قال خبير في شؤون منظمة التجارة العالمية انه بالرغم من فشل اجتماع جنيف بين دول مجموعة الست في المنظمة، مازال هناك بعض التفاؤل بشأن إمكانية التوصل لاتفاق بين الدول الأعضاء. وأكد سعيد بن سويد النصيبي مدير شؤون منظمة التجارة العالمية بوزارة الاقتصاد سابقاً والذي يشغل حالياً منصب مدير السياسات والإجراءات الجمركية بجمارك دبي على أن نجاح المفاوضات يتوقف على تنازلات ومرونة اكبر من قبل الدول المتقدمة مشيرا إلى ان على هذه الدول الالتزام بمزيد من التخفيض لدعمها الزراعي خاصة وان الدول النامية قد أعربت عن نيتها في التوصل لاتفاق قبل نهاية يوليو بشأن المسائل الأكثر حساسية في المفاوضات.

وأوضح النصيبي الذي يعد واحدا من أكثر المتعاملين في دولة الإمارات مباشرة بمفاوضات منظمة التجارة العالمية ومتابعتها عن قرب بحكم وظيفته السابقة بوزارة الاقتصاد في تعليقه على فشل مفاوضات جولة الدوحة ان الدول الأعضاء في المنظمة قد توقع نفسها في مأزق كبير عندما تفشل في التوصل إلى اتفاق حول إنهاء مفاوضات جولة الدوحة أو ما يطلق عليها »برنامج الدوحة للتنمية« والتي أعلن عنها خلال المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية الذي عقد بمدينة الدوحة في دولة قطر في نوفمبر عام 2001

والتي اعتبرت في ذلك الوقت نجاح كبير للنظام التجاري المتعدد الأطراف ولمنظمة التجارة العالمية ومرحلة جديدة في مسيرة هذا النظام بعد الفشل الذي حققته المنظمة خلال المؤتمر الوزاري الثالث والمعروف بمؤتمر سياتل. وقال النصيبي اليوم هناك مؤشرات بأن تتكرر النكسة التي حدثت في سياتل ويتكرر الفشل بسبب الخلافات الكبيرة بين الدول المتقدمة من جانب وبين الدول المتقدمة والدول النامية من جانب أخر التي لم تستطع منذ ما يقارب الخمسة أعوام منذ الإعلان عن جولة الدوحة عام 2001 التغلب على خلافاتها رغم المحاولات التي بذلت بعد مؤتمر الدوحة وخلال المؤتمر السادس الذي عقد في هونغ كونغ للتوصل إلى اتفاق على المواضيع التي شملها برنامج الدوحة.

حيث اتفقت الدول الأعضاء خلال مؤتمر هونغ كونغ على إنهاء المفاوضات قبل انتهاء عام 2006 واستكمال المفاوضات حول مختلف المواضيع والتي حدد لها موعد نهائي في شهر ابريل 2006 إلا أن الدول لم تف بوعودها ولم تلتزم بالموعد الذي حدد في مؤتمر هونغ كونغ وعاودت الخلافات بالظهور مرة أخرى من خلال إصرار بعض الدول على مواقفها المتشددة ومطالبها المبالغ فيها مما أدى إلى فشل في التوصل إلى اتفاق.

ويتوقع ان تجد الدول الـــ149 الأعضاء في منظمة التجارة العالمية نفسها مضطرة إلى تعليق جهودها الرامية إلى إنشاء نظام تجاري عالمي أفضل. وإلى أجل غير مسمى، وذلك اثر إعلان فشل المفاوضات التي جرت في جنيف بين مجموعة الست في منظمة التجارة العالمية (استراليا والبرازيل والولايات المتحدة والهند واليابان والاتحاد الأوروبي) مما يهدد بشكل كبير توقف مفاوضات جولة الدوحة بين الدول الأعضاء الــ 149 وستقرر الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية في وقت لاحق ما اذا كان يتوجب تعليق جولة الدوحة والتي كان يتوقع انجازها قبل نهاية السنة ولا يبدو أن هناك خياراً آخر إلا تعليق المفاوضات.

وتهدف جولة مفاوضات الدوحة إلى إرساء وتعزيز نظام تجاري عالمي أكثر إنصافا إزاء الدول الفقيرة وخاصة في المجال الزراعي. إلا أن هذه المفاوضات متعثرة عند عقبة لم تتمكن الدول الأعضاء إلى الآن من تخطيها منذ فترة طويلة، وهي مشكلة المساعدات التي تقدمها الدول الغنية لدعم القطاع الزراعي لديها، وهي متهمة بالتالي بخلق منافسة غير عادلة.

كما تعقدت المفاوضات أيضا عند نقطة خلافية أميركية أوروبية وهي مطالبة الولايات المتحدة الأميركية الاتحاد الأوروبي بخفض الرسوم الجمركية على الواردات الزراعية وكان من الضروري ان تنتهي المفاوضات في نهاية هذه السنة لكي يتمكن الكونغرس الأميركي من التصديق على الاتفاق النهائي. كما ان الصلاحيات التفاوضية الخاصة التي تتمتع بها الحكومة الأميركية تنتهي العام المقبل ما سيتيح للبرلمان الأميركي البحث في الاتفاق بنداً بنداً بدلا من التصديق عليه أو رفضه ككل متكامل.

وذكر النصيبي أنه خلال اجتماع جنيف، أصرت الولايات المتحدة على موقفها والتي تطالب بمزيد من الانفتاح في الأسواق أمام الصادرات الزراعية الأميركية، محملة شركاءها في المجموعة مسؤولية التسبب بفشل مفاوضات منظمة التجارة العالمية ومتهمة إياهم برفض فتح أسواقهم، كما اعتبرت ان الوعود التي قطعت في قمة الثماني في سان بطرسبرغ حول فتح الأسواق لم تتحقق عمليا في جنيف،

ووجدت الولايات المتحدة الأميركية نفسها معزولة عن شركائها في المنظمة إذ كانت تربط خفض الدعم المالي الأميركي لقطاع الزراعة بمزيد من الانفتاح في الأسواق العالمية أمام صادرات الولايات المتحدة. ولم تقدم الولايات المتحدة الأميركية أي تنازلات خلال اجتماع مجموعة الست على الرغم من الدعوة التي صدرت عن قمة سان بطرسبرغ مؤخرا للعمل »بشكل ملح« من اجل تثمير دورة المفاوضات.

ومن جهة أخرى، حمل الاتحاد الأوروبي الولايات المتحدة مسؤولية فشل مفاوضات جنيف، حيث يرى أنها لم تكن قادرة أو لم ترغب في إبداء أي مرونة حول مسألة المساعدات الزراعية وانه كان من الممكن تجنب فشل المفاوضات بين الأطراف الستة الرئيسية في منظمة التجارة العالمية في جنيف في حال أبدت بعض المرونة وألقى فشل المفاوضات في جنيف بظلاله على جميع الأطراف المعنية حيث قام كل طرف بإلقاء اللوم على الطرف الآخر،

وعلى الدول المتقدمة بشكل خاص والتي أدت خلافاتها إلى فشل المفاوضات واعتبرت الكثير من الدول من هذا الفشل هو »شبه كارثة« و»تدهور مهم« ورأت أن تعليق جولة الدوحة إلى اجل غير مسمى »يكاد يكون فشلا كاملا للمنظمة وللنظام التجاري المتعدد الأطراف«.

ووجدت الولايات المتحدة نفسها في وضع المتهم بإفشال المفاوضات وان أكدت أنها قدمت العرض الأكثر طموحا في مجال خفض دعم الصادرات الزراعية، ورفضت تحمل مسؤولية الفشل وأنها كانت مستعدة لتقديم المزيد في مجال الدعم الداخلي، لكن شركاءها مهتمون بالتهرب من فتح الأسواق عبر حماية المنتجات التي توصف بأنها »حساسة«

ويقول المسؤولون الأميركيون بأنه يتأكد أكثر فأكثر ان الشركاء التجاريين وخصوصا الاتحاد الأوروبي وبعض الدول النامية ليسوا مستعدين لفتح أسواقهم بشكل كاف وخصوصا للصادرات الأميركية من المنتجات الزراعية وان هذه الدول تعتقد ان المفاوضات تصب في اتجاه واحد وتتوقع ان تستسلم الولايات المتحدة من جانب واحد بينما تحاول هي حماية أسواقها.

