تشهد السينما المصرية ظاهرة جديدة بدأت تتضح ملامحها على استحياء، ولكنها جديرة بالمتابعة، لأنها ربما تمهد لمفهوم جديد في السينما المصرية، يتشابه مع مفهوم السينما المستقلة في الولايات المتحدة الأميركية.
البداية كانت بأربعة أفلام أبطالها ومخرجوها ومؤلفوها لا يعرفون لعبة الفلوس، وربما كانت خطوات بعضهم الأولى في عالم السينما، وليست هذه حالة تمرد على نظام النجم والبطولة، بقدر ما هي حب للمهنة وصناعة السينما، إذ أن معظم المنتجين على الساحة حديثو العهد بهذه الصناعة ولا يهمهم سوى الربح ولا علاقة لهم بالمسألة الفنية، ونحن نحاول أن نقترب من مناقشة هذه القضية خلال سطور هذا التحقيق.
ويعد فيلم «أوقات الفراغ» بداية هذه الموجة من الأفلام التي تتصدى لسطوة نجوم الشباك على الأفلام وحصولهم على أجور خيالية، لأنه اعتمد على الاستعانة بوجوه جديدة تظهر للمرة الأولى على الشاشة ويسند إليها دور البطولة، كما يقول منتج هذا الفيلم حسين القلا، الذي توقف عن الإنتاج، منذ فيلمه «أرض الأحلام» مع فاتن حمامة حتى عاد إلى الإنتاج في «أوقات الفراغ» عندما عرض عليه شابان سيناريو هذا الفيلم، وقد كتباه في كراس مدرسي وهما في سن صغيرة، وبعد أن وجد السيناريو تصويراً واقعياً صادقاً لأحوال الشباب هذه الأيام والمعاناة الحقيقية التي يتعرضون لها، بدأ يبحث له عن مخرج.
حيث وقع الاختيار على هاني خليفة مخرج «سهر الليالي» الذي أجرى عدة تعديلات رئيسية على السيناريو، وتم رفضه من الرقابة بسبب احتوائه على بعض الألفاظ الخارجة، ثم قابلتنا بعض المعوقات والخلافات التي حدثت مع هاني فترك الفيلم، واخترنا المخرج محمد مصطفى وكان يعمل مساعد مخرج منذ 25 عاماً، وتم تعديل السيناريو من جديد وقدمناه للرقابة فوافقت عليه، ويطرح الآن في 35 دار عرض.
وعن اختياره أبطالا يظهرون للمرة الأولى سينمائياً يقول القلا: كنا نبحث عن أبطال دون الحادية والعشرين، لأن أحداث الفيلم تدور حول هذه السن، وقد تم اختيارهم من بين الدارسين في مدرسة إعداد الممثل، وهم عمرو عادل وأحمد حاتم وكريم حداد، أما راندا البحيري فهي الوجه الوحيد المعروف كممثلة وكموديل.
ويرى القلا أن الفيلم ليس مغامرة، كما قد يراه البعض، فهو يهم كل بيت وأسرة مصرية، لأنه يتناول حياة المراهقين، وكيف يؤدي فراغهم الفكري إلى الانحراف والمخدرات أو التطرف الديني، أما تنفيذه فقد تم على مستوى عال من الدقة والمهارة الفنية والإبداعية وأغنية الفيلم «دوائر» كتبها الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي وغناها مروان خوري، واعتبر هذه الأغنية من أهم عناصر رواج الفيلم، هذا بالإضافة إلى التكثيف الإعلامي والدعائي للفيلم، لذلك فأنا واثق من نجاح هذا الفيلم. ويقول القلا:
إن هذا الفيلم الوحيد فهناك ثلاثة أفلام أخرى ستشارك في سباق هذا الموسم الصيفي، الذي لا يتعدى عمره 45 يوماً بلغة السينما، وهي: «علاقات خاصة» تأليف نبيل عزت، وإخراج إيهاب لمعي، وفيلم «استغماية» تأليف وإخراج عماد البهات، وهو يعد أول تجاربه السينمائية الطويلة، أما الفيلم الرابع فهو من تأليف وإخراج وإنتاج أسماء البكري وهو «العنف والسخرية». ويؤكد القلا ان هذه الأفلام الجديدة ليست بديلة عن أفلام الديجيتال، التي لم تكتمل في مصر وأثبتت فشلها لأن طبيعة الأفلام وموضوعاتها لم تعجب الجمهور،
وفيلم «أوقات الفراغ» قد أنتج بتكاليف أفلام النجوم ذاتها، غير أن الفارق الوحيد كان في أجور الفنانين، وهذا لم يكن مقصوداً في ذاته، وأنا لست ضد سينما النجوم، لأنها مازالت السينما السائدة في العالم كله، وإنما كنت أتمنى إيجاد سينما أخرى موازية لسينما النجم. ويقول المنتج هاني جرجس فوزي، الذي أنتج فيلمين من بين أفلام هذه النوعية، وهما «علاقات خاصة» و«استغامية» أن مستوى السينما في الفترة الماضية أصبح متدنياً، وليس أدل على ذلك إلا استبعاد الأفلام المصرية من المهرجانات الدولية، وفي الوقت ذاته،
يوجد في مصر عشرات المواهب الحقيقية في التمثيل والتأليف والإخراج، لم يجدوا الفرصة للظهور في الصورة، فكان قراري اختيار سيناريو هذين الفيلمين، وقررت أيضاً إنتاج عشرة أفلام جديدة يشارك فيها أكثر من مئة وجه جديد، فإذا نجح منهم عشرة وجوه فقط، أدى ذلك إلى تغيير حقيقي في السينما المصرية. وتقول المخرجة أسماء البكري: لقد وجدت صعوبات كثيرة في إنتاج فيلم «العنف والسخرية» مشيرة إلى أن هذا الاتجاه الجديد هو حماية حقيقية لصناع السينما الجادة من ميول الموزعين والنجوم، الذين يكرسون لسينما النجم كما نتلافى عيوب تفكير المنتجين الجدد الذين لا يستهدفون أي قيمة فنية، وإنما يسعون إلى الربح فقط.
القاهرة ـ عادل دسوقي محمود: