تغيب حرارة المنافسة عن الدورة الثامنة لمهرجان السينما العربية في باريس، الذي يقيمه معهد العالم العربي كل عامين. فأكثر النقاد ومتابعي نشاطات المهرجان، يتناقلون بالهمس والعلن اسم الفيلم الفائز بجائزة أفضل فيلم روائي طويل، وهو فيلم «عمارة يعقوبيان» أي أن النتيجة محسومة سلفاً لصالح عمل ضخم انتاجياً في امر الجائزة الكبرى.
و«عمارة يعقوبيان» فشل منذ شهرين في مهرجان روتردام للفيلم العربي بالحصول على جائزة أفضل روائي، لان لجنة التحكيم كانت مستقلة بالكامل، على عكس ما يشاع أو يقال عن لجنة تحكيم الأفلام الروائية هنا في باريس.
هذه حال مؤسسات الثقافة العربية إن كانت رسمية أو سواها. فعلى الدوام تروج هذه «المراجع» لتثبيت أنماط التزوير والخداع. خاصة وان «عصابات» فنية ثقافية تتمتع بقدرة مستندة إلى علاقات واسعة مع سلطة أو سلطات، في لعبة تبادل الأدوار وتأمين المصالح بين طرفين، المفترض أن يكونا نقيضين، أو على الأقل أن تكون جهة الثقافة والفن تمثل الضمير العام الذي يصحح اعوجاجات السياسة. لا أن يتآمر هذا وذاك على مواطن مغلوب على أمره في العيش والاقتصاد والسياسة، والآن في الثقافة أيضاً.
«يعقوبيان» ومشاكله الكثيرة
راكمت السينما المصرية خلال مسيرتها الطويلة زمنياً، أعمالا من كل الأنواع والمستويات، ففيها الكثير الهابط، والقليل الممتاز، والأقل المتوسط. لكن التجربة المصرية بحد ذاتها تجربة كبيرة، والأوسع في العالم العربي في إطار الفن السابع، الذي هو فن بصري في جوهره، وعلى صلة حثيثة بمجمل فنون أخرى بتأثيره أو تأثيره بها.
والمجتمع المصري يتمتع بصفة روائية هي الأقوى بين أشقائه العرب. كون مصر حققت وحدتها الاقتصادية الاجتماعية لأسباب طبيعية وتاريخية.
ولا أحد يستطيع نكران التأثيرات الكبيرة في هذا الإطار لنهر النيل الذي وهب لمصر هذا التحقق، الذي رسم ملامح الشخصية الاجتماعية في مصر وشكل ذاكرتها العامة، وفتح الفضاء أمام الفن الروائي على مصراعيه، فبرز نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس وغيرهما.
في وقت برزت في بلدان المشرق العربي «سوريا، لبنان، فلسطين، العراق» مجموعات كبيرة من الشعراء، بما يحمله الشعر من مستويات للاختزال، خاصة في ظل عدم تبلور دورات اقتصادية اجتماعية متكاملة في بلدان المشرق، بسبب «سايكس ـ بيكو» وغياب أي عنصر اقتصادي، يتطور ويطور أنماط الاجتماع معه.
«عمارة يعقوبيان» مأخوذ عن رواية للكاتب علاء الدين الأسواني بالاسم ذاته. وأعده للسينما السيناريست المخضرم وحيد حامد، وأخرجه ولده مروان، ولعب دور البطولة فيه حشد من النجوم المصريين أبرزهم: عادل إمام، يسرا، نور الشريف إسعاد يونس، هند صبري، سمية الخشاب، أحمد بدير والإنتاج لشركة «جود نيوز للأفلام» لصاحبها الإعلامي عماد الدين أديب. أي أن الفيلم حاز على ثلاثة عناصر مهمة لنجاح أي عمل سينمائي.
العنصر الأول: الرواية مشهورة وجميلة، والثاني: حشد كبير من أسماء النجوم الأوائل في مصر، والثالث: الممول الكبير والجديد في عالم الإنتاج، الساعي إلى تحقيق معادلة صعبة لم ينفذ منها إلا أفلام قليلة على مستوى العالم، وهي النجاح التجاري، والفني أو إرخاء المشاهد العادي والمشاهد المتابع أو المثقف. فنجح المنتج في تحقيق النجاح التجاري، وأخفق في إصابة الهدف الثاني، فمشاكل هذا الفيلم تبدأ في الأساس من تفكير أصحابه بأسلوب الوصفات الجاهزة المطبقة على إنتاج العمل، المرهق والرازح تحت أسماء «النجوم» الكبار.
فغاب عن البال أن «الرواية» هي بطلة الفيلم، و«النجوم» لا يستطيعون تغيير هذه الحقيقة. فالممثل عادل إمام الذي أدى دور شخصية «زكي» الثري المنسجم مع حياة اللهو والعبث، بخيانة واضحة.
كرر في استخدام أدواته التعبيرية، التي هي عينها على مدى ربع قرن لا يحيد عنها، فتضيع شخصية الرواية، أي زكي في خضم تضخم «أنا» الممثل، الذي لم يعرف حتى الآن وبعد تجربته الطويلة، بأن ألف باء التمثيل بداية، في ان لا يمثل الممثل، ولا ان يسجن ذاته في إطار الكاريكاتير.
ليس هذا السبب الوحيد الذي ترك فيلم «عمارة يعقوبيان» بلا مكانة في ذاكرة السينما العربية أو غيرها، إذ أن تواجد مروان حامد وابنه في فيلم واحد شطر الفيلم إلى نصفين. بين جيلين ورؤيتين، إحداهما كلاسيكية والثانية «حديثة»، وهذا ليس مذمة لأحدهما، بل انه من الطبيعي أن تتعدد الاتجاهات بين الأجيال، لكن لا يمكن للكادر السينمائي أن يجمع رؤيته في متناقضين.
التسجيلي القصير
السينما التسجيلية نوع سينمائي له جمهوره الخاص، الذي ينتظره ويتابعه في التظاهرات الفنية من خلال شاشات التلفزيونات التي تعرض عادة هذه الأعمال، لتعذر إيجاد حالات سينمائية مستعدة لأن تغامر وتعرض لعمل لا يتمتع بصفة تجارية أو ربحية بالكامل، لأن السينما التسجيلية واقعية وإنسانية بالكامل، أي انها تشكل جدياً ما يسمى بسينما القضية، بمعناها الثقافي العام، الذي يتداخل فيه عناصر كثيرة، تبدأ بهموم العيش والاقتصاد، وينتهي بكشف وجه الظروف السياسية المتحلي بمرارة أكثر الأحيان.
تعرض في هذه التظاهرة السينمائية العربية في باريس مجموعة من الأفلام التسجيلية
القصيرة من 12 فيلماً، اختيرت من بين عشرات الأفلام، التي تقدمت للاشتراك. وقد أحسنت لجنة الاختيار بعملها على تقديم أفلام من مستوى جيد وما فوق. ويأتي في طليعتها فيلم «أنت يا وجيه» للمخرج المصري نمير عبدالمسيح، الذي يدلق على ساحة الشاشة الفضية ملحمة في 29 دقيقة، حول ذاكرة والده، الذي دخل السجن في العام 1959 في مصر، لأسباب نشاطاته «اليسارية»، وخرج منه بعد خمس سنوات.
الحكاية بحد ذاتها تحمل معاني كثيرة، وتفسيرات وتحليلات أكثر، أضيف إليها علاقة الأب والابن وبالعكس، لا يتصارعان ولا يتفقان. يقفان بجانب بعضهما باتجاهين، جسدتهما زوايا اللقطات لكاميرا مخرج يعني بتفاصيل كل عناصر الكادر، الذي يحمل بشكل متوال لحظة راهنة وأخرى من الماضي، معاً يؤلفان الرؤية. النصف الأول من «أنت يا وجيه» صور بالأبيض والأسود وفي الدواخل، بين الظل والضوء تتحرك عين المخرج، إلى حين الانتقال إلى التصوير الخارجي الملون الذي هو إعلان عن المخرج من المعتقل إلى الحياة «الزاهية».
عمل بإنتاج بسيط ومستواه أكثر من جيد.
«في هذا البيت» للمخرج اللبناني أكرم زعتري، يحكي قصة المقاوم علي الذي ترك رسالة لأهل البيت الذي حوله مع أصحابه إلى مكان لانطلاق العمليات العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، يشرح لهم ما بذله مع رفاقه لحماية الوطن من الغاصبين. الفيلم مشغول برصانة مهنية، والسيناريو جيد ومؤثر.
من لبنان أيضاً قدمت سارة حيدر عملها الثاني «خالتي هالة»، عن قصة امرأة مريضة، تصاب بفقدان السمع والقدرة على النطق، تعبر بما تستطيع عن حياتها الصعبة وعن الأمل المصاحب لها على الدوام رغم أن الظروف المحيطة مأساوية. المستوى الفني لعمل المخرجة حيدر ضئيل، مع أن السيناريو شفاف وإنساني.
من الأفلام الجيدة أيضاً داخل مسابقة «التسجيل القصير»، فيلم الإعلامية والأديبة الفلسطينية ليانة بدر «مفتوح: مغلق»، بإشارة إلى علاقة الفلسطيني مع « الطريق» التي يزرعها الاحتلال بعشرات الحواجز. وتقول بدر عن هذا الأمر:
في جميع بلدان المعمورة، يأخذ الطريق الإنسان إلى حيثما يريد أن يصل، إلا في فلسطين، حيث الإنسان يعلق في متاهة الطريق المزروع بالبوابات وبالجدران والحواجز الإسرائيلية، التي تغلق مزاجياً وعنوة طرقاً معينة، وتفتح أخرى، لتعيد إغلاقها من جديد».
يقدم الفيلم قصصاً عديدة تقع على بوابات العبور التي تقول عنها ليانة بدر: «هذه البوابات صارت معلماً جديداً في الحياة المستحيلة للإنسان الفلسطيني».
باريس ـ حسين قطايا:
