تطورت العلاقات الاقتصادية بين الدول وبلغت درجات كبيرة من التعقيد. وسعياً وراء تنظيم تلك العلاقات أبرمت الدول فيما بينها عديداً من الاتفاقيات والتعاقدات التي تؤطر تلك العلاقات. ولم تقتصر تلك العلاقات على الدول، بل امتدت إلى المؤسسات الإنتاجية والخدمية. وكان يهدف من وراء التعاقدات بين المؤسسات الإنتاجية والخدمية تنظيم انتقال «الدراية العملية: و«الخدمة الإنتاجية» و«الخبرة المكتبية» من طرف إلى آخر.

وسعت معظم المؤسسات الإنتاجية في الدول النامية إلى إبرام عديد من التعاقدات مع مؤسسات إنتاجية وخدمية في الدول الصناعية لتسهيل انتقال ما أطلق عليه «تكنولوجيا» تطلعاً من هذه الدول لتأسيس قاعدة صناعية وخدمية متطورة تستطيع أن تحقق تنمية مجتمعية ناجحة.

والحقيقة التي ينبغي أن تقال إن تنمية المجتمع وتحقيق استقلاله يتطلبان من الدولة ألا تعمل فقط علي نقل واستخدام المنتجات التكنولوجية، بل ينبغي توفير الأجواء المناسبة لتجذير التكنولوجيا وابتكارها محلياً، مع استثمار الموارد والإمكانات المحلية لتحقيق ذلك، وحتى يمكن للدولة الاضطلاع بذلك ينبغي عليها ان تعمل جاهدة للحصول على التكنولوجيا والمهارات الفنية والإدارية المناسبة التي تسهم مساهمة فعالة في بناء وتنمية قدرات تكنولوجية وطنية. إضافة إلى إيجاد هيكلية مؤسسية متسقة تمكن القدرات التكنولوجية الوطنية العمل من خلالها علي تطويع وأقلمة التكنولوجيا المستوردة لتحقيق التنمية المنشودة.

وإدراك العديد من الدول النامية حديثاً أهمية عقود التكنولوجيا والشروط والأحكام التي ترد فيها، ودور هذه العقود في نقل وحيازة التكنولوجيا الأجنبية.

وغدا الأمر يقينا عندها بأن هذه العقود هي البوابة التي تمر عبرها التكنولوجيا إلى الأطراف المحلية. فمن هذا المنطلق بدأت تلك الدول بتقنين عملية حيازة التكنولوجيا الأجنبية، وتركزت الجهود على موضوع اختيار التكنولوجيا والشروط والأحكام التي من خلالها يتم الحصول على التكنولوجيا، ولذلك تم تأسيس عديد من المؤسسات الوطنية الخاصة بمراقبة ممارسات نقل التكنولوجيا، وأصدرت تباعاً لذلك التشريعات الوطنية التي تنظم النقل التجاري للتكنولوجيا.

والوسائل التعاقدية لنقل التكنولوجيا، لاسيما تراخيص الملكية الصناعية تعد آلية مهمة في تحقيق ما تصبو إليه دول التعاون من أهداف وغايات ترتجيها من ممارسات حيازة التكنولوجيا. ومن المفيد أن نذكر أن الهدف ينبغي ألا يقتصر على تحسين مستوى شروط وأحكام عقود التكنولوجيا. ان المسلك الصائب هو التوجه نحو الترتيبات التي تجذر التكنولوجيا محليا وتخدم مسالك تطويع وأقلمة التكنولوجيا المستوردة، وبناء القدرات التكنولوجية الوطنية، ومن ذلك يمكن القول انه ينبغي جعل شروط وأحكام عقود التكنولوجيا عناصر حية وترجمة حقيقية لمتطلبات الواقع الذي نعيشه والمستقبل الذي نتطلع إليه.

وعرفت دول التعاون عقود التكنولوجيا بدخول صناعة تكرير النفط في الثلاثينات من هذا القرن، واقتصرت عقود التكنولوجيا على قطاع النفط حتى أواخر الستينات. ومع بداية توسع القاعدة الصناعية، انتشرت تلك العقود على قطاعات صناعية مختلفة.

وحرى بنا أن نقول إن أهمية تناول موضوع عقود التكنولوجيا، تنبع من ضرورة التعرف على الصورة الحقيقية لممارسات التفاوض والتعاقد لتأسيس الوحدات الإنتاجية أو لإدارتها أو لتقديم الخدمات الفنية أو الاستشارية أو غير ذلك من الممارسات.

كاتب ومحلل اقتصادي