التدهور الذي أصاب الأمة العربية والذي يتبدى واضحا للعيان خلال هذه الأيام ، له مشهدان واضحان أمام كل دول العالم؛ مشهد سياسي وعسكري لا يحتاج لفحص ولا عرض لأنه تحول إلى بانوراما كاملة امتدت بنيرانها حاليا إلى لبنان، البلد الذي يضرب حالياً بلا دفاع واق ودون أسلحة تحميه ولا دول تسانده،
ويضرب على مرأى ومسمع من إخوانه العرب، ومشهد اقتصادي غريب وعجيب حيث تملك الأمة العربية ثروة مالية تفيض عن حاجتها وحاجة كل سكانها بل والجيل القادم، وتكفي للوصول إلى أعلى درجات التقدم، ولكنها تستثمر في الخارج ويستفيد منها الأجانب بينما يعيش نصف سكانها في فقر مطلق وبعضهم في مجاعة قاسية.
وليس سراً أن آليات التعاون العربي المتعددة لم تحقق شيئاً موجباً حتى الآن، كما أنها أضاعت فرصة العمر عندما فشلت في استرداد الأموال العربية من الخارج بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، عندما قامت الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوربية بتجميد جزء كبير من هذه الأموال وقطع الطريق أمام النجاح الذي حققته في السنوات الماضية..
وذلك بدعوى أن أصحاب هذه الأموال يمولون الإرهاب وأن أغلبها »غسيل أموال« وبالتالي يتعين معاقبتهم في ضوء المبدأ الذي تطبقه إسرائيل والمسمى بـ »العقاب الجماعي«.
وليس سراً أيضاً أن التحركات التي تقوم بها آليات التعاون العربي يتم أغلبها لصالح القائمين على أمورها والمشرفين على توجيهها، وهم الذين يركزون كل جهدهم في العمل على البقاء في مناصبهم أطول مدة ممكنة والاستفادة منها إلى أقصى حد ممكن قبل أن يأتي موعد خروجهم،
ويقومون بتعديل قوانينها لصبغة الشرعية على استمرارهم بها، وهى حقائق نلمسها جميعا وفي عدد كبير من المنظمات العربية المتخصصة، ولكن أغلبنا للأسف لا يهتم بها ولا يتحرك لمنعها ولا يتحدث كثيراً عنها، وهذه السلوكيات موروثة من عهود وعقود سابقة جاءت أصلاً من زمن استعمار هذه الأمة.
فقد خطط المستعمرون جميعاً لكي تبقى هذه الأمة متخلفة تعيش في المشاكل وتنشغل بعلاجها، خلقوا سلوكيات غريبة أصلا عن شعوبها لكي لا تستطيع التقدم الاقتصادي الذي يتصورون أنه سيكون على حسابهم، وقبل خروجهم وضعوا على رؤوسها الأقطاب الذين تحالفوا معهم و طبقوا الأنظمة التي تجسم سياساتهم على الدوام.
ويهمنا أن نذكر فيما يلي بعض المظاهر التي توضح حقيقة المناخ العربي الذي نعيش فيه:
(أولاً) أن الشعب العربي يضم الفقراء ويضم أيضاً الأغنياء، وكل منهما مشغول بمحاولات زيادة دخوله العادية، فالفقراء ينشغلون في البحث عن تحسين مواردهم وعن أعمال تساعد في معيشتهم التي تتدهور يوماً بعد يوم،
أما الأغنياء فهم مشغولون بزيادة ثرواتهم و طموحاتهم التي تؤمن مستقبلهم ومستقبل أولادهم، وبالتالي فكل من الفقراء والأغنياء ليس لديهم وقت يبذلونه للعمل القومي والمنفعة العامة وإن كانوا يتظاهرون بذلك في المؤتمرات العديدة والحلقات النقاشية،
وعلى ذلك لم نشاهد من الأنظمة العربية تقنيات جديدة للإصلاح أو تطوير للأنظمة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية التي ترفع الشعارات لإصلاحها! وبالتالي أصبحت الأموال هي الأمل وهي الوسيلة العملية الوحيدة لبناء أمة عربية قوية من خلال مناخ يقوم على توفير المشروعات الإنتاجية والخدمية
وتمويلها من الأموال العربية المتوافرة مما يؤمن الجميع ويساعد على التقدم والرخاء والقوة والعلم كما يعطيهم المجال للعمل التنفيذي والعيش باختياراتهم وليس باختيار سلطات حاكمة ومتحكمة أغلبها من الخارج، غير أن هذه الأموال تستثمر للأسف في الخارج.
(ثانياً) أغلب المشاكل السياسية التي واجهت الأمة العربية كانت مرسومة ومخططة على أساس استمرارها وتضخمها وتعقدها وذلك عن طريق عناصر خارجية أو عناصر داخلية أو الاثنين معا،
ففي النصف قرن الأخير كانت مشكلة فلسطين تأخذ اهتمام الجميع وتستنزف الجهود والأموال اللذين كان يمكن الاستفادة بهما في بناء هياكل وبنية أساسية جديدة لصالح الشعوب العربية، وعلى سبيل المثال كان يمكن أن تتخرج فئات من أبناء الشعوب العربية تعرف كيف تحصن الأمة العربية ضد نزيف مستمر لثروتها
وضد عدوان خارجي مستمر على شعوبها - تعرف كيف تضع أنظمة سياسية واقتصادية وتعليمية مناسبة لصالح الملايين من أبناء الشعب العربي الذين يرفعون شأن أمتهم لكي يُعمل لها حساب من الأعداء وخاصة من الإسرائيليين والفئات الغربية التي تقف ضد تطوير الأمة العربية،
بالإضافة إلى تطبيق المبادئ الدينية والقومية والتعاونية بين العرب وبعضهم البعض وبين العرب والأجانب، ولا شك أن المال العربي الذي خرج من الدول العربية منذ الستينات
وتم استثماره بالخارج كان يمكن أن يساعد الشعوب العربية على القيام بهذا الدور الحضاري والتاريخي ويدفع كل مواطن عربي للعمل الجاد من أجل الصالح القومي العام ومن أجل وطنه ومواطنيه، غير أن ذلك لم يكن في الحسبان.
(ثالثاً) فشل المفكرون العرب منذ بداية النصف قرن الأخير في وضع أنظمة ومبادئ اقتصادية حرة تطبقها المنطقة العربية، و بالتالي أُعطيت الفرصة لاستيراد الفكر من الخارج، ولم يكن فكراً موحداً، حيث تنازعته الرأسمالية والاشتراكية والطريق الثالث، وقد اختلف بين دولة وأخرى، وبين شباب وكهول، وبين حزب ليبرالي وحزب اشتراكي،
ورأينا في كثير من البلاد العربية انتهاء الديمقراطية الشعبية حيث سيطر على حكم هذه الدول فئات تتمسك بالبقاء في الحكم ولا تعطي غيرها الفرصة للحكم الرشيد، وهو ما جعل الولايات المتحدة الأميركية تطالب بشرق أوسط جديد وتطالب المنطقة كلها بالإصلاح السياسي، وكلنا نعلم حقيقة ما تكنه هذه الدولة الكبرى من كراهية للعرب وحقيقة الأهداف التي تسعى إليها!!
(رابعاً) طالبت ومازلت أطالب بضرورة تغيير الأسلوب المطبق حالياً لتحقيق التعاون الاقتصادي العربي واستبداله بآليات جديدة يمكنها تحقيق الأهداف المطلوبة لقيام السوق العربية المشتركة والوحدة الاقتصادية العربية،
فميثاق جامعة الدول العربية الذي تم التوقيع عليه منذ أكثر من نصف قرن طالب بتحقيق تعاون اقتصادي فعال وجاد بين الدول العربية، ثم قامت فيما بعد ما يسمى بالمنظمات العربية المتخصصة واتحادات نوعية عربية،
كما تم تنظيم مؤتمرات وملتقيات وندوات عربية عديدة لتحقيق أهداف التعاون الاقتصادي العربي، غير أن كل هذه الآليات لم تحقق بنداً واحداً عملياً في مجال التعاون الفعال الذي يمكن أن يراه ويشعر به المواطن العربي العادي بالرغم من أهميته لحياته ولمستقبل أولاده وأحفاده،
بينما قام في ذلك التوقيت تقريباً التعاون الاقتصادي الأوروبي الذي حقق كل الإنجازات التي سمعنا عنها في الاتحاد الأوروبي، وهو الذي يتجه قريباً إلى إعلان وحدة أوروبية كاملة، وذلك لأنه اعتمد على آليات أوروبية أدت واجبها من خلال عمل دائم ومستمر حتى تحقق الهدف المطلوب، بينما اعتمد التعاون الاقتصادي العربي على آليات شكلية وهياكل صورية ضمت قيادات سطحية كان كل همها الأخذ دون العطاء،
وبالتالي ترهلت هذه الآليات وأصبح من الصعب أن تنجز شيئاً حيث يحكم أعمالها بيروقراطيات غير موثوق في قدراتها، وأصبح الوضع اليوم يحتاج إلى تغيير شامل لهذه الآليات وتقنيات جديدة تعرف كيف تحقق الأهداف، خاصة بين دول عربية لديها حكومات وأنظمة ترهلت وتجمدت هي الأخرى، وشجعت على استثمار الأرصدة بالخارج.