وقال: كان المنتظر من المفاوضات ان يتم التوصل إلى اتفاق حول الصيغ التي يتم بها تخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على المنتجات الزراعية في العالم تمهيدا للتوصل إلى تخفيض شامل للرسوم الجمركية عموما. وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد اقترحت تخفيض نسبة الدعم الذي تقدمه لمزارعيها بحوالي 60% وتخفيض قيمة الرسوم الجمركية ما بين 55% و90% ولكنها اشترطت ان تقوم الدول الأخرى بفتح أسواقها.

وقد ظهرت تصريحات أميركية أخيرة تحذر من عدم القدرة على الإبقاء على هذه العروض في غياب ليونة من الطرف الآخر، أما الاتحاد الأوروبي فينقسم بين معارضة مزارعيه لأي تخفيض مهم وتخوف أرباب القطاع الصناعي من أن يؤدي فشل الملف الزراعي إلى إنهاء جولة مفاوضات الدوحة بدون أية نتائج تذكر وبالتالي تفويت فرصة تخفيض الرسوم الجمركية على قطاعات صناعية تملك فيها أوروبا ورقة رابحة، وقد ظهرت انتقادات من أرباب القطاع لصناعي الأوروبيين في اتجاه المفاوضين الأوروبيين من أنهم لا يقدمون تنازلات كافية (في الملف الزراعي) في الوقت الذي يطالبون به الآخرين بذلك.

ولفت النصيبي إلى ان احتمال تحريك المفاوضات يتضاءل لاسيما ان الولايات المتحدة تستعد حاليا لانتخابات منتصف الولاية في نوفمبر يليها انتهاء قانون »سلطة تشجيع التجارة« منتصف السنة المقبلة ثم انتخابات رئاسية في نوفمبر 2008 ويمنح قانون سلطة تشجيع التجارة البيت الأبيض سلطة التفاوض حول اتفاقيات تجارية وعرضها على الكونغرس للموافقة عليها دون ان يدخل عليها البرلمانيون تعديلات. وينتهي القانون الحالي منتصف العام المقبل ويمكن ان تتردد الإدارة الأميركية في خوض معركة سياسية تبدو نتائجها غير محسومة.

من جانب آخر أعلن المدير العام للمنظمة باسكال لامي انه يوصي الدول الأعضاء »بتعليق المفاوضات« إلى اجل غير مسمى مما يؤكد فشله في تقريب وجهات النظر بين الدول وسعيه لإنهاء المفاوضات في الموعد المحدد في مؤتمر هونغ كونغ وكان باسكال لامي قد حذر من ان عدم توصل الدول الأعضاء بالمنظمة إلى اتفاق حول القضايا الخلافية يعرض للخطر مستقبل كل من جولة الدوحة ومنظمة التجارة العالمية. وبأن الدول تعرض للخطر مستقبل النظام المتعدد الأطراف ذاته وأكد على أهمية هذه الجولة وإمكانيتها للمساهمة في النمو العالمي وتصحيح الاختلال ودعم التنمية.

وسبق لمدير عام المنظمة في أعقاب سلسلة من الإخفاقات السابقة لحل الخلافات بين الدول الصناعية والدول النامية حول السلع الزراعية والخدمات. ان دعا 60 وزيرا من الدول الأعضاء بالمنظمة من اجل محادثات لإنهاء الأزمة بغية الانتهاء من جولة الدوحة التجارية المتعثرة وان هذه الاجتماعات ستكون »لحظة الحقيقة« بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية ولكن وعلى اثر بدايات غير مشجعة للمفاوضات حث لامي ممثلي الدول التسع والأربعين الأعضاء في المنظمة على ضرورة التوصل إلى اتفاق لتخفيض الرسوم الجمركية والدعم على السلع الزراعية والصناعية أو المجازفة بإفشال جولة الدوحة.

ان فشل مفاوضات جولة الدوحة حتما سيؤدي إلى آثار سلبية على التجارة العالمية وعلى النظام التجاري المتعدد الأطراف فهناك تكلفة سياسية لانهيار المفاوضات، فضلا عن التكلفة الاقتصادية. وتخاطر الدول الأعضاء بإضعاف منظمة التجارة العالمية. ونظام التجارة متعدد الأطراف في وقت تحتاج فيه بشدة لتعزيز الثقة الدولية وثقة أطرافه في هذا النظام لا تدميرها أكثر، والعمل من اجل استقرار العالم.

واستطرد النصيبي: من وجهة نظري وبصفتي من المتعاملين مباشرة بمفاوضات منظمة التجارة العالمية ومتابعتها عن قرب بحكم الوظيفة، ارى ان مسؤولية الفشل يتحملها الجميع، فالكل يصبر على مواقفه ولا تبدي الدول الأعضاء المرونة الكافية في المفاوضات، فالدول المتقدمة والمؤثرة في هذه المفاوضات مازالت تماطل في مسألة الإيفاء بوعودها والتزاماتها سواء فيما بينها كقوى تجارية كبرى أو فيما يتعلق بالوعود المقطوعة تجاه الدول النامية أو الأقل نموا، والأخطر من هذا

وذاك هو رغبة البعض في التراجع عن الالتزامات ومبادئ تحرير التجارة العالمية وهو ما يدفع مجموعات إقليمية إلى التكتل وإلى تصلب أكثر في المواقف، وقد لاحظنا في الفترة الأخيرة ان العديد من الدول تتجه نحو إبرام الاتفاقيات التجارية الإقليمية، وان الدول النامية ستدفع ثمن التأثيرات السلبية للاتفاقيات الثنائية التي تبرمها مع دول متقدمة في مجالات هي محط جدل في مفاوضات الدوحة

كما ان الدول النامية بدأت تفقد ثقتها بالنظام التجاري المتعدد الأطراف وأصبحت تبدي مواقف متشددة وعدم مرونة تجاه المقترحات التي تقدم في المفاوضات لحل الخلافات، وأحيانا تظهر خلافات بين الدول النامية نفسها تعرقل التوصل إلى اتفاق وعدم وجود مواقف موحدة بينها حول القضايا ذات الاهتمام المشترك. لذلك يجب إبداء مواقف متضامنة بين الدول النامية فمصالح الدول النامية في عالم معولم لا يمكن الدفاع عنها دون مواقف متضامنة والاستفادة من المنافسة الدولية والفرص التي يتيحها النظام التجاري المتعدد الأطراف.

ومضى قائلا: إذا كانت منظمة التجارة العالمية تتميز عن غيرها من المنظمات الدولية المتعددة الأطراف، بأنها تعامل كل الأعضاء بتساو فيما يتعلق بمدى احترام المعايير المتفق عليها، فإننا نشاهد اليوم بروز تصرفات قد تلحق ضررا كبيرا بمعايير تحرير التجارة العالمية وتؤدي إلى عدم الثقة في هذا النظام وهذا باعتراف الجميع. وخير مثال على ذلك التدخلات التي طرأت أثناء صفقة شراء شركة »موانئ دبي العالمية« لشركة O&P، ولاشك في ان ما أثير من جدل بخصوص هذه الصفقة ومعارضتها باسم محاربة الإرهاب، يجسد اكبر ضربة لمصداقية المعايير التي تقوم عليها منظمة التجارة العالمية.

وذكر أن جهود تحرير التجارة العالمية والمبادئ التي قامت عليها نظريات اقتصاد السوق تجد نفسها اليوم محط اختبار عسير بعد لجوء العديد من الدول المؤثرة في الاقتصاد العالمي إلى إجراءات وقائية غير متسترة تارة باسم المتطلبات الأمنية وأخرى بدعوى الحفاظ على الرموز الوطنية. إضافة إلى تملص وتباطؤ الدول المتقدمة في الإيفاء بما وعدت به من تسهيلات للدول النامية في جولة أورغواي التي سبقت قيام منظمة التجارة العالمية في العام 1995،

فإن هذا الموضوع أثار قلقاً في أوساط منظمة التجارة العالمية، بسبب ابتعاد الدول عن مبادئ التجارة العالمية والتزاماتها ومحاولة عرقلة التجارة بقيود مستترة وهو ما يخالف ما تم الاتفاق عليه في المفاوضات السابقة، وهذا ما عبر عنه السفير الصيني بقوله إن استخدام المخاوف في مجال الأمن القومي بصورة مبالغ فيها، يعتبر وسيلة من وسائل الاتفاق على قواعد التجارة العالمية وإجراء يهدد نظام التجارة العالمية.

أبوظبي ــ أحمد محسن: