أظهرت دراسة حديثة أن معدل إبدال الرؤساء التنفيذيين في أكبر 2500 شركة في العالم ارتفع بنسبة واحد إلى سبعة، بعد أن تعرضوا للإقالة من العمل بسبب ضعف الأداء خلال العام الماضي، وأن توظيف ذوي الخبرة في منصب الرئيس التنفيذي قد لا يكون بالضرورة قراراً صائباً.

وكشفت أن العام 2005 شهد إبدال رئيس تنفيذي واحد من أصل سبع شركات حول العالم، مقارنةً بشركة من أصل إحدى عشرة شركة في العقد الماضي، ولعلّ غضب المستثمرين المساهمين كان في الأغلب المحرّك الأول لإقالة كبار الموظفين التنفيذيين في الشركات.

فما هي الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة؟

كشفت دراسة بوز ألن هاملتون أنّ أحد أهم الأسباب تعديل القوانين التي تحكم الصلاحيات الرقابية في الشركات، كردّ فعل على حالات الفساد المستشرية في الشركات في شمال أميركا وأوروبا، وما تبعها من ميل شديد لدى مجلس الإدارة إلى الإلقاء باللوم على الرئيس التنفيذي والدخول في صراعات عادةً ما تنتهي بإعفائه من الخدمة.

وقال كريم الصباغ، نائب رئيس في شركة بوز ألن هاملتون إنه: »سيكون لذلك عميق الأثر في منطقة الشرق الأوسط، فعلى الرغم من أنّ التغيّير في الكوادر الإداريّة في أميركا وأوروبا لا ينطبق مباشرةً على هذه المنطقة من العالم إلاّ أنّ تأثيراته انسحبت على جميع الشركات الكبرى.

وأيّ تغييرات من هذا الحجم سيكون لها انعكاساتها على الشركات في جميع أقطار العالم، شاملةً منطقة الشرق الأوسط. ولما كانت الإمارات العربية المتحدة منخرطة في عالم الأعمال أكثر من سواها من دول الخليج، فالوقع عليها سيكون أقوى بكثير«.

ومن أهم النتائج التي خلصت اليها الدراسة أن صرف الرؤساء التنفيذيّين كان شائعًا للغاية خلال العام 2005، حتى أنّ احتمال إنهاء خدمة الرؤساء التنفيذيّين قبل الأوان كان نفسه احتمال تركهم العمل لبلوغ سنّ التقاعد. وأن نصف الرؤساء التنفيذيّين تركوا العمل في عامي 2004 و2005 نتيجة صرفهم من الخدمة بسبب ضعف الأداء أو اندماج الشركات.

ومن الملاحظات الأخرى التي خلصت إليها الدراسة الاستعانة المتزايدة بـــــ »الرؤساء التنفيذيين المكرّرين«. و»الرؤساء التنفيذيون المكرّرون« هم أولئك الذين يرأسون شركة للمرة الثانية أو الثالثة على التوالي في حياتهم المهنيّة. فعلى الأقل واحد من أصل ثمانية رؤساء تنفيذيين ممّن فصلوا من الخدمة، كان في ما مضى رئيساً تنفيذياً لشركة أخرى.

ويميل الرؤساء التنفيذيون »الخارجيّون«، أي أولئك الذين تمّ توظيفهم من خارج الشركة، إلى تسخير قدراتهم الكاملة خلال العامين الأولين من العمل في الشركة ليتراجع أداؤهم سريعاً بعدها. ولكن خلال فترة العامين الأولين الناجحين، يحقّقون عوائد تساوي أربعة أضعاف ما يحقّقه رئيس تنفيذي من داخل الشركة. لكنّها مجرّد عوائد مؤقّتة، والرئيس التنفيذي المعيّن من داخل الشركة يسجّل نتائج أفضل على المدى البعيد.

