بعد مسار طويل وشاق من المفاوضات الماراتونية بين الحكومة الموريتانية والاتحاد الأوروبي، توصل الطرفان ـ أخيرا ـ إلى اتفاق جديد في مجال الصيد البحري، يتم بموجبه تمديد اتفاقيات الشراكة بينهما والتي بدأت على شكل أبروتوكالات اتفاق منذ سنة 1996..
وخلافا لما كان عليه الوضع خلال العقد المنصرم، جاءت الاتفاقية الجديدة، المبرمة نهاية الأسبوع المنصرم بفوائد على الجانب الموريتاني، وطبقا لأهم الشروط التي وضعتها السلطات الانتقالية، وأصرت عليها طيلة مختلف جولات التفاوض..
وتوصلت الحكومة الموريتانية والاتحاد الأوروبي إلى صيغة تفاهم حول تجديد العمل باتفاقيات الصيد المبرمة بين الطرفين منذ سنة 1996.. وسعى الأوروبيون خلال المفاوضات التي استغرقت عدة شهور، إلى تمديد العمل بالاتفاق السابق الذي ينتهي في الحادي والثلاثين من يوليو الجاري، بل طرحوا في بعض جولات المفاوضات إمكانية زيادة حجم استفادة أسطولهم من الثروات السمكية الموريتانية مع تخفيف الشروط الموريتانية..
لكن المفاوضين الموريتانيين ركزوا على الأضرار المترتبة على مجهود الصيد الضخم الذي تخضع له الموارد البحرية الوطنية من جراء عمليات الصيد التي تمارسها السفن الأوروبية.. كما دعموا موقفهم بدراسات علمية وفنية توضح مدى الضغط الذي تتعرض له الثروة السمكية للبلد بفعل هذا المجهود الكبير جدا.
والذي نجم عنه ضرر بالغ أدى إلى تراجع المخزون السمكي والى تدهور الوسط البيئي وتهديد العديد من الأنواع والأحياء البحرية بالانقراض بما فيها تلك المحمية..
الجانب الأوروبي حاول إقناع السلطات الموريتانية بأهمية الشراكة على الصعيد الاقتصادي، ولكن أيضا على الصعيد السياسي، حيث ألمح المفاوضون الأوروبيون ،خلال بعض الاجتماعات، إلى أن موريتانيا قد لا تكون بحاجة إلى خلق توتر مع الاتحاد الأوروبي في الظروف الانتقالية على الأقل..
وهو ما أثار حفيظة الجانب الموريتاني الذي رأى فيه نوعا من الابتزاز ومحاولة الخروج عن الإطار الصحيح للمفاوضات المتعلق بشروط التعاقد في مجال اقتصادي محدد.. بينما تأخذ العلاقات السياسية بين الطرفين أطرا أخرى، وتخضع لمعايير خاصة بها ضمن ملفات السياسة الخارجية ومصالح الجانبين الاستراتيجية..
ومع استمرار مسار المفاوضات والتقدم هنا، والانسداد هناك، شرعت السلطات الموريتانية في تطبيق نظام الرقابة البحرية بصرامة، حيث أوقفت عدة سفن أوروبية كانت تمارس نشاطها بطرق غير شرعية، من خلال الدخول إلى مناطق ممنوعة، ومن خلال صيد أنواع محرمة ،
ورفض ملاك هذه السفن الانصياع للعقوبات المتخذة في حقهم طبقا للقانون المعمول به في هذا المجال.. وحاولوا اتباع أساليب يبدو أنهم تعودوها خلال الأعوام الماضية من خلال محاولات تقديم رشاوى للمفتشين وحتى لبعض المسؤولين النافذين في ميدان الرقابة البحرية وفي وزارة الصيد..
وباءت كل تلك المحاولات التي صنفها عدد من العارفين بخفايا قطاع الصيد في البلد، على أنها محاولات لجس النبض واختبار مدى جدية وصرامة الموريتانيين في مجال إصلاح القطاع..باءت بالفشل، ولم يجد المخالفون بدا من التقيد بالغرامات التي فرضت عليهم، وكذا بقرار تفريغ حمولة السفن الموقوفة في ميناء نواذيبو.
وخلال زيارة رئيس المجلس العسكري الحاكم العقيد اعلي ولد فال لمدينة نواذيبو الاقتصادية، ضمن جولته الخاصة بشرح التعديلات الدستورية الأخيرة، وجه رسالة حملت نقدا لاذعا لرجال الأعمال المستثمرين في مجال الصيد البحري، ضمنها تهديدا واضحا لكل من يخالف النظم والقوانين المعمول بها في هذا المجال..
وهي الرسالة التي أراد الرئيس ـ فيما يبدو ـ أن تسمع حتى خارج الحدود الموريتانية، وتحديدا في بروكسل.. وبدوره لم يمنح وزير الصيد والاقتصاد البحري للمفاوضين الأوروبيين أية فرصة للشك في مدى تمسك موريتانيا بمصالحها وموقفها من اتفاقيات الصيد المنتهية مع الاتحاد الأوروبي،
فكان يوقف التفاوض كلما رفض الجانب الأوروبي قبول نقطة ما من النقاط التي تشترطها نواكشوط أو حاول الالتفاف أو القفز على أحد المقترحات الموريتانية.
وقف استنزاف الثروة
أكد مصدر موريتاني أن موريتانيا حققت نصرا كبيرا في مفاوضاتها مع الاتحاد الاوروبي حول الاتفاق الجديد في مجال الصيد .وأوضح المصدر نفسه أن هذا الانتصار تمثل في تخفيف الضغط على الأنواع المعرضة للتهديد،
والمعروفة بأسماك »سيفالوبود« وذلك بنسبة 31%، ويضاعف عدد الضباط والبحارة ثلاث مرات لكل باخرة تبحر للقيام برحلة صيد، ويدفع الجانب الأوروبي 108 ملايين يورو سنويا لموريتانيا مقابل 86 مليون يورو حسب الاتفاق السابق، أي بزيادة قدرها 22 مليون يورو.
وأعرب الاتحاد الأوروبي عن ارتياحه للتوصل إلى الاتفاق الجديد مع موريتانيا، حيث وصف جو بورغ، مفوض الصيد بالاتحاد هذا الاتفاق قائلا:»هذا الاتفاق الذي هو الأهم من نوعه مع بلد إفريقي، يمثل تقدما كبيرا«.
وأضاف المفوض الأوروبي أن »اتفاق الشراكة الجديد سيحمل فوائد مشتركة للاتحاد الأوروبي ولموريتانيا في مجال التشغيل، وتعزيز الرقابة والتفتيش، والحفاظ على البيئة«.
ويتضمن الاتفاق الجديد ، السماح لمئتي سفينة أوروبية بالصيد في المياه الإقليمية لموريتانيا، من خلال رحض مدتها سنتان لمختلف الأنواع.. ويحدد الاتفاق سقفا للكميات المسموح باصطيادها على دفعات لكل منها تدوم عامين،
وهو ما يعني أن السفن الأوروبية التي تصل إلى هذا السقف بالنسبة لنوع معين من الأسماك خلال هذه المدة لا يجوز لها الاستمرار في صيده بعد ذلك إلا برخصة جديدة.. ويأتي هذا التحديد بناء على دراسات علمية حول مخزون المياه الموريتانية من الثروة السمكية..
وبموجب الاتفاق تخصص10 ملايين يورو من المبلغ الإجمالي للاتفاق الذي يدفعه الجانب الأوروبي لموريتانيا، والبالغ 108 ملايين يورو، لتطوير الصيد في موريتانيا وتحديث الأسطول الوطني ، ووضع أسس لصيد تقليدي مستديم.
نواكشوط ــــ بشير ولد ببانه