عملت دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقود الثلاثة الماضية على زيادة نسبة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي وذلك في إطار جهودها لتنويع مصادر الدخل0 وقد أدت هذه الجهود الى زيادة مساهمة الصناعة التحويلية من 5 – 7% عام 1994 إلى نحو 10 – 17% في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2004 . أي ان ناتج الصناعة التحويلية قد تضاعف تقريبا خلال العشر سنوات الماضية.
ومع ذلك تعتبر النسبة الحالية لمساهمة الصناعة في الدخل القومي وكذلك المؤشرات الكلية لمساهمة الصناعة في تحقيق التنمية بجوانبها الاقتصادية والبشرية والتقنية، متواضعة إذا ما قيست بحجم الجهود المبذولة، وكذلك أهميتها الكبيرة – أي الصناعة - بالنسبة للمستقبل الاقتصادي لدول التعاون.
ويعزي ضآلة هذه المساهمة الى العديد من الأسباب يأتي على رأسها الحداثة النسبية للتجربة الصناعية في دول الخليج، وعدم توفر البيئة الطبيعية والموارد الملائمة لدفع عجلة التصنيع بشكل سريع.
ولا شك ان انخفاض نسبة مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي يعني بان دول الخليج تحتاج الى فترة طويلة نسبيا قبل ان تتمكن من رفع نصيب الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي الى نسبة مماثلة او قريبة من تلك التي تسجلها الدول الحديثة التصنيع.
كذلك الحال عند الحديث عن مساهمة العنصر البشري، فعلى الرغم من إدراك جميع دول الخليج لأهمية وجود عمالة وطنية في الصناعة، ورغم الجهود التي بذلت في الماضي، ورغم ان دول المجلس قد حققت زيادة في نسبة العمالة الوطنية الى اجمالي العمالة الصناعية ، الا انها وجدت صعوبة بالغة في زيادة النسبة بشكل مرض.
وبموجب البيانات الخاصة بالعمالة فان القسم الأكبر منها ما زالت تسيطر عليه العمالة الوافدة0 حيث تتراوح نسبة العمالة الوطنية في الصناعة بين 2% في الإمارات و15 إلى 22% في البحرين والسعودية وعمان.
ولعبت عوامل السوق والموارد الطبيعية والمادية والبشرية المتاحة درجة كبيرة من تحديد معدلات النمو الصناعي وتحديد درجة التفاوت بين الدول في هذا المجال. وقد ساهمت الحوافز والتسهيلات المختلفة كما وكيفا، والتي تقدمها دول المجلس الى الصناعات لديها، في تعميق التفاوت وزيادته، في بعض الأحيان لصالح الدول الأكثر توفيرا لتلك الحوافز والتسهيلات من غيرها.
كما ساهم حجم السوق الداخلية المتاح لكل دولة من دول المجلس في ذلك. ورغم الجهود الكبيرة التي قامت بها دول المجلس لتحقيق درجة اكبر من الاكتفاء الذاتي من السلع الصناعية، ولزيادة درجة الاعتماد على المنتج المحلي في تأمين الاحتياجات الاستهلاكية المتزايدة للسكان، الا ان معدل التطور في الاكتفاء الذاتي كان بطيئا للغاية، اذ زادت نسبته من 26.7 فقط عام 1994 إلى 28% عام 2004.
وهذا لا ينفي أن دول المجلس عملت بجهد وحققت درجة مقبولة من الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات الأساسية والاستهلاكية على حد سواء، مثل الألمنيوم الأولي، والحديد والصلب، والمنظفات الصناعية والزيوت بأنواعها المعدنية والنباتية، ومنتجات الألبان والعصائر ، والاسمنت ، ومنتجات البلاستيك والكابلات الكهربائية والألمنيوم المسحوب وغير ذلك من المنتجات الأخرى.
ولا جدال في ان التوطين والتطوير التكنولوجي هما الأساس لاي عملية صناعية راسخة ومفيدة وطويلة المدى. ولا يمكن تحقيقها الا على أساس خليجي او عربي شامل، وتلك نقطة حاسمة، فالصناعة في النهاية ليست المنشآت والتجهيزات او ما تحتاجه من مدخلات او ما توفر من عمالة، بل هي مخزون من التراكم التكنولوجي والإداري لدى البشر.
ولا يمكن لأي من دول الخليج او الدول العربية ان تكون دولا صناعية مهما تكن أهمية الصناعة من إنتاجها القومي وفي توفير فرص العمالة لسكانها وفي تأمين حاجاتها من العديد من المنتجات ، بل وفي زيادة صادراتها الى الخارج. ما لم تكن لديها القدرة على ان تصنع المحرك والسيارة والآلة الحاسبة، ويكون لديها القدرة على الإبداع في هذه الصناعات ،
وتطوير المنشآت الصناعية، وتطوير المنشآت الصناعية وتحسينها. ولن يصبح هذا ممكنا الا بتطوير مراكز البحوث النظرية والتطبيقية في الشركات والمعاهد والجامعات الخليجية.
ورغم التقدم الذي تحقق في هذا المجال ، حيث انشىء الكثير من مراكز البحوث في دول الخليج. وخاصة في المملكة العربية السعودية والإمارات، الا ان التنسيق فيما بينها يعتبر ضعيفا، بل يكاد، على أهميته، ان يكون معدوما، بالإضافة الى ان الإنفاق على البحث والتطوير
سواء من قبل الحكومات او من قبل الشركات ما زال ضعيفا جدا اذ تقل نسبته عن 0.5% في الوقت الذي تصل فيه نسبة الإنفاق على البحث والتطوير في عدد من الدول الصناعية 2.5%، أي خمسة أضعاف نسبة ما يتفق في دول الخليج0 ومن هنا وجب التأكيد على ضرورة ايلاء هذا الموضوع الأهمية القصوى في المستقبل.
وأخيرا يمكن القول ان جهود إيجاد فرص مربحة لاستثمار الفوائض والمدخرات المالية لدول المجلس خصوصا في فترة الطفرة النفطية التي نم بها سوف تلقى في تنمية قطاع الصناعات التحويلية مجالا رحبا لهذه الفرص،
وتنويعها وتطويرها لتوائم احتياجات المستثمرين المختلفة، سواء في مجال مشاريع البنية التحتية أو المشاريع الصناعية الكبيرة المخصصة أو الصناعات القائمة على الاقتصاد الحديث التي قطعت عدد من دول التعاون بالفعل شوطا لا بأس به في تطويرها.