كان أداء الرؤساء التنفيذيّين الذين لم يسبق لهم شغل منصب رئيس مجلس إدارة أفضل من أداء نظرائهم ممّن تبوّؤوا هكذا منصب قبلاً. يجب ألا يُمنَح رئيس تنفيذي سابق فرصة البقاء في الشركة كرئيس مجلس إدارة. فالرئيس التنفيذي الذي يتمّ اختياره للعمل تحت سلطة رئيس مجلس الإدارة ذاك، عادةً ما يؤدّي مهامه دونما حماسة واندفاع.

شهدت بلدان شمال أميركا وأوروبا وأغلبية البلدان الآسيويّة (باستثناء اليابان) جميعها معدّلات قياسيّة لإبدال الرؤساء التنفيذيّين خلال العامين 2004 و 2005.

بلغ معدّل إبدال الرؤساء التنفيذيّين في العالم 15.3% في العام 2005، أي ما يزيد بنسبة 70% عن المعدّل المسجّل قبل عشر سنوات. ويُعزى ذلك بالدرجة الأولى في شمال أميركا وأوروبا واليابان، إلى إقالة الرؤساء التنفيذيّين بسبب اندماج الشركات أو سوء الأداء.

ويؤكّد السيد بول كوتشورك، وهو نائب رئيس أول في شركة بوز ألن هاملتون في سان فرانسيسكو، أنّ »أحد الأسباب الرئيسية لهذا المعدّل المرتفع هو غضب المساهمين«،

ويضيف »بما أنّ القوانين والأنظمة تمنح المساهمين في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا المزيد من الصلاحيات لإزاحة الرؤساء التنفيذيّين في الشركة في حال سوء الأداء، نراهم يتصرّفون بموجب هذه الصلاحيات الجديدة. ممّا يعني صرف المزيد من الرؤساء التنفيذيّين، وستستمرّ الأمور على هذه الوتيرة في القريب المنظور«.

وقد تضاعف معدّل فصل الرؤساء التنفيذيين من الخدمة، لدواعي سوء الأداء، أربع مرات على مدى عشر سنوات انتهاءً بالعام 2005. ويمثّل ذلك تغييرًا جذريًا بالنسبة إلى الشركات، إذ لطالما اعتُبِر الرئيس التنفيذي القيّم على الشركة.

وكان هذا المنصب بمثابة مكافأة على سنوات طوال من العمل الدؤوب، ويفترض بمن استحقّه البقاء في الشركة وتوجيه دفّة الإدارة في الرخاء والشدّة، وعدم ترك العمل إلاّ عند بلوغه سنّ التقاعد. ومع ذلك، عادةً ما يبقى بصفته رئيس مجلس إدارة الشركة.

لكنّ الأحوال تبدّّلت اليوم، إذ بات من المرجّح جداً إزاحة الرئيس التنفيذي إذا لم يكن أداء الشركة مرضياً خلال مدة توليه منصبه. ولكن ثمّة مشكلة غير ظاهرة هنا، وهي أنّ الرئيس التنفيذي لا يمنح الوقت الكافي لتصحيح مسار الشركة.

وخلص واضعو الدراسة، استناداً إلى ما توفّر لديهم من بيانات، إلى أنّ هناك جملةً من التدابير التي يمكن اتخاذها لتلافي المشاكل المرتبطة بأداء الرئيس التنفيذي:

ـــــ إذا تمّ تعيين رئيس تنفيذي من داخل الشركة، يكون الأداء ضعيفًا خلال السنوات الخمس الأولى، لكنّه يتحسّن على المدى البعيد. من هنا، يجب عدم التسرّع بإقالة رئيس تنفيذي من داخل الشركة.

ــــ يجب ألاّ يُعيَّن رئيس تنفيذي سابق رئيس مجلس إدارة الشركة. فأي رئيس تنفيذي جديد لن يحسن أداء مهامه تحت سلطة رئيس مجلس الإدارة وسيسعى للحصول على استقلاليّته.

