تجاذب الدولار قوى متضاربة الاتجاهات والمسارات، بحيث جعلت »التقلب« هو سيد الموقف في أسواق صرف العملة الأميركية مقابل عملتي الين واليورو، وما بين خضوعه لقوى ضغوط توقعات الفائدة، وقوى المخاوف من مخاطر تباطؤ النمو الاقتصادي على مستوى العالم، تذبذب سعر صرف العملة الخضراء بين الصعود والهبوط خلال الأسبوع المنتهي في 24 يوليو.

وقد هبط الدولار من أعلى مستوياته في ثلاثة أشهر مقابل الين واليورو خلال الأسبوع المنتهي في 22 يوليو إثر صدور تصريحات عن مسؤولي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، أطلقت إشارات للسوق بأن البنك بصدد إرجاء دورة رفعه للفائدة. ولكن ارتدت العملة الأميركية إلى مسار الصعود في 14 يوليو، نتيجة للمخاوف من مخاطر تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي.

فمن جانب، تراجع الدولار بنسبة 0.3% خلال الأسبوع المنتهي في 22 يوليو ليصل سعره إلى 1.2694 دولار لليورو و 116.17 ينا، وبالتالي، ضعفت العملة الأميركية خلال العام الحالي بنسبة 7.1% مقابل اليورو و 1.4% مقابل الين. ولكن في 24 يوليو، قفز الدولار مقابل الين إلى 116.54 من 116.17 ينا في 21 يوليو، وارتفع مقابل اليورو إلى 1.2642 من 1.2694 دولار لليورو.

تراجع توقعات الفائدة

وجاء التراجع في سعر الدولار، بعدما أعلن بين بيرناك رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في 19 يوليو أن وتيرة النمو الاقتصادي آخذه في التلطف والاعتدال، وهو الأمر الذي دفع المستثمرون إلى تقليص رهانهم على احتمال قيام البنك الفيدرالي الأميركي بإجراء زيادة أخرى في أسعار الفائدة خلال الشهر المقبل

وأظهرت تداولات عقود الفائدة الآجلة في 22 يوليو أن رهان التجار على رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية لتصل 5.5% خلال اجتماع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في 2 أغسطس قد تقلص من 65% في 18 يوليو إلى 41% في 21 يوليو.

وجاء هبوط الدولار في 19 يوليو إلى أدنى مستوياته في ثلاثة أسابيع، إثر حديث بين بيرناك رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أمام لجنة المصارف في مجلس الشيوخ الأميركي، حيث أكد على ضرورة أن تكون السياسة النقدية متنبه للتأثيرات المستقبلية للزيادات السابقة في أسعار الفائدة وأن تظل متيقظة بشأن مستويات التضخم العالية،

وقال أيضا إنه رغم تقلص إنفاق المستهلك، إلا أنه لا يرى في الأفق ركودا، مشيرا إلى أن الاقتصاد الأميركي يمر بمرحلة انتقالية نتيجة لتراجع إنفاق المستهلك.

وأدت هذه التعليقات إلى ارتداد الدولار عن أعلى مستوى يسجله أمام الين منذ 20 ابريل الماضي والبالغ 117.87 ينا، كما ارتد على أعلى سعر سجله أمام اليورو منذ 27 إبريل والبالغ 1.2458 دولار لليورو.

وعلق إيريك دارويل محلل العملات في Citigroup Global Markets بنيويورك بقوله »إن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يعتبر أكبر محرك لضعف الدولار وأن السوق صار ينظر إلى البنك الفيدرالي على أنه قد انتقل إلى جانب خفض الفائدة، وبالتالي، قلص الناس من توقعاتهم بأن تكون هناك زيادة أخرى في أسعار الفائدة«.

ومن جانبه علق ميشيل ميتكالف محلل عملات في شركة Citigroup Global Markets بلندن بقوله: »أن بنك الاحتياطي الفيدرالي أعطى ضوءا أخضر على خفض سعر الدولار، ومن ثم، سيبدأ المستثمرون في بيع الدولار مرة أخرى بمجرد رؤيتهم وصول الفائدة إلى مستوى الذروة في الشهر القادم، وتوقع أن تهبط العملة الأميركية إلى 115 ينا و 1.30 دولار لليورو خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.

وفي السياق ذاته، قال جين كيتازاوا كبير محللي العملات في مؤسسة BBH Investment Services Inc بطوكيو إن بنك الاحتياطي الفيدرالي قد اقترب من نهاية دورة رفع للفائدة، نظرا للقلق من تباطؤ النمو الاقتصادي.

وقد ورد في التقرير الخاص بالاجتماع الأخير للجنة السوق المفتوحة والذي تم نشره خلال الأسبوع الجاري أن الكثير من صناع السياسة النقدية لاحظوا وجود قدر كبير من عدم اليقين بشأن تحديد السياسة الخاصة بأسعار الفائدة.

مخاطر تباطؤ النمو

ولكن الدولار ارتد في 24 يوليو على مسار التراجع، وسجل تقدما في مواجهة عملتي اليورو والين, تقدم الدولاربناء على توقعات بأن القلق بشأن النمو الاقتصادي سوف يجذب الصناديق الاستثمارية من الأسواق الصاعدة إلى الأصول الأقل مخاطرة والمقومة بعملة الدولار.

واستندت هذه التوقعات إلى تحليلات ترى أن الزيادات في أسعار الفائدة ستؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وهو ما سوف يقود إلى تراجع الطلب على السلع، وبالتالي، تراجع عائدات الصادرات، ورصدت هذه التحليلات قيام عدد كبير من البنوك المركزية في العالم خلال الشهر الماضي برفع معدلات الفائدة، الأمر الذي من شأنه أن أدى إلى التراجع الحاصل الآن في أسعار الذهب والنحاس والنفط، إلى جانب تراجع أسواق الأسهم في العديد من مناطق العالم.

وعبر تورو يوموتو محلل العملات في مؤسسة باركليز كابيتال بطوكيو عن هذا الاتجاه قائلا إن هناك أخطارا متنامية ناشئة عن تباطؤ الاقتصاد، وفي مثل هذا الوضع، يميل المستثمرون إلى شراء الأصول الآمنة مثل سندات الخزانة الأميركية وهو ما يمثل دعما للدولار. وتوقع يوموتو أن يتحرك الدولار في نطاق يتراوح بين 115 و 117 ينا خلال هذا الأسبوع.

الين يجني مكاسب

وعلى المنوال نفسه، استفاد الين أيضا خلال الأسبوع المنتهي في 22 يوليو من التكهنات القائلة بأن الصين سترفع سعر صرف عملتها (اليوان) في مواجهة الدولار الأميركي، حيث تعتبر اليابان أكبر شريك تجاري للصين، ومن شأن ارتفاع سعر صرف اليوان أن يؤدي إلى زيادة جاذبية السلع اليابانية في السوق الصيني.

وقد أصدر بنك الشعب الصيني في 21 يوليو قرارا، يلزم بموجبه البنوك التجارية بالاحتفاظ بنسبة 8.5% من الوداع كاحتياطي، بهدف كبح التضخم والاستثمارات الزائدة عن اللزوم.

ورأى البعض أن القرار يهدف إلى سحب الأموال من النظام المالي، بعدما أغرق الفائض التجاري للاقتصاد بالسيولة النقدية، وساهم في توتير العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة، حيث دأب أعضاء الكونغرس الأميركي على توجيه الاتهامات إلى الصين بأنها تحقق ميزة تجارية غير عادلة من خلال خفض قيمة عملتها.

وفي رأي كاثي ليين كبير محللي العملات في شركة »فوريكس كابتال ماركيتس« بنيويورك أن إعادة تقييم اليوان الصيني يعطي بنك اليابان المزيد من المرونة من زاوية التسعير التنافسي للمنتجات اليابانية، ومن ثم، فإن المزيد من قوة اليوان يعد مفيدا للين الياباني، من ناحية أنه يعطي له المزيد من القوة أيضا.

بيد أن ما يحد مكاسب العملة اليابانية هو التوقعات القائلة بأن هامش اختلافات عوائد الفائدة ستظل عالية في أوروبا والولايات المتحدة، بعدما أعلن توشيهيكو فيكاي محافظ بنك اليابان في الأسبوع الماضي أن البنك سيحافظ على معدلات الفائدة عند مستويات منخفضة.

وجاء هذا الإعلان، إثر قيام البنك برفع معدل الفائدة للمرة الأولى في ست سنوات، ونقلت صحيفة »نيهون كيساي« في 21 يوليو عن أحد قادة الأعمال في اليابان قوله بأنه ربما لا تكون هناك زيادات متتالية في أسعار الفائدة.

وعليه، وفي رأي بريان دولان مدير البحوث في مؤسسة Gain Capital ستبقى اختلافات الفائدة تعمل على نحو كبير لغير صالح الين الياباني، وأنه حتى لو قام بنك اليابان برفع الفائدة إلى 0.25%،

ستظل العوائد في الولايات المتحدة أعلى من مثيلاتها في اليابان. وفي تقدير آدم كول محلل العملات في Markets RBC Capital ستواصل الصين التحرك نحو المزيد من المرونة في سعر صرف عملاتها، وهو ما سوف يفيد العملات الآسيوية خاصة الين الياباني.

ووفقا للبيانات التي قامت وكالة بولومبيرج للأنباء بتجميعها، قفزت العملة الصينية ( اليوان ) في 21 يوليو إلى 7.9846 يوان للدولار، وبالتالي، جنت مكسبا سعريا نسبته 1.5% منذ صدور قرار إنهاء ربطها مع الدولار.

بيد أن العملة الصينية تراجعت في 24 يوليو إثر قرار بنك الشعب الصيني برفع نسبة الاحتياطي لدى البنوك التجارية، حيث عزز هذا القرار التكهنات القائلة بأن بنك الشعب الصيني سوف يدعم سياسات أخرى لتهدئة وتيرة النمو الاقتصادي، بدلا من العمل على رفع سعر العملة الصينية. ووفقا لموقع شبكة بورصة شنغهاي على شبكة الإنترنت، هبطت العملة الصينية إلى 7.9871 يوان للدولار.

وفي رأي سين كالوي محلل العملات Westpac Banking Corp تحاول الصين تلطيف وتيرة النمو من خلال الاعتماد على إجراءات أخرى عوضا عن رفع سعر صرف عملتها. وفي السياق ذاته، قدر ماثو كوبون رئيس العملات في شركة Aberdeen Asset Management أنه صار من المحتمل بشكل كبير أن يكون الاندفاع الرئيسي معتمدا على إجراءات كتلك التي اتخذها بنك الشعب الصيني مؤخرا وأنه من غير المحتمل أن تكون هناك إجراءات أخرى تتعلق بالعملة.

وقال ليو ليدا مدير البحوث في بنك الشعب الصيني إن البنك ربما يتخذ إجراءات أكثر قوة لكبح توسع الائتمان إذا لم يتباطأ إقراض البنوك التجارية.

تراجع توقعات الفائدة

جاء التراجع في سعر الدولار، بعدما أعلن بين بيرناك رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في 19 يوليو أن وتيرة النمو الاقتصادي آخذه في التلطف والاعتدال، وهو الأمر الذي دفع المستثمرين إلى تقليص رهانهم على احتمال قيام البنك الفيدرالي الأميركي بإجراء زيادة أخرى في أسعار الفائدة خلال الشهر المقبل

وأظهرت تداولات عقود الفائدة الآجلة في 22 يوليو أن رهان التجار على رفع الفائدة بمقدر ربع نقطة مئوية لتصل 5.5% خلال اجتماع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في 2 أغسطس قد تقلص من 65% في 18 يوليو إلى 41% في 21 يوليو.

متابعة: مجدي عبيد