منذ مدّة، كنت في زيارة صديقة لي؛ وبينما كنّا في المطبخ، أراقب ولديها فيما تحضّر هي القهوة، أخذ عاملان في غرفة الجلوس يجهّزان المكان بتوصيلات كهربائيّة جديدة خاصّة بشبكة الإنترنت، التلفاز والقمر الصناعي. أخبرتْني أنّ المقاول مرّ منذ ساعتين، ليوصِل العاملينِ ووعدها بأن يعود حوالي الساعة السادسة بعد الظهر، فيكون العمل قد أنجِز بحلول ذلك الوقت. وكانت الساعة الخامسة والنصف.

قدّمتْ لي القهوة، وذهبتْ إلى الغرفة التالية لتتفقّد العاملينِ، فسمعتُها فجأةً تصرخ، ملايين الصور مرّت في ذهني خلال تلك اللحظات القليلة لأصل إليها، لاسيّما أنّها بطبعها ذات حسّ مأساويّ. رأيتُ صديقتي والدموع تترقرق في عينيها والعاملان يقفان قبالتها، فيما علا وجهَهما تعبيرٌ كما لو أنّهما سمعا أنّ مخلوقات فضائية تقوم باجتياح كلّي للأرض.

حاولتْ أن تشرح لي الوضع: فإذا بالجمل التي تفوّهت بها أشبه بالكلمات المتقاطعة، ولكنّني، وبصعوبة كبيرة، فهمتُ أنّه: كان يُفترَض بالعاملينِ أن ينقلا التوصيلات القديمة من الجدار الصغير إلى الجدار الأكبر، محافظينِ على العلوّ المنخفض نفسه (45 سم عن الأرض)، حيثما افتُرِض تركيب أرفف خشبية جديدة.

غير أنّهما قاما بالعمل المعاكس تماماً، فأتلفا ثلاثة جدران، دون أن يصيبا الجدار المقصود وألحقا الضرر ببعض اللوحات إذ اتّكآ عليها، وأمست كنبات صديقتي بلونها البيج تحمل نقشاً جديداً: نقط من الزيت الممزوج ببصمات أيادٍ وسخة!

حاولتُ التحدّث إلى العاملينِ، والإشارة إلى أنه لم يتم دعوتهما إلى مسابقة حرة للفن التجريدي على الحوائط، وأنّهما مسؤولان عن حقّ عن هذه »المسرحيّة الهندسيّة الهزليّة »(Engineering Vaudeville). ولكن، رغم ذلك، لم يكفّا عن النظر إليّ وفي عينيهما تعبير جديد يشبه تعبير وجه الغزال متى وقع فجأة في قبضة أنوار سيّارة في الليل. والمفاجأة... لا لغة إنجليزيّة! ولا لغة عربيّة!

حاولت البحث عن ما يسمى باللغة الهندسيّة: »المخطّطات«... فلم أجد شيئاً... وفكّرت بإمكانيّة التفاهم في مثل تلك »الظروف«. وبشجاعة، رحتُ أطبق حركات صفّ التعبير المسرحيّ التي درستُها في الثانويّة العامة، كحلّ مؤقت للتواصل.

وسمعتُ ضحكاتٍ تتعالى بالقرب منّي: كانت ضحكات ولدَي صديقتي اللذين حسِباني، ولا بدّ، أؤدّي عرضاً ترفيهيّا. أمّا والدتهما فكان البكاء الممزوج مع الضحك قد أخذ منها كلّ مأخذٍ! وراح العاملان يحرّكان يديهما يحاولان إفهامي شيئا: وقد فعلتُ: كان ذلك أول عمل يقومان به، فقد كانا، من قبل، مزارعين في بلدهما الأمّ!

أتراها نهاية العالم؟... لا! فلماذا وجدتُني إذاً في وسط مشهد سريّاليّ؟ ما علاقة الزراعة بالكهرباء؟ جاء المقاول، وبعد أن تبادل بضع كلمات مع عامليهِ، حمّل صديقتي المسؤوليّة الكاملة عن هذا »الخطأ«:

أوّلاً، لقد سبّبت لهما الإرباك بالإفصاح عما كانت تخطّط القيام به في الجدران الأخرى، ومن هنا حصل سوء التفاهم! فالكارثة لا تعود إلى أنّهما عديما الخبرة والكفاءة، وإلى أنّ أيّ مخطّطات كهربائيّة لم تكن متوفّرة!

ثانياً، لم تقم بالإشراف عليهما! أوليس ذلك بمنطق صرف؟ ففي نهاية المطاف، البيت بيتها؛ وذلك يندرج ضمن مهامها! اتّصلنا بزوجها، الذي كان خارج الدولة: فطلب منّي بهدوء أن أضع الجميع في الخارج. ففعلتُ، بشجاعة! غادرتُ لاحقاً منزل صديقتي، بعد أن تأكّدتُ من أنّ زوجها سيتولّى الأمر، وأنّ الهدوء عاودها بما يكفي لتعتني بنفسها وبولديها.

وفي طريق العودة إلى بيتي، كــنتُ أصغي إلى »بوب ديلان« (Bob Dylan) يغنــّي: »عليــك أن تخــــدم أحداً مــــا« (YOU HAVE TO SERVE SOME BODY)، وأنظر إلى مواقع البناء كلّها حولي. فألفيتُ نفسي أصلّي سرًّا إلى الله، آملةً ألاّ يكون مزارعون كثيرون يعملون في آلاف تلك المباني والأبراج، إن صحّ ذلك، فما عسانا نفعل عندئذ؟ هل نضع الجميع في الخارج؟ (يتبع)...