لم تعد دبي »ترحب« بأي برج أو مبنى وبأي تصميم هندسي معماري كان، ما لم يكن ذلك المبنى (على صعيد التصميم المعماري والتجربة الإنسانية التي سيوفرها) قادرا على إضافة »شيء ما جديد ومفيد« للمدينة وللمستخدم النهائي سواء أكان ذلك المستخدم مستأجرا أم مالكا أو رجل أعمال أو مستثمرا.
دبي التي تحمل باطمئنان »تذكرة الدرجة الأولى في رحلة الانتقال إلى العالمية« أصبحت تنتقي مبانيها بعناية بعد أن كانت »تغض الطرف« عن ذلك قبل عامين، ربما لأسباب تتعلق بقوى السوق التي كانت ترجح – حتى الآن – كفة الطلب على العرض ما كان يجعلها في تلك الفترة تقبل على مضض أن يأتي المطور أو المالك بأي مبنى شرط أن يتمتع بشروط السلامة والمواصفات الفنية والإنشائية التي تظهر الجهات المعنية صرامة في تطبيقها.
الآن... أصبح على المطور (فردا أو شركة )أن يفتش كثيرا ويبحث أكثر قبل الإقدام على تطوير مبنى فالمستهلك هذه الأيام ليس هو نفسه بالأمس حيث لم يعد »متهافتا« على الاستئجار أو الشراء في أي مشروع بعد أن ازداد عدد المشاريع التي توفر للمستهلك خيارات عدة
وتنقله من موقع »المجبر« إلى موقع »صاحب القرار في الاختيار«!! الآن.. بات على المطور أن يسأل المستهلك عما يريد في المكان الذي سيسكن فيه أو يعمل فيه .. بدون هذا السؤال والحصول على الجواب المناسب سيكون من الصعب على المطور ان »يبيع« و»يربح«.
ولادة المشاريع
»البيان الاقتصادي« تبدأ من هذا الأسبوع نشر »قصص ولادة مشاريع المباني الجديدة«وتحاول أن تعطي للقارئ المتخصص وغير المتخصص صورة كاملة عن المشروع انطلاقا من حاجة المستهلك التي تدفع بالمطور العقاري إلى اتخاذ قرار بإنشاء المبنى تبعا لتلك الحاجات
ومن ثم الدور المهم الذي يلعبه المهندس في خلق التجربة الإنسانية داخل ذلك المبنى مراعيا حاجة المستهلك وشكل المبنى الذي يعطي للمبنى هويته السكنية أو التجارية.
برج ليوا
سنبدأ مع برج »ليوا« الذي وضعت مفهومه الهندسي وتجربته، المهندسة زينة مالك، لصالح رجل الأعمال الشاب فيصل علي موسى المدير الشريك في شركة »هاي رايز العقارية« فيما سيتولى المكتب العالمي شركة »دايمينشينز« للاستشارات الهندسية دور استشاري المشروع الذي سيتم إطلاقه رسميا في شهر سبتمبر المقبل في دبي.
تقول المهندسة زينة مالك »ربما يجب التوقف أولا عند اسم البرج ... ليوا... هذا الاسم مأخوذ من لغة سكان جزيرة هاواي ويعني »اثنان« في إشارة إلى أن الكثير من الأعمال التجارية تتطلب أكثر من شخص لانجازها وبذلك يكون رمز »الأيدي المتكاتفة« شرحا مختصرا لهوية البرج الذي سيكون بالتأكيد برجا تجاريا مخصصا للمكاتب«.
وتضيف مالك: »لم يكن من السهل تلبية رغبة مالك المشروع (فيصل علي موسى) فهو شاب طموح وذكي ويحاول أن يكون له تجربته العقارية الخاصة أو ربما يريد أن يختصر مسافة الألف ميل بعشرة عبر تطوير سلسلة مشاريع متفردة تضعه في سياق قائمة ابرز المطورين في الدولة.
لذلك كان لابد من فهم رغبة المطور المستندة إلى حاجة المستهلك في السوق ومن ثم التحول إلى إجراء المحاولات وصولا إلى الأنسب وليس إلى الأكمل لان الكمال صفة الخالق لا المخلوق. وكان هذا تحديا مهما كيف نخرج ببرج شكله يعبر عن هويته وهوية مستخدميه إلى جانب احتوائه على تجربة إنسانية تتطابق مع حاجة ذلك المستهلك.
هكذا تساءلت مالك وزادت على تلك التساؤلات بقولها »يجب أن نتذكر جيدا بان مالك المشروع يريد ان يبيع المساحات التجارية في ظل منافسة باقي المطورين فالسوق يعج بالمشاريع المكتبية رغم انه بحاجة إليها نتيجة الطلب لكن من المهم ان نخرج بسلعة عقارية يكون حظها اكبر في البيع من باقي السلع«.
وتوضح مالك التي تستعد لإصدار كتاب باللغتين العربية والانجليزية عن هندسة المدينة العربية»اذا كانت اهتمامات المالك ان يبني مبنى يحتوي على اكبر قدر ممكن من المساحات التجارية القابلة للبيع فان بإمكان أي مهندس حديث التخرج ان يصمم مبنى بلا ملامح وبلا مضمون ليتم طرحه للبيع بسعر مليون درهم على سبيل المثال
ولكن على الجهة الأخرى اذا كانت اهتمامات المالك على تطوير مبنى بشكل هندسي فريد وبتجربة إنسانية توفر للمستخدم كل احتياجاته بل وتختصر له جهده وأعصابه وأمواله فان بالإمكان ايضا تصميم مبنى بملامح وبمضمون وبمساحات تجارية ليست كبيرة وقابلة للبيع،
وسنكتشف لاحقا ان عوائد هذا المبنى ربما يكون أضعاف عائد المبنى الأول.لان السلعة بالنتيجة هي التي تحدد سعرها أو كما يقولون »الجودة أو الخدمة تعلن عن نفسها وتحدد ثمنها«.
وحول شكل برج ليوا تقول مالك »كان تحديا كبيرا الخروج بشكل جديد يعكس طبيعة المبنى وطبيعة مستخدميه ولاني على استعداد لإنفاق أيام طويلة في البحث ولساعات طويلة عن معنى أي شيء كان طبيعيا بالنسبة لي ان ارسم عشرات الخطوط الأولى التي يمكن ان تثير الإعجاب أو الأعصاب«!!
وتضيف »عندما اتذكر بان الخالق العظيم وضع أساسات هندسية لكل مكونات هذا الكون من الإنسان إلى النبات إلى الجماد، أجد نفسي مأخوذة ومسحورة بفكرة محاكاة العنصر الهندسي الكامل المتكامل لهذا الكون ولمخلوقاته لكن من المهم ان نتذكر بان الشكل الهندسي لأي شيء في الكون لا يمكن ان يصلح لتحويله إلى شكل هندسي معماري«
لكن العناصر التي توفرت لبرج ليوا كانت تدفع باتجاه محاكاة الجسد البشري فاسم البرج »اثنان« وهي إشارة إلى تعاون الأشخاص لانجاز عمل ما ثم ان المطلوب ان يكون البرج مخصصا لأغراض المكتبية ما يحيلنا مباشرة إلى »التصافح« التي هي في العادة لغة »رجال الأعمال« عندما يوقعون أو يتعاقدون على عمل ما...
اذا نحن نجحنا في إيجاد الاسم المناسب عمليا وتسويقيا ... ثم نجحنا في إيجاد الترابط بين وظيفة المبنى وبين الشكل.. الأيادي المتعانقة أو المتشابكة... وهنا حان وقت التطبيق.....
خلق صناعات
تقول زينة »المشكلة بأننا في بعض الأحيان نحاول ان نبلع الطعام ونتنفس في الوقت ذاته وربما لا نعي ان في ذلك حتفنا !! هذا الخطأ قد يرتكبه مطور آخر عندما يقرر بناء برج بدون »طعم« ويريد بيعه بأعلى الأسعار!! لكن عندما وقفت على رغبة مالك برج »ليوا« لمست انه حريص على ان يتنفس اولا ثم يبتلع الطعام وهذا يعكس رغبة المالك بحبه للبقاء في صفوف الأحياء !!
لذلك حاولت ان اجمع بين اسم البرج وشكله مع المهمة الأصعب وهي (الكونسبت) الذي يعني التجربة الإنسانية التي سيعيشها المستخدم في البرج، وهنا يكمن التحدي الأكبر .. كيف استطيع ان اخلق صناعة داخل البرج تخدم التجربة الإنسانية المستهدفة؟
كان الفشل في هذا التحدي اشبه بقيامك باختيار الحبل الذي ستشنق به نفسك ان فشلت!! لكن الحفاظ على الرقبة بعيدا عن الحبال يجعل النجاح حليفك في مواجهة التحديات كلها..
وهذا ما حصل... أدخلنا إلى البرج صناعات جديدة هي ... مركز لرجال الأعمال بنظام يتيح لصاحب المكان التحكم بمساحات المكاتب التي تخدم نشاطه.. أضفنا إلى البرج .. مطعما سيدار من قبل شركة مهمتها توفير الطبق الذي تطلبه سواء كنت من عشاق المطبخ الصيني أو الفرنسي أو اللبناني،
ما يجعل الطباخ طباخك الخاص الذي سيوفر لك ولضيوفك اغلب الأطباق المتعارف عليها عالميا في مدينة يعيش فيها العالم كله... أضفنا أيضا غرفا فندقية سيكون بوسعك وضيوفك النزول فيها ... لكن لماذا هذه الغرف،
فالمبنى لا يضم فندقا في بعض طوابقه؟ الإجابة هي ان بعض ضيوفك القادمين من خارج الدولة أو ربما من خارج الإمارة لن يجدوا الوقت المناسب لحجز غرفة فندقية أو ربما سيغرقون في الزحمة في ذهابهم وإيابهم من مكتبك أو ربما سيفاجأوا بعدم وجود غرفة متاحة ولو لليلة واحدة،
حينها ربما سيعتذر شريكك عن القدوم إلى مكتبك وهذا سيقود إلى تأخر العمل أو عرقلته... أضفنا أيضا حديقة رائعة.. ونادي خمس نجوم ليكون بمقدورك وضيوفك من رجال الأعمال تبادل الأحاديث بعيدا عن أجواء المكتب«.
تقول زينة: »هكذا تمكنا من خلق أسواق جديدة أو بالأحرى صناعات جديدة داخل المبنى نفسه، فبدلا من الذهاب خارج المبنى لتناول وجبة طعام لتكتشف أن الزحام المروري هو الذي سيلتهمك وبدلا من ضياع الوقت والجهد في حجز غرفة في فندق وسط احتمالات ضئيلة بالحصول عليها ما يعرقل الأعمال«.
الرغبة
لرجل الأعمال فيصل علي موسى المدير الشريك في »هاي رايز العقارية« مالكة المشروع وجهة نظر تقوم على »التميز« بوصفه الطريق الأصعب والأسهل في الوقت نفسه للنجاح في السوق العقارية.
ويقول موسى»لا أحبذ أنا وشريكي رجل الأعمال عبدالحكيم الطاير أن يكون شكل المبنى تقليديا كما لا نحبذ أن نخرج بمشروع عقاري لا يضيف شيئا إلى المدينة أو لمستخدميه، لهذا السبب تأنينا في الاختيار ولهذا السبب كنا على استعداد لتحمل الإرهاق أو التعب مقابل الخروج بتجربة معمارية جديدة،
وهذا ما حققته المهندسة زينة مالك التي عاشت كل التفاصيل بطريقة مدهشة وأنتجت هذا الشكل بهذا المضمون الذي نؤمن بأنه سيضيف إلى سجل المدينة المعماري خطوة أخرى باتجاه المشاريع العقارية النوعية«.
