلة أسعار بيع البنزين تحتاج إلى قرار سياسي، بالنظر إلى ان الحكومة تتحكم في الأسعار، وبالنظر إلى إن شركات التوزيع لا تحصل على أي دعم، بل وأصبحت غير قادرة على تحمل الخسائر المتتالية، مما يضع علامات إستفهام بشأن قدرتها على الإستمرار في سوق يتسم بدرجة عالية من التنافسية.

بيد أن الشركة لم تنح جانبا هدف الوصول إلى نقطة التوازن بين المصروفات والإيرادات، بل و تحقيق أرباح.ويبدو ان الشركة تنهج في سبيل الوصول إلى هذا الهدف، منهج ينهض على تنويع قاعدة الاستثمارات، وتقديم خدمات مبتكرة ذات قيمة مضافة،

والدخول في مجالات للأعمال تدر أرباحا تعوض خسائر مبيعاتها من الوقود، رغم حاجتها لتحقيق أرباح من توزيع البنزين للاستمرار في تنفيذ استثماراتها العالمية والمحلية باعتمادها على التمويل الداخلي. وهو ما يتطلب تحريرها من بعض القيود، بأن تقدم الحكومة مثلا الدعم للبنزين.

وكانت شركة اينوك قد اطلقت في نوفمبر من عام 2005 مشروعا طموحا لتحديث وتطوير مصفاتها في جبل علي بقيمة 500 مليون دولار واختارت بنك دبي الاسلامي لترتيب تمويله وفقا لنظام الإجارة الإسلامية ومن المتوقع، عند إنجاز مشروع التحديث والتطوير، أن تنتج المصفاة 70 ألف برميل يومياً من النفتا المعالجة هيدروجينيا و36 ألف برميل يومياً من مركب »تحسين الحفز المستمر«.

يضاف إلى ذلك، سيجري تركيب منشآت مكملة، مثل وحدتي »استعادة الكبريت« و»معالجة الغازات المنبعثة« ومولدة طاقة. ومن المخطط للمصفاة أن تنتج عند تشغيلها حوالي 1.2 مليون طن متري سنوياً من المكونات الأساسية للبنزين المحسّن عالي الأوكتين. وقد أرست شركة »اينوك« عقد إدارة أعمال الهندسة والتوريد والإنشاء إلى أحد فروع شركة »فوستر ويلر« في المملكة المتحدة، ومن المخطط الإنتهاء من المشروع خلال عامين.

وفي ابريل من العام الجاري، أبرمت شركة طاقة الخليج البحرية اتفاقية مع بنك الخليج الأول تحصل بموجبها على 90 مليون دولار أميركي لتمويل شراء ناقلتين بمواصفات عالية للمنتجات ــ المواد الكيميائية حمولة الواحدة 47 ألف وحدة نمطية. ومن المتوقع أن تتسلم الشركة الناقلتين ثنائيتي الجدران، »جلف مطرح« و»جلف رستق«، من شركة هيونداي ميبو دوكيارد الكورية في عامي 2008 و2009.

والجدير بالذكر هنا، أن شركة طاقة الخليج البحرية قد تأسست في يونيو 2004، كمشروع مشترك تعود ملكيته إلى شركة بترول الامارات الوطنية المحدودة »اينوك« بنسبة 35%، وشركة الاستثمارات البترولية الدولية (30%)، وشركة النفط العمانية (30%) وشركة «تاليس انترناشيونال ميدل ايست» (5%)، وتزيد قيمة أصولها على المليار دولار.

وتمتلك »طاقة الخليج البحرية« حالياً أسطولاً مؤلفاً من 25 ناقلة، بين عاملة وأخرى قيد البناء، ويضم هذا الأسطول 10 ناقلات مطلية من حجم بناماكس وهانديماكس، بالإضافة إلى 9 ناقلات منتجات كيميائية من المنتظر تسليمها خلال 2006- 2009. كما تقوم الشركة بإدارة ناقلتين ومشروع لبناء 4 سفن جديدة لصالح »اينوك« في حوض دبي الجاف.

علاوة على ماسبق، جرى إطلاق شركة الخليج المتحدة لوقود الطائرات »يوجافكو« لإعادة تزويد الطائرات بالوقود، وهي مشروع مشترك بين شركة بترول الإمارات الوطنية »اينوك« والشركة العربية لخدمة الطائرات المحدودة »عرباسكو« السعودية،

وتعتبر »يوجافكو« تعتبر أول مشروع لـ »اينوك« في قطاع وقود الطائرات خارج الإمارات، وشكل هذا المشروع الخطوة الأولى ضمن خطط اينوك الطموحة لتكون الشريك الأفضل بقطاع الطاقة في مجال وقود الطائرات في المنطقة وغيرها.

وتستهدف الشركة في المرحلة الحالية منطقة الخليج، التي تشهد حاليا مشروعات تطويرية وتوسعية للمطارات بقيمة تزيد على 13 مليار دولار. وفي يوليو 2006، أقرّ مجلس إدارة الشركة العربية للصهاريج »أرابتانك« بمنطقة ينبع في السعودية، والتي تديرها شركة »هورايزن للتخزين المحدودة« التابعة لمجموعة »اينوك«، بناء منشأة جديدة لتخزين البترول بتكلفة 50 مليون دولار

بجوار المنشأة الحالية المخصصة لتخزين المواد الكيمائية في المملكة ستسهم هذه المنشأة، مع منشآت هورايزون جيبوتي للتخزين، في تعزيز قدرة هورايزون على استثمار الخطوط التجارية الهامة في منطقة البحر الأحمر. فقد كان هدف اينوك من الاستثمار في شركة أرابتانك منذ عام 2002، هو توفير كافة مستلزمات تخزين ومزج ومناولة المواد البترولية في الموقع.

وتعد أرابتانك أول شركة مستقلة للتخزين في السعودية، وهي أيضاً أول شركة تحصل على صفة مخزن إيداع في المملكة. وبالإضافة إلى ذلك يلعب الموقع الاستراتيجي للشركة في منطقة البحر الأحمر، دوراً كبيراً في استقطاب مختلف أنواع عمليات التخزين.

كما تعمل اينوك على تعزيز تواجدها في الأسواق الآسيوية، حيث تقوم شركة »هورايزون سنغافورة للتخزين« ببناء مرفأ نفطي بقيمة 343 مليون دولار سنغافوري (207 ملايين دولار) في حوض بنيان بجزيرة جورونج في سنغافورة،

وتعد الشركة بحد ذاتها مشروع مشترك أسسه في سنغافورة كل من شركة »هورايزون للتخزين المحدودة« المملوكة بالكامل لمجموعة اينوك، والمجموعة الكويتية المستقلة للبترول، وشركة »إس كيه إنرجي الآسيوية المحدودة« التابعة لمؤسسة إس كيه وشركة »مارتانك بي في« الهولندية (التابعة لفيتول هولدينج بي في)، وشركة »بوريه انترناشيونال« من الإمارات.

إنجاز التوسعات

ورغم القيود المالية الصعبة، تسعى مجموعة إينوك التي تضم أكثر من 30 شركة إلى إنجاز التوسعات، فهي تخطط – حسبما قدر حسين سلطان – إلى إستثمار 200 مليون درهم خلال العام الحالي لتطوير وصيانة وزيادة محطات التوزيع التزاما بمسؤولياتها المحلية وبأسس التنمية الوطنية ولخدمة زبائنها،

وقد رصدت الشركة 1.6 مليار دولارلمشروعاتها المحلية والعالمية خلال العامين الحالي والمقبل، وتشمل هذه الإستثمارات تخصيص 600 مليون دولار لتنفيذ المرحلة الثانية من مشروع مصفاة الشركة في جبل علي، ومليار دولار لتطوير عمليات التخزين عالميا وشراء ناقلات نفط واستثمارات في عمليات التنقيب وإنتاج النفط.

مشروع مصفاة جبل علي

يتيح مشروع تحديث وتطوير المصفاة تحسين نوعية إنتاج الشركة من زيت النفط وخفض نسبة الكبريت في منتجاتها وتوفير مركب (102 Ron) المستخدم في إنتاج البنزين الخالي من الرصاص، في حين سيكون الكبريت أحد المنتجات الثانوية. وستتمكن المصفاة، التي سيتم إنجاز الأعمال الميكانيكية فيها بنهاية العام 2007 من العمل بكامل طاقتها لمعالجة المكثفات الحمضية.

وقد أعلن بنك دبي الإسلامي في مايو من العام الجاري، عن إتمام تسهيلات تمويل الإجارة لتطوير وتحديث مصفاة جبل علي النفطية لصالح (شركة اينوك للتصنيع) التابعة لشركة بترول الإمارات الوطنية (اينوك)، وشاركت في ترتيب عملية التمويل ثمانية بنوك أخرى محلية وعالمية، هي (بنك الإمارات الدولي)، (بنك الخليج الدولي)، (بنك ستاندرد تشارترد)، (بنك المشرق)،

(سوسيتيه جنرال)، (البنك العربي)، (بنك البحرين والكويت)، و(بنك قطر الوطني ) كما تم تعيين »بنك الإمارات الدولي« كمدير رئيسي لقيادة ترتيب التمويل وحفظ المستندات، وتم تعيين كل من »بنك ستاندرد تشارترد« و»بنك الخليج الدولي« لإدارة حسابات الاكتتاب و»بنك الخليج الدولي« بصفة الوكيل الإداري لعملية التمويل.

ويرى حسين سلطان أن مشروع تحديث وتطوير مصفاة في جبل علي سيؤكد على الدور الريادي للشركة في قطاع الطاقة في دبي، والإمارات،وسيعزز مكانتها المتميزة بصفتها »الشريك الأفضل بقطاع الطاقة« بما ينسجم مع التزاماتها المتجددة تجاه مجتمعها وزبائنها.

دبي ــــ مجدي عبيد