(خامساً) ولكي لا يكون هناك فراغ بين القديم والجديد، ولكي ينجح الجديد بخطوات عملية وأجهزة تنفيذية وخبرات فنية فان تغطية المنطقة العربية بمشروعات استثمارية إنتاجية داخل حدود المنطقة العربية وبتمويل من الأموال العربية دون تمييز أو تفرقة بين دولة وأخرى هي السبيل الوحيد لإحياء الأمة العربية،
بل أصبحت ضرورة للعلاج السريع بالنسبة لتشغيل البطالة العربية التي تبلغ ما يزيد عن خمسة وعشرين مليون مواطن، وبالنسبة لرفع المستوى المعيشي لكافة أبناء الشعوب العربية ولإعداد كافة المواطنين العرب للقيام بدورهم الحضاري في التقدم الاقتصادي والتمهيد لإنشاء آليات جديدة تضع أنظمة وقواعد تنفيذية فعالة لتحقيق التعاون الاقتصادي القوي الذي يبني السوق العربية المشتركة والتكامل الاقتصادي العربي والذي ظل شعاراً دون تنفيذ طوال نصف قرن.
(سادساً) المشروعات العربية الضخمة التي ترفع مستوى الإنتاج العربي وتعطى الفرصة للقضاء على الفقر والجهل والتخلف وتعالج الأمراض المزمنة (اجتماعية وسياسية واقتصادية)، لا يمكن تغطيتها إلا من الأموال العربية المتوافرة في الداخل والخارج والتي تبلغ حوالي تريليونين دولار أميركي،
وبالتالي فإن أصحاب هذه الأموال العربية مطالبين بالمساهمة بأموالهم في هذه المشروعات التي قام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بتجميع جزء كبير منها (حوالي أربعة آلاف مشروع) والتي يمكن استكمالها بمساعدة من الحكومات العربية والقطاعين العام والخاص،
في ظل تعاون مشترك بين الجهات الرسمية والمستثمرين العرب الكبار وفي مقدمتهم الأمير الوليد بن طلال والشيخ صالح كامل وكل المستثمرين الكبار الذين تعودوا الذهاب بأموالهم لاستثمارها في الخارج، علماً بأن المزايا التي تحصل عليها هذه الأموال بموجب قوانين الاستثمار العربية الحالية تزيد عن الخارج.
(سابعاً) يمكن أن يتم ذلك باتصال مباشر ودائم من خلال غرفة عمليات يتم تزويدها بأحدث وسائل الاتصال وبكل المعلومات الاقتصادية وحتى السياسية التي يطلبونها في مجال استثماراتهم العربية،
تعمل الغرفة ليلا و نهارا وتكون على اتصال دائم بالمستثمرين العرب الجادين في عقر دارهم سواء كانت إقامتهم الدائمة في دول عربية أو خارج المنطقة العربية، تعرض عليهم المشروعات التي تتفق مع نشاطهم ومع رغباتهم، وتجيب على استفساراتهم مهما تعددت،
تدعوهم للزيارة الميدانية أو توفد إليهم مندوبين عنها إذا تطلب الأمر، تدرس المشكلات التي يخشون من تواجدها وتقوم بتغيير الأساليب والقوانين والقواعد لتسهيل أعمالهم وتسهيل إقامتهم ومقابلاتهم مع المسئولين المتخصصين (وزارات وهيئات وجمعيات الاستثمار) وذلك لكي يسمعوا منهم اقتراحاتهم ويحلون لهم مشاكلهم و يعملون على راحتهم (بعض الدول تنشئ نوادي خاصة لتوفير هوايات المستثمرين الذين يحبونها كاليابانيين).
إنها دعوة للإصلاح وإعادة النظر موجهة لكل المسؤولين والمستثمرين العرب الأمناء على صالح بلادهم، دعوة تقول لا تيأسوا فإن أخطاء الماضي يمكن إصلاحها مستقبلا عن طريق المفكرين والخبراء العرب الجادين الذين يعز عليهم رؤية بلادهم تحترق (مثلما يحدث حالياً في فلسطين والعراق ولبنان)..
وعلى أن يتم ذلك عن طريق خطوات عملية و برامج تنفيذية في اجتماع يضم بعض القادة العرب لوضع خطة المستقبل للتغيير العربي، وبدايتها تكون بإنشاء غرفة العمليات الاستثمارية المقترحة، بأعلى المستويات الممكنة. وهناك من الحكام العرب وكبار المستثمرين من يستطيع وضع الخطوات التنفيذية للمشروع وتحمل العبء الأكبر فيه.
كاتب اقتصادي مصري