وأشار موسى إلى أن »الطفرة العمرانية في المنطقة والخليج تحديدا لم تأت وليدة الصدفة أو لمجرد ضخ أموال أرباح البترول في »محفظة استثمارية« آمنة، بقدر ما جاءت عبر تخطيط يقوم على اسس اقتصادية يوصف اغلبها بأنها مدروسة وتنظر إلى المستقبل بآفاق اقتصادية رحبة.
ويضيف موسى »لكن هذه الطفرة التي – يعد قطاع الإنشاءات المستفيد الأكبر منها -جاءت بمئات الأبراج وناطحات السحاب لترسم لوحة معمارية ربما تستحق أن تحمل اسم »غابات الاسمنت« تجد على الجانب الآخر من ينتقد »فوضويتها« ويرميها بـ »العقوق العمراني للتراث« وغياب التخطيط ومواكبة المشاريع العمرانية إلى الاحتياجات الحقيقية.
لهذا – ينصح موسى – المطورين من الشركات في القطاع الخاص بالعمل الحقيقي على تلافي الأخطاء المعمارية بالتوجه إلى بحث حاجة السوق أولا وحاجة المستهلك والتجربة الإنسانية التي يوفرها المبنى لمستخدميه.
ويرى موسى بان »للعمران الرأسي أو العمودي إيجابيات ومحاسن أبرزها زيادة العائد الاستثماري والتجاري، وتقليل تكاليف الخدمات مثل شبكات المياه والطرق والكهرباء والمجاري وغيرها، وإبعاد الساكنين عن ضوضاء الشوارع وحركة المرور، وتحقيق مستوى من الإضاءة والتهوية الطبيعيتين،
وتقليل مسافات الرحلات اليومية في المدينة، بالإضافة إلى توفير مناطق فضاء حول المباني يمكن استغلالها في الترفيه والحدائق.ولكن على الجانب الآخر يرى مناهضو البناء العمودي سلبيات تتجسد في كسر خط السماء في المدينة بخطوط نشاز تتصاعد إلى ارتفاعات شاهقة،
وانعدام الخصوصية البصرية وحجب الرؤية والتهوية عن المباني المجاورة، وانعدام الراحة والمشاكل النفسية التي قد يتعرض لها المستخدمون، فضلاً عن أخطار الحرائق والحوادث والمخاطر الإنشائية.
فلسفة
من جهته يرى المهندس هشام عبدالغني رئيس شركة دايمينشينز للاستشارات الهندسية احد المكاتب العالمية المتخصصة والتي ستتولى مهام استشاري مشروع برج »ليوا« منذ مطلع القرن العشرين الماضي نادى بعض كبار المعماريين أمثال فرانك لويد رايت ولوكوربوزيه بالعمران الرأسي المخطط له والذي يعتمد على الارتفاع الرأسي مع ترك مساحات مفتوحة بين المباني،
ومع شيوع هذا النمط المعماري اقتصر على أماكن واستخدامات محددة تركزت على المباني التجارية والمكتبية في مراكز المدن، وقد يكون لهذا القبول بالبناء الرأسي في مركز المدينة مبرراته الاقتصادية والاستثمارية على الرغم من وجود بعض السلبيات ولعل أبرزها زيادة الأعباء على الخدمات والطرق والمواقف والأهم من ذلك تهديد الهوية التراثية العمرانية في مركز المدينة وإحداث خلل في الطابع العمراني.
ويعود عبدالغني ليقول بان »التجربة الإنسانية التي سيوفرها برج ليوا تستحق الاحترام وتستحق الدعم لانها اعتمدت على اللغة المعاصرة في التجارب المعمارية التي تبدأ بـ»الكونسبت« ولا تسقطه أو تعتبره مجرد »هدية يقدمها المهندس لمالك المشروع بقدر ما يمثل حجر الأساس لأي مشروع معماري«
ويعود عبدالغني ليشير إلى »إننا لا يمكن أن ننكر أن للعمران الرأسي إيجابيات ومحاسن ومنها زيادة العائد الاستثماري والتجاري، وتقليل تكاليف الخدمات مثل شبكات المياه والطرق والكهرباء والمجاري وغيرها، وإبعاد الساكنين عن ضوضاء الشوارع وحركة المرور، وتحقيق مستوى من الإضاءة والتهوية الطبيعيتين، وتقليل مسافات الرحلات اليومية في المدينة،
بالإضافة إلى توفير مناطق فضاء حول المباني يمكن استغلالها في الترفيه والحدائق، وإن كانت هذه الأخيرة غير مؤكدة في ظل ما نشهده اليوم من تراص للكتل العالية والأبراج الصماء مع عدم ترك مساحات مفتوحة كافية تفصل بينها.
توسع
سنوات قليلة وقد استشرى العمران الرأسي في مختلف مدن المنطقة وفي دول الخليج تحديدا حيث لم يعد مقصوراً على المراكز التجارية كما كان في السابق، وقد ساعد على هذا التوجه الرأسي ما وصل إليه العلم من تقدم تقني في الأنظمة الإنشائية والمواد وأساليب البناء بالإضافة إلى الرغبة الملحة في الارتفاع إلى عنان السماء.
وإذا كانت فترة الثمانينات من القرن الماضي قد شهدت إنشاء بعض مباني الأبراج في بعض مدن الخليج مثل دبي وأبوظبي والكويت والرياض وجدة فقد شهدت التسعينات من القرن نفسه سباقا محموما لبناء عدد أكبر من هذه الأبراج في المدن الخليجية التي لم تألف هذا النمط العمراني من قبل.
وانقضت فترة التسعينات ودخلنا الألفية الثالثة التي يبدو أنها تخبئ لنا ولمدننا الكثير والكثير، وربما تقرأ بعض التحولات المستقبلية الخطيرة في عمران منطقة العليا بمدينة الرياض وحي الحمراء في جدة ومدينة الخبر في المنطقة الشرقية بالإضافة إلى منطقتي الحرم في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة.
فهذه المناطق وغيرها تمر بتحولات سريعة وسباق مع الزمن للصعود إلى الأعلى وربما يشجع على ذلك عدم وجود قيود تقنن وترشد من هذا الاندفاع غير المدروس.
رفض
في السبعينات قامت مظاهرات عارمة في شوارع باريس شارك فيها (120) ألف شخص تندد بمشروعات المباني عالية الارتفاع ويطالبون بإنقاذ باريس من المباني العالية ذات الواجهات الزجاجية التي يمكن أن تغطي وجه عاصمتهم الحسناء بقناع شيكاغو ومانهاتن،
وفي الثمانينات أعلن المجتمع البريطاني رفضه للعمران الرأسي وتزعم المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين حملة معارضة لهذا التوجه، أما المعماري الشهير فرانك لويد رأيت الذي نادى في نظرياته المعمارية بالبناء الرأسي المخطط له فقد قال: (إن البناء الرأسي يسبب الدوار لحياة الإنسان)، ويقول أيضاً المعماري الشهير لويس سوليفان: (ان المباني العالية تجعل المدينة فقيرة أخلاقياً وروحياً)،
أما مؤتمر المباني العالية الذي عقد في بنسلفانيا في العام 1973م وفي القاهرة في العام 1974م بمشاركة المئات من المعماريين والمخططين والإنشائيين فقد حذر بشكل غير مباشر من المشكلات الاجتماعية والسلوكية والبيئية والاقتصادية للعمران الرأسي.
مفهوم التجربة الإنسانية داخل المبنى سر نجاح المشروع العقاري
ثمة مشكلة يعاني منها قطاع التطوير العقاري، وهي أن اغلب المطورين قد لا يلقون بالا أو يعتقدون بأهمية ما يسمى بـ( the concept) أو كما تشرحه المهندسة زينة مالك بأنه (مفهوم التجربة الإنسانية داخل المبنى)
وتضيف »ربما عندما يكون الطلب قويا مقابل العرض لكن يجب ان لا يكون ذلك سببا في إلغاء العنصر الأكثر خطورة في نجاح المشروع وهو كيفية خلق تجربة يلمسها ويشعر بها ويحسها المستخدم للوحدة السكنية أو التجارية أو الفندقية«.
وتضيف مالك »قد يكون المفهوم غريبا على المدينة العربية عموما لكنه بات من المسلمات في القطاعات المعمارية في دول العالم المتقدم، وهذا ما يعطي التفسير الحقيقي للأسباب التي تجعل مدينة دبي أكثر تدقيقا في عملية اختيار المشاريع التي تسمح لها بالدخول للتنافس في سوقها«.
وتشير إلى أن »البعض يواجه مشاكل في عملية فهم معنى the concept«ولكن يمكننا ان نضرب مثالا بسيطا لنفهم المعنى فنحن لا نأتي بجديد عندما نشتري ذات العدسات التي تعيننا على الرؤية فتغير الشكل ليس تطورا في المواصفات التي تجعل من تلك العدسات جديدة بالمعنى الحرفي لكلمة »جديد«
ولكن عندما نواجه مشكلة تعرض ذراع العدسات إلى الكسر أو تعرض زجاجات العدسات إلى الكسر ثم تنتج المصانع عدسات جديدة مرنة بحيث لا تنكر ذراعها أو زجاجاتها المصنوعة من مادة غير قابلة للكسر إذا ما تعرضت إلى عارض بسيط فذلك يعني أن تلك العدسات »جديدة« لأنها أضافت خصائص جديدة إلى العدسات المتعارف عليها.
وتؤكد مالك »هذا ما يجب على المطور أن يبحث عنه عند تطويره للمبنى وأن يتلمس الحاجات الجديدة للسكان أو المستخدمين لمبناه«. وتضيف »إذا كان الهدف الأساسي من العمران هو راحة الإنسان فإن المباني العالية - على سبيل المثال - التي لا تستند إلى تجربة إنسانية قد تتسبب في متاعب كثيرة للمستخدمين من المسنين والأطفال
وقد تمتد هذه المتاعب إلى مشكلات صحية ونفسية، كما أن هذه الأبراج تفقد جميع الأشياء مقياسها المتعارف عليه وأهمها المقياس الإنساني ومقاييس السيارات والأشجار والمباني منخفضة الارتفاع«.
وتقول »إن بناء الأبراج والمباني عالية الارتفاع في مراكز المدن على وجه الخصوص يمكن أن يفقد هذه المراكز هويتها وطابعها التراثي العمراني، فالمباني التاريخية والتراثية تكون في الغالب هي الضحية حيث تتعرض للهدم لتحل مكانها أبراج عالية، وما يتبقى منها يضيع في غابة الأبراج التي تكسر خط السماء.
والسؤال المهم هنا »حتى هذه المباني الشاهقة لا تملك المقدرة على أن تقول بأنها جميعها على الإطلاق تلبي حاجات ساكنيها أو مستخدميها بالكامل«.
ما الحل؟
وتقترح مالك حلولا لما تراها بأنها مشكلة بقولها: لكي نتقي سلبيات العمران من هذا النوع (غير المخطط له وغير المدروس من قبل بعض المطورين في القطاع الخاص ) ربما يتوجب علينا القيام بإجراء مراجعة دقيقة وفاحصة لظاهرة تلك المباني التي بدأت تنتشر بشكل سريع في المدن والضواحي،في عموم المدينة العربية،
ليتم على ضوئها وبالاستعانة بأهل الرأي والاختصاص وضع الضوابط والتنظيمات التي يمكن أن تقنن من هذا التوجه في سبيل الحفاظ على خصوصية مدننا وهويتها العمرانية التي بدأت تتلاشى في ظل زحف غابات الأبراج الأسمنتية والحديدية،
وإذا كنا بالفعل نحتاج لبعض المباني ذات الارتفاعات الشاهقة فيتوجب أن تكون هناك مرشحات لهذا التوجه كي لا نقع في دوامة حضارية واجتماعية ربما من الصعب الخروج منها في المستقبل، لأن تفادي المـشكلات قبل حدوثها أفضل بكثير من بذل الجهود وإنفاق الموارد في معالجتها بعد أن تقع الفأس في الرأس.
دبي ــ مشرق علي حيدر
