حققت الشركات الجنوب أفريقية نجاحات واسعة النطاق، تجلّت إنجازاتها الباهرة في الآفاق اللامحدودة التي يمكن أن تمتد إليها شركات الدول النامية، خصوصاً في الأسواق الناشئة الأقدر على استيعابها والخوض في غمارها أكثر من منافساتها من دول العالم الغنية، فشركتا أنجلوأميركا كوربوريشن، ودي بيرز هما الشركتان الكبريان في مجال التعدين في العالم، كما أصبحت »ساب ميلر« عملاقة تقطير على المستوى العالمي، و»سابي« باتت من كبرى شركات تصنيع الورق في العالم.

وراح اسم »MTN« يتردد على كل شفة ولسان في كثير من البلدان الافريقية، ناهيك عن أن »دامينشن داتا« (دياتا) التي تزوّد خدمات الكمبيوتر تعمل في أكثر من ثلاثين بلداً، بالإضافة إلى شراء »أولد ميوتشيوال« كبرى شركات المال الجنوب افريقية لأقدم شركات التأمين السويدية العام الماضي. وتمارس »ساسول« شركة الطاقة والمواد الكيماوية أعمالها في أكثر من عشرين بلداً على المستوى العالمي، فما هي العوامل التي ساهمت في الانتشار العالمي السريع للشركات الجنوب افريقية؟

عوامل نجاح الشركات الجنوب إفريقية

آذن إطلاق سراح نيلسون مانديلا في تسعينات القرن الماضي، بتحولات جذرية في الاقتصاد الجنوب افريقي الذي كان محصوراً ضمن حدوده الضيقة خلال الجزء الأعظم من العقد السابق، كما ان رفع العقوبات الأميركية ضد جنوب افريقيا في شهر يوليو من عام 1991 والعقوبات الأممية بعد ذلك بسنوات عدة، فتح الأبواب مشرعة على العالم، غير أن الشركات الجنوب افريقية بحاجة لإعادة هيكلة أنفسها، فقد أدى العجز عن الاستثمار في الخارج بالشركات المحلية إلى الاستثمار في بعضها بعضاً،

والمحصلة أن المشهد الاقتصادي طغت عليه تجمعات تجارية غلبت عليها استثمارات هجينة معقدة، فبالإضافة إلى التعدين خاضت أنجلو أميركان غمار استثمارات أخرى كالمشروبات الروحية والأعمال المصرفية والتأمين والإعلام، هذا بالإضافة إلى أن »ساوث آفركان بروريز« (ساب) التي عدت أنجلو أميركان ضمن مساهميها، تمتلك مصالح في فنادق وسلاسل تجزئة وأحذية مصنعة ومفروشات وأقمشة وكبريت.

أما بالنسبة لشركات الكمبيوتر، أمثال »ديداتا«، المؤسسة عام 1983، فإن العقوبات عنت أن التكنولوجيا التي كانت بحاجة إليها، والتي مصدرها أميركا، كانت بعيدة المنال، وهو الأمر الذي اضطر الشركة إلى تطوير أنظمتها الخاصة، بحيث أصبحت تتمتع باكتفاء ذاتي. ويعيد »جيرمي أورد« إلى الذاكرة هاتيك الأيام بقوله: لقد كنّا مضطرين للقيام بذلك بأنفسنا، ناهيك أن العزلة أعطت جنوب افريقيا حصانة ضد المنافسة، التي أسهمت في بعض الصناعات، في بروز أبطال وطنيين.

وما ان تمكنت من تخطي حدودها الإقليمية، حتى بدأت الشركات الأخطبوط في بيع أصولها غير الرئيسية. ولقد حولت كثير من التحالفات أنفسها إلى شركات عالمية، تركزت على أسواق معينة. وبالرغم من أن الشركات الكبرى ما انفكت تهيمن على المشهد التجاري في جنوب افريقيا، الا ان قبضتها تراخت بصورة كبيرة، وأحال وجودها على الساحة العالمية، ثقافتها التجارية.

خارج أفريقيا

تعويضاً عن وصولها المتأخر إلى الساحة العالمية، انهمكت الشركات الجنوب افريقية، في عملية شراء محمومة. وكانت »ساب« أسرعها تحركاً. وكان انهيار الاتحاد السوفييتي يعني أن شركات التقطير الحكومية في أوروبا الشرقية وافريقيا، أصبحت لقمة سائغة للبيع. فقد اشترت الشركة عام 1993، حصة في شركة التقطير الوطنية التنزانية الخاسرة، واستثمرت في هنغاريا. وبحلول عام 2000 تحركت باتجاه خمسة بلدان افريقية بالإضافة إلى بولندا، ورومانيا وسلوفاكيا وروسيا وجمهورية التشيك.

وكان ذلك يعني أن »ساب« كانت الأولى في ترسيخ قواعدها، وكانت السبّاقة في ترسيخ جذورها في مناطق، أهمها شركات تقطير كبرى. فقد دخلت الصين عام 1994، واستحوذت على ميلر، شركة التقطير الأميركية عام 2002، وأصبحت »ساب ميلر« كما هي الشركة مرموقة الآن، ثاني أكبر شركة تقطير في أميركا الجنوبية، عندما اشترت »بافاريا«، إحدى شركات المشروبات التي تتخذ من كولومبيا مقراً لها العام الماضي.

لقد كان دخولها الرساميل الرخيصة أمراً حيوياً، فالرفع التدريجي للقيود على الرساميل، وقدرتها على الإدراج في بورصة لندن، عزز أمن التوسع الأجنبي لشركات جنوب افريقيا، فقد سمحت الحكومة الديمقراطية الجديدة في تسعينات القرن الماضي، لعدة شركات بما فيها، أنجلو أميركا، وساب ميلر، وأولد ميوكشيوال ويدانا، بتحريك إدراجاتها الرئيسية إلى لندن وفي هذا السياق، قال »مالكوم ويمان«، المسؤول المالي الأول لـ»ساب« إن استحواذات ساب ميلر الكبرى، خلال السنوات القليلة الماضية، ما كانت لتتم لولا الإدراج في بورصة لندن.

ترجمة: وائل الخطيب