ـــــ إذا تمّ توظيف رئيس تنفيذي ناجح من شركة أخرى، فهذا لا يعني بالضرورة أنّ أداء الشركة سيتحسّن. فلا بيانات كافية حتى الآن تؤكّد مدى فعالية هذه الاستراتيجية.

ـــــ إذا تمّ توظيف رئيس تنفيذي سابق من شركة أخرى، تشهد الشركة بدايةً تحسناً في الأداء، ولكن غالباً ما يليه تراجعاً في مرحلة لاحقة. كما أنّ الأداء لن يكون بالمستوى نفسه الذي يمكن بلوغه في حال تعيّين رئيس تنفيذي من خارج الشركة يشغل هكذا منصب للمرّة الأولى.

ــــ إذا تمّ تعيّين رئيس تنفيذي من خارج الشركة يشغل منصب رئيس تنفيذي للمرة الأولى، قد يتحسّن أداء الشركة خلال السنوات الخمس الأولى، من ثمّ يعود فيتراجع. من هنا فإن الحلّ الأفضل يكون بتوظيف الرئيس التنفيذي الجديد مدّة وجيزة ومن ثمّ إزاحته من منصبه.

ويتابع بول كوتشورك قائلاً: »يجب اللجوء إلى توظيف رئيس من خارج الشركة، بغض النظر عن خبرته، كتدبير آن بانتظار إيجاد بديل أفضل«. ويضيف: »يجب على الشركة، خلال هذه الفترة، تهيئة البديل من داخل الشركة«.

بالنسبة إلى واضعي الدراسة، هناك بعض الدلائل التي تحمل بعض الأمل للرؤساء التنفيذيين »المحاصرين«. فبرغم أنّ من الصعب اليوم أكثر من ذي قبل تلافي احتمال الصرف من الخدمة، تتوقف الأمور عند هذا الحدّ. إذ إنّ عدد الرؤساء التنفيذيين المقالين بلغ حدّاً لا يزيد عنه، لكنّه لسوء الحظ لا يتناقص.

ماذا يخبّئ المستقبل؟

يرجّح واضعو الدراسة إصدار الحكومات الغربية المزيد من الأنظمة التي تحكم إدارة الشركات. ومع تعزيز الأنظمة في هذا الميدان، تزيد مجالات التدقيق في سلوك الرئيس التنفيذي، والقوانين الموضوعة لمنح الآخرين مزيداً من السلطة عليه. ويعني ذلك صلاحيات أكبر لمجلس الإدارة باعتباره صاحب السلطة الطبيعي على الرئيس التنفيذي. وهكذا، حينما تقع مشكلة، يضطرّ مجلس الإدارة إلى اتخاذ موقف ومعاقبة المسؤولين.

واليوم مع ارتفاع أعداد الرؤساء التنفيذيين المقالين، تنشغل مجالس الإدارة في إيجاد بدائل من أصحاب المقدرة والكفاءة. ولكن بما أنّ الكثير من القوانين الحالية تلزم بتشكيل مجلس الإدارة من أعضاء مستقلّين من خارج الشركة، لا من موظّفيها، فمن المرجّح أن يستمتع مجلس الإدارة بممارسة صلاحياته وسلطاته الجديدة على الرئيس التنفيذيّ.

إضاءة

إن الاتّجاه نحو تنظيم منصب الرئيس التنفيذي هو أمر جيد في نهاية المطاف برغم أنّ كثيرين قد يشتكون من عدم الاستقرار على المدى القريب، نتيجة معدّلات الإبدال المرتفعة،

فإنّ مجالس الإدارة في العالم إذا حقّقت خلاصات هذه الدراسة وأحسنت استخدامها، فإنّ حالات صرف الرؤساء التنفيذيين من الخدمة، مهما بلغ عددها، ستكون عادلة وبحقّ، وسيتحسّن أداء الشركات.