قال التقرير السنوي حول »البلدان الأقل نموا لعام 2006« الذي أصدره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية »الاونكتاد« قبل عدة أيام ان هذه البلدان (يبلغ عددها خمسين بحسب تصنيف الأمم المتحدة وتضم بعض الدول العربية الأقل نموا كالسودان وموريتانيا) ان هذه الدول حققت في السنوات الأخيرة معدلات نمو اقتصادي أعلى مما سجل في الماضي، بل إنها حققت معدلات أعلى لنمو الصادرات. إلا أن ثمة شعوراً واسع الانتشار ـــ ينعكس في الانشغال بضمان تحقيق نمو يكون في صالح الفقراء- بأن هذا النمو لا يؤدي فعليا إلى الحد من الفقر وإلى تحسين أحوال رفاهية الإنسان.
وأضاف التقرير أن استدامة هذا النمو المتسارع تعتبر هشة لأنها تتوقف، إلى حد كبير، على أسعار السلع الأساسية، بما فيها أسعار النفط ، وعلى الاتجاهات في التمويل الخارجي، والأفضليات الممنوحة للصادرات من السلع المصنعة، وأحوال الطقس والمناخ. وفي أواخر السبعينات وفي الثمانينات، شهد العديد من أقل البلدان نمواً انهيارات في معدلات النمو أفضت إلى فقدان المكاسب التي تحققت نتيجة لطفرات النمو السابقة، وتظل هذه البلدان عرضة لحدوث مثل هذه الانهيارات مرة أخرى.
وتشكل تنمية القدرات الإنتاجية – وفقا للتقرير - العامل الأساسي لتحقيق النمو الاقتصادي المطرد في أقل البلدان نمواً. فمن خلال تنمية القدرات الإنتاجية، سوف يكون بمقدور أقل البلدان نمواً أن تعتمد، على نحو متزايد، على تعبئة الموارد المحلية من اجل تمويل نموها الاقتصادي، والحد من اعتمادها على المعونة،
واجتذاب ذلك النوع من التدفقات الرأسمالية الخاصة التي يمكن أن تدعم عملية تنميتها. ومن خلال تنمية القدرات الإنتاجية أيضاً، سوف يكون بمقدور هذه البلدان ان تتنافس في الأسواق الدولية للسلع والخدمات التي تتجاوز نطاق السلع الأولية والتي لا تعتمد على توفر أفضليات خاصة فيما يتعلق بالوصول إلى الأسواق.
كما أن تنمية القدرات الإنتاجية تشكل العامل الأساسي للحد من الفقر الواسع الانتشار في أقل البلدان نمواً. فعلى الرغم من أن تحويلات المعونة إلى هذه البلدان تستخدم على نحو متزايد من أجل التخفيف من حدة المعاناة الإنسانية، فليس من الممكن الحد من الفقر بقدر كبير وعلى نحو مستمر من خلال هذا التعبير عن التضامن الدولي فحسب، بل إن ذلك يتطلب أيضاً خلق الثروة في أقل البلدان نمواً وتنمية قدراتها الإنتاجية المحلية بطريقة تفضي إلى زيادة فرص العمالة المنتجة.
وسوف تكون تنمية القدرات الإنتاجية مهمة بصفة خاصة خلال السنوات الخمس عشرة القادمة لأن أقل البلدان نموا تمر بفترة انتقالية بالغة الأهمية تواجه فيها تحديا مزدوجا يتمثل أولا في التزايد المطرد في أعداد الناس الذين يبحثون عن فرص عمل خارج قطاع الزراعة وتسارع عملية التحول الحضري. وبالنسبة لأقل البلدان نموا كمجموعة، سوف يكون العقد 2000-2010 أول عقد يتوقع فيه ان يكون نمو السكان النشيطين اقتصاديا خارج قطاع الزراعة أكبر من نمو السكان النشيطين اقتصاديا ضمن هذا القطاع. وهذا الانتقال سوف يكون أكثر تأثيرا خلال العقد 2010-2020.
ومن الشواغل الأخرى ما يتمثل في أن المعدلات الفعلية لتكوين رأس المال البشري في أقل البلدان نمواً في فترة التسعينات كانت أبطأ مما كانت عليه في البلدان النامية الأخرى. فقد كان متوسط معدلات سنوات التعليم المدرسي للسكان البالغين في أقل البلدان نموا 3 سنوات في عام 2000، وهو أدنى من المستوى المسجل في البلدان النامية الأخرى في عام 1960.
كما أن »هجرة الأدمغة« آخذة في التزايد أيضا في العديد من أقل البلدان نمواً. ففي عام 2000، كان عامل واحد من بين كل خمسة عمال من »العمال ذوي المهارات العالية« في أقل البلدان نموا، أي أولئك الذين أكملوا المستوى الثالث من التعليم (13 سنة أو أكثر من التعليم المدرسي) يعمل في بلد من بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.
وثاني تلك العناصر هو التغيير الهيكلي. فبالنسبة لأقل البلدان نموا كمجموعة، لم يحدث سوى القليل من التغيير الهيكلي منذ أوائل فترة الثمانينات رغم أن هناك فوارق كبيرة في هذا الصدد فيما بين أقل البلدان نموا, فحصة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي في أقل البلدان نموا تنخفض ببطء (من 37 في المئة في الفترة 1980- 1983 إلى 33 في المئة في الفترة 2000-2003).
ويحدث توسع في كل من الأنشطة الصناعية وأنشطة الخدمات (بالأرقام المقربة من 23 في المئة إلى 26 في المئة ومن 39 في المئة إلى 42 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، على مدى الفترة نفسها). ولكن قدرا كبيرا من الزيادة في القيمة المضافة التصنيعية يتركز في عدد قليل من أقل البلدان نمواً. كما أن أنواع الأنشطة الصناعية الأكثر توسعا في أقل البلدان نموا هي صناعات التحويلية. وعلاوة على ذلك، فإن انواع الخدمات الأكثر توسعا في الأنشطة والخدمات التجارية البسيطة ذات القيمة المضافة المتدنية والتي ترمي إلى مجرد تأمين البقاء.
وثالثا إنتاجية العمل، حيث تبين الأدلة المتاحة أن ما ينتجه عامل واحد في البلدان النامية الأخرى يحتاج، في المتوسط، إلى خمسة عمال في أقل البلدان نموا وأن إنتاج ما ينتجه عامل واحد في البلدان المتقدمة يحتاج إلى 94 عاملا في أقل البلدان نموا في الفترة 2002-2003.
بل إن الأسوأ من ذلك هو أن فجوة الإنتاجية هذه آخذة في الاتساع. فإنتاجية العمل في أقل البلدان نموا كمجموعة كانت في الفترة 2000 ـــ 2003 أعلى بنسبة 12 في المئة فقط مما كانت عليه في الفترة 1980 ـــ 1983، بينما زادت، في المتوسط، بنسبة 55 في المئة في البلدان النامية الأخرى.
وبالرغم من أن القيمة المضافة الزراعية بالنسبة للعامل الزراعي قد سجلت زيادة طفيفة في أقل البلدان نموا، فإن القيمة المضافة غير الزراعية للعامل غير الزراعي قد انخفضت فعليا بنسبة 9 في المئة بين 1980 ـــ 1983 و2000 ـــ 2003. وقد انخفضت إنتاجية العمل غير الزراعي في أربعة اخماس أقل البلدان نموا التي تتوفر بصددها بيانات على مدى هذه الفترة، وهي حقيقة تدل على أن هناك مشكلة كبيرة وواسعة الانتشار في استيعاب اليد العاملة على نحو منتج خارج قطاع الزراعة.
وفي جميع أقل البلدان نموا تقريبا، يوجد اختلال بين معدل نمو قوة العمل، وهو معدل سريع جدا بالنظر إلى نمو السكان، وبين معدل تراكم رأس المال والتقدم التكنولوجي، وهو معدل بطيء عموما. ونتيجة لذلك، يتعين على معظم العمال أن يكسبوا رزقهم باستخدام قوة عملهم المحضة وبأدوات ومعدات بدائية ودون أن يتوفر لهم سوى قدر ضئيل من التعليم والتدريب وفي ظل أوضاع تتسم بضعف البنى التحتية.
وإنتاجية العمل منخفضة كما أن العمالة الناقصة منتشرة على نطاق واسع. وهذا هو السبب الأساسي لانتشار الفقر على نطاق واسع في أقل البلدان نموا. ويقدر مجموع قوة العمل في أقل البلدان نموا بنحو 312 مليون شخص في عام 2000. وبين عام 1990 وعام 2000، زادت قوة العمل بما مقدراه 71 مليون شخص، ومن المتوقع أن تزيد بين عام 2000 وعام 2010 بما مقداره 89 مليون شخص لتصل إلى 401 مليون.
وسوف تحدث نسبة كبيرة من هذه الزيادة في مجموع قوة العمل بين عام 2000 وعام 2010(22 في المئة) في بنغلاديش. إلا أن جميع أقل البلدان نموا تشهد نموا كبيرا لقوة العمل خلال العقد الحالي. ففي 36 بلدا من أقل البلدان نموا التي تتوفر بصددها بيانات في هذا الشأن وعددها 50 بلداً، يتوقع أن تزيد قوة العمل بنسبة تفوق 25 في المئة.
