ينطبق على صيغة مهرجان السينما العربية في باريس، صيغة التظاهرة السينمائية أكثر من صيغة مهرجان، بمعنى الحالة الجامعة لمستوى نشاطات تخدم بمجملها السينما كفن ضامر في العالم العربي. إذ لم تسجل أي نشاطات قدمها »المهرجان« التظاهرة سوى نشاط واحد، عبارة عن ندوة دارت حول السوق العربية الأوروبية للفيلم، وحركة وشركات التوزيع. حتى هذا النشاط لم يقدم أو يؤخر في موضوع شائك، ومصاحب دائم لكل الإنتاجات العربية في كل المجالات، الاقتصادية والثقافية وغيرها.

على هذا افتقدت »التظاهرة« إلى ما يحيلها إلى حالة المهرجان، الذي يفترض أن يجمع إلى جانب عروضه للأفلام، فعاليات أخرى مثل: المعارض، الندوات، عروض نوعية وجديدة، ومختصة، لقاءات مفتوحة بين أجيال سينمائية، إلقاء ضوء على تاريخ السينما العربية وتطوراتها إلى ما هنالك من نشاطات جدية تخدم صناع السينما في العالم العربي سواء كانوا مخرجين أو ممثلين أو تقنيين أو فنيين أو منتجين.

هذه اقتراحات قليلة ويمكن إضافة الكثير إليها، لكن من يهتم، ما دامت المؤسسة الداعية (معهد العالم العربي في باريس إضافة إلى الجامعة العربية)، صورة عن واقع عربي سياسي وثقافي واجتماعي واقتصادي، مصاب بالعجز، وفاقد لقدرة الإنجاز. ففي وقت يتقدم فيه العالم نحو العلم والمعرفة، تبتعد معظم الدول في العالم العربي نحو التخلف والفوضى والانغلاق.

هذا غيض من فيض. أتوقف عنده اختصاراً بعد ما يجدر ذكره أن جائزة المهرجان الأولى حصل عليها فيلم »عمارة يعقوبيان« قبل نهاية المسابقة الرسمية، ونشرت »البيان« هذا الخبر قبل أربعة أيام، ولم تبال إدارة »المهرجان« ولا لجان التحكيم، بالأمر، وبالفعل تم أمس السيناريو المعد سلفاً، وحصل الفيلم المذكور على جائزة أفضل فيلم لأنه »الأفضل« كما قال رئيس لجنة التحكيم للأفلام الروائية ايف بواسيه، معللاً ومبرراً النتيجة.

هذا الأمر يثبت أن ما وقع هنا لم يقع في أي تظاهرة سينمائية أو مهرجان في العالم، وهذه المرة الأولى في تاريخ مهرجانات السينما في العالم التي يعرف فيها الفائز قبل نهاية المسابقة الرسمية، وهذا »الفخر« لم يحصل عليه سوى معهد العالم العربي ومهرجانه، على الرغم من الصفة التي يطلقها على نفسه أنه منصة للفن والثقافة.

لم يكتف فيلم »عمارة يعقوبيان« بجائزة أفضل فيلم، بل حاز أيضاً على جائزة أفضل ممثل عربي تشارك بها أبطاله الثلاثة عادل إمام ونور الشريف وخالد الصاوي، مع أن أكبر مشاكل الفيلم هي اعتماده على نجوم وأسماء كبيرة في وقت كان يمكنه تجاوزهم لصالح الرواية القوية التي كتبها عز الدين الأسواني، وإضافة إلى أن عادل إمام كدر ذاته وأعاد تقديم نفسه في شخصية حفظها الجمهور العربي فيها عن ظهر قلب، فهو لم يعد »كوميدياً«، ولم يظهر كابن باشا، وأضاع شخصية زكي في الرواية بشخصية الممثل النجم النمطي، الذي لا يحيد عن تقديس ماضيه والتوقف عنده تماماً.

الأفلام التسجيلية

اشترك في مسابقة الأفلام التسجيلية 15 فيلماً روائياً و12 فيلماً قصيراً، وحاز فيلم »أنت يا وجيه« لمخرجه المصري نمير عبدالمسيح على جائزة تقدير خاصة، وهو فيلم يستحق التنويه وأكثر. وتبعه بالحصول على الجائزة ذاتها فيلم »على نهجي« إخراج اللبنانية مي مصري، على جائزة العالم العربي للفيلم التسجيلي الطويل ومقدارها 3500 يورو، عن فيلمها »يوميات بيروت: الحقيقة، الكذب والفيديو« الذي صورت فيه المخرجة أحداثاً لبنانية بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الأسبق،

وتبعها المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي بحصوله على جائزة التحكيم الخاصة وقيمتها 2000 يورو عن فيلمه »أخي عرفات« والعمل جيد، وهو عبارة عن لقاء مع فتحي عرفات شقيق الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، الذي يتحدث عن الطفولة وفلسطين والنضال والخيبة والمرض، وحاز فيلم »أبوديس، الربيع الأخير« على جائزة أفضل تسجيلي متوسط لمخرجه الفلسطيني عيسى فريج، وحاز على جائزة أفضل تسجيلي متوسط المخرج الجزائري نسيم عمروش عن فيلمه »بعض الفتات للطيور«.

الروائية الطويلة

حصل على جائزة مارون بغدادي الفيلم الروائي الطويل »أحلام« لمخرجه محمد الدراجي العراقي، الذي صور بلده العراق بعد الاحتلال، والفوضى الحاصلة، ومن خلالها حكاية امرأة انتهت حياتها في مصح عقلي بعد اعتقال زوجها، وهو فيلم متوسط بفنياته وتقنياته وقصته، لا يستفيد من هكذا جائزة، ولن تستفيد السينما العراقية من تجربته.

وحاز فيليب عرقتنلجي على جائزة أفضل فيلم روائي أول عن عمله »بوسطة« وحاز على جائزة أفضل روائي قصير الفلسطيني سامح زعبي عن شريطه »ع سكيت«، وعلى جائزة أفضل ممثلة التونسية ربيعة بن عبدالله عن دورها في فيلم »خشخاش«.

باريس ــ حسين قطايا: