من أهم مثالب النظام الاقتصادي الصيني أنه يوجه نسبة صغيرة نسبياً من المدخرات إلى أكثر قطاعاته إنتاجية. ومن أهم الآثار الواضحة لكمية الأموال الهائلة المتوفرة »100 مليار دولار حالياً« هو إنفاق الحكومة على تقليل الديون المعدومة. ويكلف الإقراض والقروض غير المستقلة غالباً لمشروعات حكومية الاقتصاد الصيني الكثير حتى ولو لم تتحول إلى ديون معدومة.

والإصلاحات التي أدت إلى توجيه الأموال إلى الشركات الخاصة - محرك نمو الاقتصاد الصيني- سوف تولد نسبة سنوية على المدخرات بعد حساب التضخم. وعلى العكس من ذلك فإن الأسر في كوريا الجنوبية حصلت على فوائد 1.8% سنوياً على أصولهم خلال نفس الفترة.

فإذا تضاعفت العائدات الحقيقية على المدخرات في الصين إلى 1% سوف تجني العائلات هناك 10 مليارات دولار سنوياً وتجني العائلات في كوريا الجنوبية 25 مليار دولار سنوياً إذا ظل المستوى على ما هو عليه. بهذه الطريقة تستطيع العائلات الصينية خفض المدخرات وزيادة الإنفاق.

وبرغم الفوائد الواضحة لتحسين تخصيص الأموال فإن الهيئات التنظيمية في الصين تقاوم هذه التغيرات للحفاظ على الوظائف. لكن النظام المالي النامي القائم على قواعد السوق وسيلة أكثر جاذبية لتحقيق نسبة توظيف مرتفعة ومستمرة على المدى الطويل من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية.

ورغم أن المشروعات المملوكة للدولة سوف تفقد الوظائف، وهي التي لا تستطيع منافسة القطاع الخاص في القواعد المالية للسوق المفتوحة فسوف يخلق القطاع الخاص المتنامي فرص عمل جديدة، ويمكن إهمال الخسائر حتى على المديين المتوسط والقصير في فقدان الوظائف في القطاع العام،

وتؤيد تجربة الصيف في صناعة السيارات هذا المبدأ وهو أن إعادة هيكلة القطاع العام قد خسر العديد من الوظائف لكن نسبة التوظيف الإجمالية في قطاع السيارات ارتفعت.

وقدرت ربعية مكنزي أن دعم إجمالي الناتج المحلي من تخصيص رؤوس الأموال بكفاءة أعلى سوف يرفع عائدات الحكومة من الضرائب بنسبة 13% دون زيادة معدل الضريبة، وتستطيع الدولة الاعتماد على هذه الأموال بدلاً من استغلال النظام المالي لدعم أهداف اجتماعية.

تحسين كفاءة النظام المالي:

تشكل مخاوف الدولة بشأن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية بعض أسباب استمرار النظام المالي الصيني في تخصيص ميزانيات لشركات متعثرة. وهناك عوامل أخرى مهمة مثل عمليات قطاع البنوك غير الكفء وعدم نضوج أسواق الدين والأسهم في الصين، هذه العوامل تقلل كفاءة تخصيص الميزانيات فضلاً عن رفع تكاليف التشغيل.

وبما أن المؤسسات المالية الصينية لم تكن موجودة من 25 سنة، فلا يمكن توقع أن يضاهي أداؤها نظيرتها في الاقتصاديات الناضجة، لكن إذا استطاعت هذه المؤسسات الارتفاع إلى مستوى نظيرتها في أسواق نامية أخرى مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية،

سوف يرتفع إجمالي الناتج المحلي بمقدار 62 مليار دولار سنوياً، حسب تقديرات ربعية مكنزي، وتتجه غالبية المدخرات إلى العائلات والشركات، وسوف يساعد رفع الكفاءة المالية في تحسين تخصيص الميزانيات أيضاً لأن المشكلات الرئيسية مشتركة.

قطاع البنوك:

رغم التحسن في قطاع البنوك في السنوات الأخيرة فلا تزال البنوك الصينية تعاني من ضعف في التشغيل، فهي تجمع بيانات شكلية فقط عن المقترضين والأداء المالي لهم ولا توفر وكالات التصنيف المستقلة تغطية جيدة، ورغم جهود التحسين الأخيرة ليس هناك مهارات جيدة في كثير من الفروع بشأن تسعير القروض وإدارة المخاطر

وبالتالي ترتفع المخاطر، فالبنوك تجاري المشروعات المملوكة للدولة، حتى ضعيفة الأداء منها، على أساس نسبة ملكية الحكومة فيها، وقد يكون هناك ضغوط سياسية على البنوك لمنح قروض للمشروعات التي يعمل بها أكبر عدد من الموظفين، والبنوك الصينية الكبرى، البعض منها لديه 20 ألف فرع، حلت المركزية وليس لديها نظام حاكمية محكم فتترك بعض الفروع عرضة لضغوط المشروعات المحلية ويعظم سيطرة البنوك على النظام المالي في الصين من تأثير سوء تخصيص الأموال.

ويتراوح نصيب البنك كنسبة من الأصول المالية في اقتصاد السوق بين أقل من 20% في الدول المتقدمة إلى النصف في الدول النامية، وفي الصين تتوسط البنوك في نحو 75% من رأس المال في الاقتصاد، أي أكثر من ضعف ونصف الضعف من المستوى ذاته في أكثر الدول الأخرى، وبلغ حجم الودائع في البنوك، ونصفها مدخرات عائلات 2.6 تريليون دولار في نهاية 2004.

وعدم كفاءة النظام المصرفي يرفع أيضاً تكاليف التشغيل، ومصدر عائدات البنك هو الفارق بين فائدة الاقتراض والإقراض، خاصة في الصين، حيث دخل الرسوم ضعيف، وتحتاج البنوك الصينية إلى 215 مليار دولار من الدعم الحكومي لتسوية حساباتها الختامية منذ أواخر التسعينات،

فإذا أضيفت هذه الأموال إلى سعر الفائدة، يرتفع تكاليف الوساطة في البنوك الصينية إلى 4.5% بمعنى آخر تحتاج البنوك الصينية إلى 25 مليار دولار عائدات إضافية من البنوك في الدول المتقدمة سنوياً لمنح نفس القيمة من القروض.

أولويات الإصلاح

تتجذر مشكلات النظام المالي الصيني في مكوناته من بنوك وأسواق سندات وأسهم ونظام الرفع والمؤسسات الاستثمارية، ولذلك على هيئات التنظيم تنفيذ برنامج منسق من الإصلاحات لتحسين تخصيص الأموال والميزانيات وزيادة كفاءة النظام عموماً.

وتحتاج الصين إلى سوق سندات شركات نشطة مثلاً لتوفير التمويل للشركات الكبرى ومشروعات البنية التحتية وتحفيز البنوك على منح مزيد من القروض للشركات الصغيرة والمستهلكين (الأفراد)، لكن سوق السندات لا يحتمل أن تنتعش حتى تطور البنوك نظام دقيق لتسعير القروض يقوم على دراسة المخاطر، وسوف تستطيع البنوك في ذاك الحين توجيه القروض إلى شركات ومستهلكين أكثر إنتاجية.

ولا بد أن يرتفع عدد المؤسسات الاستثمارية بسرعة لأن قليلاً من المستثمرين الأفراد يشترون سندات الشركات مباشرة، وتتداخل كل هذه العلاقات وسيكون على قطاع البنوك أن يتفاعل معها.

وقد تطورت سوق سندات الشركات في الصين ببطء شديد لأسباب أهمها اللوائح المتشددة. ولزيادة توسع هذه السوق وتنشيطها لابد أن يلقي المشرعون السياسات التفضيلية للبنوك والسماح لمزيد من الشركات الخاصة بإصدار السندات

وتقصير زمن منح الموافقات إلى أسبوع مقابل 14 ـــ 17 شهراً حالياً على إصدار السندات وإلغاء القيود على سعر الفائدة على سندات الشركات، ولابد أن تشجع الهيئات التشريعية توسع وكالات تصنيف الشركات المتقدمة وزيادتها، مثل خدمة مودي وستاندارد آنديورز للمستثمرين.

وسوف يحتاج أيضاً تزايد أعداد المسنين وارتفاع الطلب على المهارات العمالية سياسات جديدة من الحكومة. وأسواق الأسهم في الصين مفتوحة فقط أمام المشروعات المملوكة للدولة، ولمساعدة الشركات الخاصة والصغيرة على اختيار الأسهم كمصدر لرأس المال والتمويل لابد من تغيير اللوائح حتى تتأهل مزيد من منها لإصدار الأسهم والتسجيل في البورصات الصينية. وتتطلب كل هذه الإصلاحات تنسيقاً بين الهيئات التنظيمية الصينية.

ترجمة: أشرف رفيق