ورابعا الاندماج التجاري، يوضح التقرير هنا إن السلع والخدمات التي يمكن لأقل البلدان نموا توريدها على نحو تنافسي إلى الأسواق العالمية إنما يحددها في النهاية مقدار السلع والخدمات التي تستطيع هذه البلدان إنتاجها ومدى كفاءة هذا الإنتاج. وهذا هو المصدر الأساسي لتهميش أقل البلدان نموا في التجارة العاملية. فحتى لو كانت أقل البلدان نموا تصدر كل ناتجها، فإن حصتها من الصاردات العالمية من السلع والخدمات لن تشكل سوى 2.4 في المئة رغم أن نسبة عدد سكانها في مجموع سكان العالم تزيد عن 10 في المئة.
ويضاف إلى ذلك أنه مثلما يوجه هيكل الإنتاج في أقل البلدان نموا بقوة نحو استغلال الموارد الطبيعية، فإن هيكل صادراتها موجه بقوة أيضا بهذه الطريقة. وقد أسهمت السلع الأولية بنحو ثلثي مجموع الصادرات السلعية في الفترة 2000 ـــ 2003.
وخامسا القدرات التكنولوجية، حيث إن نقص التغير الهيكلي بصورة عامة، والمعدل البطيء جدا لنمو الإنتاجية، والمجموعة المحدودة من السلع التي تتمتع فيها أقل البلدان نموا بقدرة تنافسية على المستوى الدولي، هي جميعها عوامل تدل على نقص في التعليم التكنولوجي والابتكار ضمن أقل البلدان نموا. وتدل أنماط الإنتاج والتجارة على أن مستوى تراكم الأصول القائمة على المعرفة منخفض عموما. ولكن هناك أيضا تقلصا في هذه الأصول بدلا من تراكمها في العديد من أقل البلدان نموا.
وباستخدام المؤشرات التقليدية التي تدل على الجهد التكنولوجي (مثل أنشطة البحث والتطوير، وبراءة الاختراع، وأعداد العلماء والباحثين، والمنشورات)، يتضح أن ثمة فجوة كبيرة في المعرفة بين أقل البلدان نموا والبلدان النامية الأخرى والبلدان المتقدمة.
كما أن مستوى الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير في كل من أقل البلدان نموا والبلدان النامية الأخرى متدن جدا مقارنة بما هو عليه في البلدان الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. إذ بلغ إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير في عام 2003 (أو آخر السنوات التي تتوفر بصددها بيانات) 0.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في أقل البلدان نمواً، و0.3 في المئة في البلدان النامية الأخرى، مقارنة بنسبة تبلغ 2.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.
وأخيرا ينتقل التقرير إلى بحث القيود التي تحد من تنمية القدرات الإنتاجية في الدول الأقل نموا، حيث يؤكد على ضرورة ادراج السياسات الوطنية والدولية الرامية إلى تنمية القدرات الإنتاجية في أقل البلدان نموا ضمن أولوياتها وذلك من أجل تحديد وتخفيف حدة القيود الرئيسية التي تواجه عمليات تراكم رأس المال والتقدم التكنولوجي والتغيير الهيكلي.
وينبغي القيام بذلك على أساس تناول حالة كل بلد على حدة ومع مراعاة الأوضاع المحلية. إلا أن التقرير يركز على ثلاثة قيود لتنمية القدرات الإنتاجية يحتمل أن تكون مهمة في عدد من أقل البلدان نموا هي حالة البنى التحتية المادية وجوانب الضعف المؤسسي – الشركات والنظم المالية ونظم معرفة قيود الطلب.
فبالنسبة للقيود البينة التحتية، توجد في معظم أقل البلدان نموا أدنى وأسوأ نوعية من البنى التحتية في مجالات النقل والاتصالات والطاقة على مستوى العالم. وهذه الفجوة في مستوى البنى التحتية مهمة بصفة خاصة فيما يتعلق بمجال الطاقة. إذ إن »فجوة الكهرباء« لم تحظ بنفس القدر من الاهتمام الذي حظيت به »الفجوة الرقمية« ولكنها تتسم على الأقل بنفس القدر من الأهمية – بل ولربما كانت أكثر أهمية – بالنسبة لتحقيق النمو الاقتصادي والحد من الفقر.
ومن القيود الرئيسية التي تواجه الأخذ، ضمن أقل البلدان نمواً، بالتكنولوجيات الحديثة المتطورة المتاحة فعلاً في البلدان المتقدمة وفي البلدان النامية الأخرى ما يتمثل في تدني مستوى التقارب التكنولوجي بين أقل البلدان نموا وغيرها من البلدان. فالمستوى المتدني لعملية الكهربة يمثل جانبا رئيسيا من جوانب هذا الافتقار إلى التقارب التكنولوجي وبالتالي فإنه يسهم في استمرار الفجوة التكنولوجية.
حسن العالي ـــ المنامة: