حقق لبنان في العامين الأخيرين احتياطيات من العملة الصعبة تكفي لدعم الليرة اللبنانية، وان مصرف لبنان المركزي ملتزم بالحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة، وأن لدية الوسائل التي تكفل له تحقيق مثل هذا الالتزام، حيث قفزت احتياطيات المصرف المركزي اللبناني إلى 13 مليار دولار في شهر يونيو الماضي نتيجة ارتفاع عائدات السياحة، وتحسن الثقة في العملة اللبنانية، هذا ما صرح به رياض سلامة محافظ مصرف لبنان المركزي لوكالة بلومبيرغ في 13 يوليو.
وهذا التصريح يذكرني بتصريح محافظ البنك المركزي العراقي حسن النجفي بداية الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 عندما صرح بأن الأرصدة العراقية في البنوك الخارجية قادرة على تلبية ما يحتاجه العراق لمدة ثلاث سنوات دون تصدير النفط، هنالك تشابه واضح بين التصريحين، إلا ان ما يصرح به الاقتصاديون من لغة رقمية وكميات نقدية وذات أبعاد آنية تختلف كليةً عما ينتهجه الساسة من أساليب ورؤى أيديولوجية وتكتيكية.
سئل يوما (شو إن لاي) رئيس وزراء الصين الأسبق عن أسباب التوتر والخلافات بين الصين والاتحاد السوفييتي السابق قال: أستطيع أن اعدد العشرات من الأسباب لكن هنالك سبب رئيسي واحد وهو الخلاف حول الحدود.
وباعتقادي ان نذكر العديد من أسباب الصراعات القائمة والسابقة في منطقة الشرق العربي ونعدد العشرات منها، إلا انه يبقى هناك سبب رئيسي واحد هو استنزاف الاقتصاد العربي، ففي كل طفرة نفطية هناك استنزاف لهذه الطفرة والتي يطلق عليها المستهلكون الصناعيون تسمية الصدمة..
صدمة لأن أثر الطفرة يظهر على شاشاتهم بوضوح وهم لا يرغبون تحقيق تنمية اقتصادية شاملة تنعكس آثارها الاقتصادية على الوطن العربي، فالطفرة السعرية الحاصلة في أسعار النفط والتي فيما لو تم توظيفها وتنميتها في اقتصادات الوطن العربي لارتفع مؤشر الرفاهية العربية، ولانعكس ذلك على تحسين البنى التحتية، والتنمية البشرية، ولكي يبقى الشعب العربي في وضع اعتادت عليه بل صنعته الدول المستعمرة بأن يبقى العرب في المستوى نفسه بل أدنى مما هو عليه الآن...
فتش عن الثروة، شعار رفع طوال القرن التاسع عشر والعشرين لتفسير تكالب الدول الأوروبية على ثروات الشعوب الأفريقية والآسيوية واستعبادها وسحق أبسط طموحاتها في امتلاك مقدراتها، فلا بد من استنزاف هذه الطفرة بقيام حروب واحتلالات وتدمير للبنى التحتية التي هي ركيزة اقتصاد كل بلد في العالم.
وكما هو الحال عند ذكر أهم أسباب الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات حيث يمكن ذكر عشرات الأسباب، ولكن يبقى سبب رئيسي واحد، ألا وهو الأرصدة النفطية العراقية الدولارية في البنوك الأميركية والأوروبية، وهو الذي دق ناقوس الخطر لدى الدوائر الصناعية الكبرى، إذ بلغت في عام 1979 خمسين مليار دولار قبل عام واحد من نشوب الحرب.
حينها قررت الدوائر السياسية المهيمنة على العالم استنزاف الأرصدة العراقية عن طريق إشعال فتيل الحرب حرقت فيها الأرصدة البشرية والنفطية العراقية، بل طالت حتى الأرصدة الخليجية مما سببت عجوزات في موازينها ظلت تعاني منها إلى حد قريب، والمراقب للأحداث إن الحرب الأخيرة على لبنان وقعت قبل انعقاد قمة الثماني الكبرى بيومين من انعقادها والكَرة تعاد..
فعن تدمير البنى التحتية في لبنان سوف تستنزف الطفرة السعرية الخليجية، وما حققته الدول الخليجية من إيرادات نفطية كلها سوف لن يعيد لبنان إلى ما قبل 12 ـ 7، ورغم ذلك بادرت كل من السعودية والإمارات والكويت بتخصيص 90 مليون دولار لتعزيز البنى التحتية المدمرة منطلقين من مبدأ الأخوة القومية المصيرية.
وإذا كان وضع لبنان الاقتصادي خلال العقد الماضي ينوء بالهموم والمعوقات فكيف سيكون بعد عناقيد الصيف؟ (يكثر الحديث عن العوائق الاقتصادية لحركة التنمية في لبنان فيُحكى عن معدلات الفوائد العالية وعن مزاحمة الدولة للقطاع الخاص على مدخرات المجتمع في استدانتها من السوق لتمويل عجز الموازنة وعن العبء الضريبي الثقيل وعن ضيق السوق الداخلية وعن الفجوة التكنولوجية مع الخارج وما إلى ذلك).... نص افتتاحية لدولة رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سليم الحص في الندوة التي عقدت في المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق بتاريخ 17/2/2004 في بيروت.
ولعل من المناسب أن نربط الماضي بالحاضر، والذي أوضح من خلالها أن المحدِّد الأول لحركة النمو في أي بلد هو النشاط التثميري على الاقتصاد الوطني فبقدر ما تنصبَّ الرساميل التثميرية على الاقتصاد الوطني بقدر ما تنشط حركة التثمير وتتعاظم تالياً حركة النمو في الاقتصاد وعندما نتحدث عن أموال التثمير فنحن إنما نقصد تلك المتأتية عن موفور الادخار الداخلي للمجتمع كما نقصد تلك الأموال الوافدة من الخارج.
وفي عصر العولمة تنامت حركة الرساميل التثميرية بين الدول إذ رُفعت الحواجز من دربها وإذ اتسعت آفاق المعلومات عن معطيات شتَّى الدول وفُرص التوظيف فيها وإذ أخذت صناعات الغرب تسعى إلى فتح أسواق جديدة لمنتجاتها وخصوصاً في دول العالم الثالث، لذلك أضحت حركات الأموال الخارجية مصدراً هاماً وفاعلاً في تنشيط حركة التثمير وبالتالي التنمية في بلدان العالم النامي...
فاستقرار البلد السياسي ضمان لبناء بنى اقتصادية ارتكازية، حينها سئل في الندوة عن السياسات الاقتصادية المتخذة من قبله وهل كانت تعيق حركة الأموال الوافدة من الخارج في لبنان؟ قال: انه لو عاد عشر سنوات إلى الخلف لكان اعتمد السياسة الاقتصادية واتخذ القرارات الاقتصادية نفسها من أجل تعزيز البنى التحتية.
هل كل هذه القضايا هي مجرد أخطاء حسابية وقعت فيها السلطة في السنوات العشر الأخيرة أم هناك إعاقات سياسية للتنمية؟ (هذه التساؤلات وغيرها وردت ضمن الندوة). فإذا كان هذا وضع السياسات الاقتصادية والبنى التحتية في لبنان قبل العدوان الأخير فما هو مستقبل لبنان الاقتصادي وما هو وضع البنى التحتية بعد عشر سنوات جراء التدمير الحاصل الآن؟ ربما.. بل من المؤكد العودة لنقطة الشروع التي بدأها سليم الحص.
كاتب ومحلل اقتصادي
kutaiba@emirates.net.ae