مايكل مان من المخرجين القلائل الذين يتمتعون بصفة «وسطية» ترضي المشاهد العادي، والمشاهد المختص. فهذا المخرج يعرف كيف يوازن بين خطي هموم الإنتاج التجارية والأبعاد الفنية ذات المستوى العالي. بدأ مان حياته كمدير تسويق إعلاني بعد دراسته الأدب الإنجليزي في بريطانيا، التي تعلم فيها أيضاً كتابة السيناريو والإخراج التلفزيوني والسينمائي في العام 1967،

ليقوم بأول إخراج له في العام 1971 مع فيلم «جانبيري»، واتبعه بعد سنة ونصف بفيلمين هما «ايتين دايز داون ذالاين» و«ذا جيرشو مايل»، ثم ضرب ضربة ناجحة في العام 1981 مع شريط «اللص» من بطولة جايمس كاين وسيناريو أعده بنفسه، لافتاً أنظار شركات الإنتاج الضخمة إليه كواحد من صناع السينما الذين يحققون النجاح الأهم بالنسبة إليهم على شباك التذاكر.

ولم يتوان مان عندها عن توقيع أول عقد عمل مع شركة الأخوين وارنر لإخراج فيلم «ذا كيب»، بطولة سكوت غلين وألبرتا واتسون، العمل الذي لم يجد نجاحاً يذكر، إلى أن قدم فيلم «صياد الرجال» في العام 1986 من بطولة وليم بيترسون، في عمل هو عبارة عن خليط بين المغامرة والرعب والدراما. ثم أبهر مايكل مان بفيلمه «ذي لاست أوف ذي موميكان» عن حياة السكان الأصليين في الولايات المتحدة قبل اكتشافها وبعده، وخلال مراحل استعمار الأرض الجديدة من الأوروبيين الذين استغلوا حروب القبائل الهندية، ليزيدوها شرخاً.

وفي العام 1995 أدار مان روبرت دي نيرو وآل باتشينو في فيلم واحد تحت عنوان «هيت» الفيلم الذي يعتبر حادثاً فريداً في ذاكرة السينما، من حيث قصته البوليسية ذات الأبعاد الاجتماعية والنفسية العميقة، وهذه الخلطات التي يتقنها مايكل مان تركته ينجح في «ذي إنسايدر» و«كولاتيرال» إلى «ميامي فايس» الذي أخرجه لمدة طويلة كمسلسل تلفزيوني، والآن يحوله إلى فيلم من بطولة جيمي فوكس وكولين فاريل، وهذا الفيلم الذي أزاح الكثير من الأفلام الكبيرة عن التربع على مداخيل شباك التذاكر.

حول مايكل مان وآخر أعماله نشرت مجلة «هوليوود ريبورتر» الحوار التالي:

ـ بين الشاشتين الفضية والصغيرة، أين تجد صورتك الكاملة؟

ـ أولاً ليس من صورة كاملة، لأن السينما في كل حال تجريب دائم، ولا يمكن التوقف عند أي من نتائجه، والصورة السينمائية ذات معنى ومضمون مختلفين عن الصورة التلفزيونية التي يمكن أن تكون وجبة سريعة ومتقنة في آن. وليس المهم أين أجد نفسي كمشاهد بين المستويين الفنيين، لأنني لا أحب الحصر، في هذه أو تلك.

ـ لكنك كذلك تعتبر من المخرجين القلائل الذين ينجحون بالتوازي بين «التجاري والفني»، كيف تفسر ذلك؟

ـ السينما صناعة وفن، ولا يمكن أن تنجح فنياً إذا لم تؤمن لها الإنتاج الجيد، الذي من حقه أن يحقق الأرباح واستعادة أمواله، من خلال مستوى فني للعمل يؤمن هذا التوازن بين ما يحلو للنقاد أن يسمونه «التجاري والفني». وهذه معادلة صعبة يمكن تنفيذها بقدرة المخرج إذا أتقن عمله، واستطاع أن يقيم علاقة قوية بين ثنائيات كثيرة، وأهمها ما ذكرت إضافة إلى توحيد رؤيتي السيناريست والمخرج في قالب واحد اسمه الفيلم المنجز.

ـ عدم فوزك بأي «أوسكار» حتى الآن، هل يؤثر على إنتاجك وشهرتك؟

ـ أحب أن أفوز بالأوسكار، لكن هذا ليس هاجسي، وهناك الكثير من المخرجين الجيدين والممثلين الأقوياء الذين لم ينالوا أي جائزة لا الأوسكار ولا غيرها، من دون أن يقلل ذلك من شأنهم، ومن شأن معرفة الناس بهم وتقديرها إياهم، وهم مشهورون ومعروفون وأعمالهم جيدة. وأذكر منهم مارتن سكورسيزي الذي لم ينل الأوسكار حتى الآن مع أنه اقترب من ذلك مرات عدة.

ـ هل كانت إدارتك لروبرت دي نيرو وآل باتشينو في فيلم «هيت» شاقة؟

ـ المشقة تتواءم مع أي عمل فني مهما كان نوعه. وعندما يكون أمامك في الكادر السينمائي ممثل مشهور ونجم ومحترف تكون المسألة أصعب من أن تدير ممثلاً مغموراً، دي نيرو من الممثلين الذين لا ينصاعون بسهولة إلى أوامر المخرج، إلا إذا اقتنع برؤيته وهذا يتطلب بعض الوقت الإضافي،.

أما آل باتشينو فقد تعاملت معه من قبل في فيلم «ذي إنسايدر»، وهو من الممثلين الكبار الذين لم يأخذوا حقهم الكامل، لذا كان التعامل معه في «هيت» مريحاً أكثر إلى حد ما من التعامل مع دي نيرو، الذي أحترمه وأقدره. وأذكر أن الدقائق الخمس التي التقي بها آل باتشينو «الشرطي» مع دي نيرو اللص، كانت من أصعب الدقائق التي خضتها في حياتي المهنية. وهما أصرا أن يؤديا المشهد كاملاً معاً وبمواجهة وتحد مهني لبعضهما كان خفياً، حملت أنا كمخرج كل أثقاله الهائلة، وأعتقد أنني نجحت في هذا الامتحان.

ـ في عملك الجديد «ميامي فايس» أيضاً تدير مجموعة من النجوم أبرزهم كولين فاريل وجيمي فوكس الحائز على أوسكار أفضل ممثل، فهل من صعوبات واجهتها؟

ـ جيمي فوكس سبق وأن تعاملت معه أيضاً في فيلم «علي» عن حياة أسطورة الملاكم محمد علي، وهو ممثل من طراز خاص يستخدم وسائله التعبيرية الخاصة، ويناقش كثيراً ويمضي منفذاً بدقة ما اتفق عليه معي. وهذا بحد ذاته جيد، أما كولين فاريل الهادئ الطباع فيفاجئ أي مخرج يتعامل معه، وهو قادر على تجسيد رؤى الإخراج أحياناً أكثر مما يتوقع مدير العمل نفسه. وهو نجم سيبقى لفترة طويلة على لائحة كبار ممثلي الفن السابع.

ـ لماذا نقلت «ميامي فايس» من الشاشة الصغيرة إلى الكبيرة؟

ـ أكثر الأفلام السينمائية تحولت إلى السينما من الروايات والقصص والأساطير التاريخية، وكذلك في أعمال التلفزيون وبين هذا وذاك تختلف التقنيات والفنيات في أسلوب المعالجة. والسينما لغة بصرية لها طابعها الخاص. أعني أن المسلسل التلفزيوني يمثل اتجاهاً بكل حيثياته والسينما تمثل اتجاهاً خاصاً، لها حيثياتها وفروقاتها عن فنون أخرى بكل تأكيد.

إعداد: حسين قطايا