ألقت الحرب الإسرائيلية على لبنان بظلالها على مختلف الأنشطة الثقافية والفنية في تونس بما فيها مهرجان قرطاج الدولي في دورته الـ 42 وقد وقف أغلب الفنانين وقفة صدق وتضامن مع الشعب اللبناني وألغوا حفلاتهم التي كانت مبرمجة في إطار مهرجان قرطاج وغيره، فيما قرر البعض الآخر أن يحارب إسرائيل بصوته ويجمع التبرعات لصالح الشعب اللبناني، وبين مؤيد ورافض لمبدأ الغناء أساساً في ظل الوضع الراهن، التقينا عددا من الفنانين التونسيين توضيحا لفكرتي المقاطعة أو عدم المقاطعة.. تضامنا مع لبنان.
البداية كانت مع الفنان لطفي بوشناق الذي قرر عدم إلغاء حفلته في قرطاج وانحاز إلى التبرع بريع حفله إلى الشعب اللبناني، كما كان قد تبرع قبل أسابيع قليلة بريع شريطه الأخير لأطفال العراق. يقول بوشناق: «كل فرد عربي مسؤول اليوم أمام الله على ما يقع من جرائم في فلسطين والعراق ولبنان وكل فرد عربي حر يجب أن يقدم أي خدمة لكل إنسان محتاج ومقهور على هذه الأراضي العربية الحرة، ولأنني لا أتعامل مع الحدث بقدر ما أتعامل مع القضية قررت ألا ألغي حفلتي في قرطاج، بل قررت أن أساعد الشعب اللبناني بصوتي، فأنا ضد المواقف العشوائية واليوم يجب أن نبحث عن طريقة لمساعدة شعوبنا المحتلة».
وحول ما إذا كان ينوي التخلي عن صفته كسفير للنوايا الحسنة الممنوحة له من الأمم المتحدة، كغيره من الفنانين الذين بادروا إلى هذه الخطوة، قال بوشناق: لن أتنازل عن اللقب الذي سيعطيني شرعية دولية للدفاع عن أمتي العربية فبدونه لا أستطيع أن أقدم أي شيء لهم، والأمم المتحدة معروفة منذ الأزل فهي لا تقدم أي شيء إيجابي يصب في خانة العرب وهي منظمة مسيرة من طرف طغاة العالم وأنا لا أؤيد التراجع ولن أتراجع عن ما أقدمه وسأقدمه بهذا اللقب، وأضعف الإيمان هو أن أدافع عن كرامة ودماء أمتي العربية.
ويشير بوشناق إلى أن أغاني حفله الذي سيختتم به مهرجان قرطاج يوم 16 أغسطس الجاري ستكون وطنية بالمطلق، وهو أقل شيء يستطيع فعله في الوقت الراهن، وهو وجه دعوة من خلال «البيان» لكل من الفنانتين لطيفة العرفاوي وصوفية صادق لتنضما إليه في السهرة الختامية ليغني الثلاثة للبنان ولفلسطين وللعراق.
اتصلنا بالفنانة لطيفة العرفاوي المقيمة حالياً في مصر ونقلنا إليها اقتراح الفنان لطفي بوشناق وحاولنا التعرف على تفاصيل القافلة الفنية التي دعت إليها للتبرع للشعب اللبناني فقالت إنها مسرورة بدعوة بوشناق فهو أخ عزيز وطلبه عزيز، إلا أنها أشارت إلى أن حالتها النفسية لا تسمح لها بالغناء في الوقت الحالي، وأضافت قائلة: أشعر بأنني لست مهيأة للغناء فأنا في غرفة العمليات ومحاصرة، بينما الشعب اللبناني حر، أشعر بأنني وسط المعركة والغناء هو حالة من الفرح ومادمت لا أشعر به فكيف سأوصله للناس؟، وتستطرد : الأمة العربية تعيش في وقت عصيب وإن لم نتكاتف ونساعد بعضنا البعض فإسرائيل ستدمرنا واحداً بعد آخر.
وفيما إذ كانت قافلة التبرعات التي دعت إليها قد لاقت صدى طيبا في الأوساط الفنية قالت: حسين الجسمي كان أول المتصلين والمتبرعين ثم تلته نوال الكويتية، كما وقف معي العديد من الفنانين الليبيين، وكل يوم أشعر بمدى توفيقي في هذا المشروع إذ إن كل الوسط الفني العربي تلاحم وتآزر وقدم التبرعات ومنهم من اتصل بي عبر الموقع الإلكتروني الذي استحدثته لهذا الغرض ومنهم من اتصل بهاتفي الخاص، والواقع أنني أشعر بالفخر كوني أنتمي لهؤلاء الشرفاء.
وكانت لطيفة قد سجلت مؤخراً أغنية «إلى لبنان» وهي من تلحين أسامة فرحات وكلمات الشاعر التونسي أولاد حمد على أن يبدأ بثها قريباً على المحطات العربية. صابر الرباعي كانت له لفتة إنسانية أيضاً حيث قرر أن يتبرع بجزء من مداخيل حفله في قرطاج لصالح الصليب الأحمر اللبناني، وهو نفس الموقف الذي اتخذته نجوى كرم التي قدمت ريع أربع حفلات لها في تونس للصليب الأحمر اللبناني.
يقول صابر الرباعي: العدو يريد أن يحبس أصوات العرب واليوم يجب علينا كفنانين أن نتفاعل مع الموقف فالغناء والفرح ما هما إلا أسلوب تعبيري واليوم سأعتلي مسرح قرطاج وأنا أشعر بأسى عميق على الجرحى والقتلى في كل من لبنان وفلسطين والعراق، لن أغني بفرح كالسابق بل سأغني من باب الواجب والمساعدة، كما قررت أنا ومجموعة من الفنانين أن نقدم «أوبريت» نعبر فيه عن مدى حزننا على الوضع الراهن، وسيشاركني فيه كل من حسين الجسمي ونجوى كرم وآخرون كما قمت بتسجيل أغنية «لبنان ما يهتز» التي ستذاع قريباً على المحطات العربية.
وكان اليوم الذي أعلنت فيه تونس الحداد على ضحايا مجزرة قانا هو اليوم نفسه الذي كان سيغني فيه الفنان محمد الجبالي في قرطاج، وقد علق الجبالي قائلا : يوم تسلمت القرار من إدارة المهرجان تنفست الصعداء فذلك اليوم لم أكن في حالة نفسية تسمح لي بالغناء وأظن أن تونس وقائدها اتخذوا القرار الصائب، لقد تكلمت مع مدير مهرجان قرطاج رؤوف بن عمر حول إمكانية تخصيص حفل يجمع كل الفنانين التونسيين على أن تخصص عائداته لصالح الشعب اللبناني، وكل ما أتمناه أن يتحقق هذا المشروع قريباً.
تونس ـ ضحى السعفي:
