يناديها معظم الفنانين الإماراتيين: «أمنا»، وعندما يلتقي بها أحد منهم يندفع كي يساعدها في الوصول إلى حيث تريد، فالعمر لم يترك لها قدرا كافياً من الصحة كي تتمتع بحياتها أو بمسرحها ومسرح الآخرين، والمرض بات قريبا من جسدها، ولكنها رغم هذا تسعى لأن تكون حاضرة في كل مكان حيث يجتمع المسرحيون، ليحكوا عن الأيام الماضية، أو ليبدأوا في التخطيط لعرض مسرحي، ولا تصمت بل تشارك بخبرتها التي نضجت مع الزمن.
مريم سلطان رحلة طويلة مع الفن شملت خمسة وأربعين عملاً مسرحياً، بدأتها ب«هارون الرشيد» عام 1976، ثم ألحقتها بأعمال مسرحية وتلفزيونية عديدة، وهي عضو مؤسس لمسرح الشارقة الوطني، وبعدها تحولت عضويتها إلى مسرح دبي الشعبي، وشاركت في أكثر المسلسلات المحلية انتشاراً «حاير طاير» الذي قربها أكثر إلى الجمهور.
وتنتمي مريم إلى جيل الرواد الذين أثروا المشهد الثقافي والفني في داخل الإمارات، هذا الجيل الذي ابتعد عن النشاطات المسرحية منذ بعض الوقت، ولم يعد يجذبه إلى المسرح إلا تكريم ما أو دعوة خاصة، ولكن مريم سلطان تقول إن هذا تقصير من الفنانين أنفسهم فكيف يمكن للفنان ان يعتزل الفن أو أن يتقاعد، كل المهن يجوز فيها التقاعد إلا مهن الفن والإبداع، فالمرء كلما تقدم به العمر كلما كانت لديه خبرة أكبر ونضج أهم، وبالتالي يمكن أن يفيد الأجيال اللاحقة بكل ما تعلمه في مجاله.
المرض لم يترك مريم سلطان بحالها بل دخل السكر حياتها، وجعلها تعاني من مشاكله الكثيرة وهي منذ بضعة أسابيع تقيم في مستشفى راشد تواظب على العلاج، لأن هذا السكر بدأ «يغازلها» بطريقة مزعجة، بعد كل هذا العمر، على حد تعبير أحد الفنانين الذي يزورها باستمرار، وهي تضحك ولا تعلق عليه.
وتتحدث مريم سلطان عن علاقتها بالمسرحيين في الإمارات قائلة: «الحمد لله علاقتي بهم جميلة ومتميزة والكل يناديني بأمي، وأنا سعيدة بهذا لأنه ما من شيء أجمل في الحياة من أن يكون لدى المرء أولاد كثر يخصونه بالعناية والرعاية والحب، ونحن وصلنا إلى عمر متقدم صارت الكلمة الجميلة والوجوه الضاحكة بمثابة هدية بالنسبة لنا، ونادراً ما يمر يوم منذ أن دخلت المستشفى وحتى الآن دون أن يزورني أحد أو أن يهاتفني أصدقائي على الأقل، وهذا زادني تفاؤلاً بالحياة بأنهم لم ينسوني».
وصار البحث عن جيل الرواد في المسرح الإماراتي، كمن يبحث عن الإبرة في كومة قش. نسأل عنهم فلا نعثر على رقم هاتف أو عنوان بيت أو مكتب، مثل سعيد المزروعي وسلطان الشاعر ورزيقة الطارش وموزة المزروعي وغيرهم ممن عاصرتهم مريم سلطان.
ويبدو أن إهمال الآخرين لهم قد أثر بابتعادهم عن الناس وابتعاد الناس عنهم، وهنا لا تحمل أم الفنانين الإماراتيين أحداً المسؤولية بل تحملها لهم هم لأنهم هم من فعل بنفسه هذا واعتزلوا الدنيا والناس، فالبعيد عن العين بعيد عن القلب، ولكل إنسان همومه ومشكلاته، فليس هناك وقت لأحد أن يعير أحدا الاهتمام وأنا أعتبر نفسي من الرواد ولكني لا أخاف الإهمال لأنني موجودة على طول بين الفنانين وأمارس كل أعمالي بنشاط وحب، وحينما أكون موجودة يطلبون رأيي ويعملون به في أحيان كثيرة، لا أريد أن أنتظر أحدا ليدعوني إلى المشاركة بل أنا من يجب أن أشارك».
وتقول مريم سلطان ان المسرح والفن حباله طويلة جدا ولا يمكن أن تؤتي ثماره في يوم وليلة، اي ألا يكون المرء سلبياً في تعاطيه مع هذه الرحلة الطويلة، لأن الفن لا يتجاوب مع من يكون سلبيا معه، جيلنا يعتبر شاهداً حقيقيا على الكفاح من أجل الوصول بالفن المسرحي إلى هذه المرحلة الحالية، والجيل الحالي يعلم هذا وهو يقطف الثمار التي تعبنا من أجل زراعتها ونحن لسنا حزينين على هذا الأمر».
نسألها عن ذكرياتها مع أيام زمان فتضحك لتقول: «كان العمل بالنسبة للمرأة في المسرح مشكلة كبيرة، ولكن الناس تقبلت هذا الأمر لاحقاً، وعندما رأت أننا لا نقدم إلا فناً صادقاً ونظيفاً، صاروا يشجعوننا ولكن بعد مرور بعض الوقت والحمد لله الآن صارت الأمور أفضل بكثير، ولكن رغم هذا ما زالت هناك بعض المشاكل التي تمنع بعض المواهب الحقيقية من الاستمرار».
وتضيف في حديثها إلينا: «التجربة حركتنا وجعلتنا نفهم ما هو المسرح، كنا نتحرك كيفما اتفق على الخشبة، ولكن لاحقاً وبفضل احتكاكنا مع الفنانين العرب وجدنا الطريق، وعرفنا كيف نتحرك ونختار شخصيات ومن ثم نقوم ببنائها، وما إلى ذلك الأمر الذي جعلني أحب المسرح أكثر وأكثر».
وحتى لو عاد الزمن بمريم سلطان إلى الوراء فإنها تشير أنها ستختار المسرح الذي لا تستطيع أن تختار غيره: «الفن يتحرك في أعماقي، ولو عاد بي الزمن مرة أخرى لاخترت مهنة التمثيل،عشت أكثر من 32 سنة ممثلةً في المسرح والتلفزيون والسينما، ومن الصعب عليَّ أن أجد نفسي في مكان آخر غير التمثيل».
ولكن هل ما زالت مريم سلطان قادرة على العمل بعد هذا العمر، وبعد المرض الذي ألم بها تقول: «مع الوقت ازدادت قناعتي بأن الممثل قادر على أن يعيش أكثر، طبعا لكل أجل كتاب أنا مؤمنة بهذا الكلام، ولكن المسرح قادر على أن يشحن المرء ويزوده بطاقة داخلية جبارة، وحينما أقف على الخشبة كي أؤدي» بروفة» ما أو أن أمثل شخصية مكتوبة في نص مسرحي أفاجأ بأنني قد نسيت كل آلامي، ومن هنا أرى أن المسرح علاج روحي لي، والموسم المسرحي الماضي قدمت عملاً مسرحياً، وقبل أن أدخل المستشفى أنهيت تصوير مشاهدي في المسلسل المحلي» جمرة غضا» وما زلت أعمل وسأظل كذلك حتى آخر يوم في حياتي».
دبي ـ جمال آدم:
