مراسلو الحرب أبطال شعبيون. هو قدرهم وليس اشتهاءهم. و»مرغم أخاك لا بطل«، في بعض الأحيان. هم يختارون الوقوف على الجبهة، ربما، لكنهم لا يطلبون الموت، بالتأكيد. يتحسبونه، يترقبونه بخوف وحذر، وقد تساورهم الهواجس ويطن ذلك الصوت في قلوبهم وعقولهم، كشيطان يهمس بخبث: »لا شيء يستاهل، ولا حتى ان سقطتم أمام الكاميرا. أمام الملايين.
سوف يحزنون وقد يبكون، ويمر الخبر في أسفل الشاشة، لكن النشرة ستستمر، وصوركم قد تستخدم في لقطات ترويجية، لاحقا، تتحدث عن جرأة القناة وتضحيتها والثمن الغالي الذي تبذله في سبيل الحقيقة.. أو أن تكون أقرب إلى الحقيقة... لا شيء يستاهل، ارجعوا إلى مقراتكم الآمنة«.
ذلك صوت الشيطان. لكنّ مراسلي الحرب لا يصغون. لا يتواصلون مع الشياطين. يكفيهم شياطين اللعب الحربية الذين يتقاذفون بالقنابل والصواريخ من فوق رؤوسهم. يقررون البقاء. يرتدون الخوذات. يقولون، بعيونهم، لزميلهم المحاور من قلب الاستوديو، خارج الحدود، في بلد آخر، »أرجوك اختصر«.
تقف ريما مكتبي، مراسلة العربية في سهل أخضر، قرب منطقة الوروار. يسألها المذيع من الاستديو عن حقيقة »الطائرة« التي اتضح أنها منطاد. يغالي في السؤال عن التفاصيل. تنحني. تقترب أكثر من الشاشة. تتوسله بعينيها أن »اختصر«. تسرّب له أكثر من مرة أنها في منطقة خطرة.
المذيع يريد المعلومة، ثم ينتبه. يختم الحوار بالجملة المعلومة: »انتبهوا على أنفسكم«. طاهر بركة، مذيع الفضائية ذاتها، يحاور زميله علي نون. يشرح الأخير عن استهداف الصحافيين في اليوم العاشر للعدوان. كيف نجا، بأعجوبة، هو وزملاؤه في الجزيرة والمنار من الموت. يقول: »صدقني، طاهر، كنت على بعد أربعمئة متر من القذيفة.
يرد بركة: »هل نفهم أن الإسرائيليين يريدون استهداف طاقم العربية مباشرة؟«. يقول نون: »أعتقد أنها رسالة وليست استهدافا مباشرا. لو أرادوا لكانوا قتلونا فعلا«. ويستمر الحوار لدقائق.
هناك ناج من الموت، وزميله، من دبي، يستعرض معه القصة. الأدوار تنقلب. المراسل، هذه المرة، يروي قصته الشخصية. في العادة، ينقل قصص الآخرين. من مات منهم، يذكره رقما واسما وحيزا جغرافيا ووقتا زمنيا. من نجا، يبادر إلى إجراء لقاء معه. هذه المرة، هو الناجي. هو من تقال له عبارة »الحمد الله على السلامة«. لذلك، فرسالته شخصية جدا: ».
كنت على مسافة أمتار من الموت«، يستخدم نون تاء المتكلم، في مرات نادرة يسمح فيها للمذيع بأن يستخدم صيغة »الأنا«. مصدر في أحد الفضائيات يقول انهم اعتادوا على توجيه الإنذارات إلى المراسلين الذين يستخدمون صيغة الأنا، ويعبرون عن وجهات نظر شخصية، في رسائلهم الإخبارية. لكنّ الوضع مختلف هذه المرة. انه الموت، وقد صار قريبا من ناقله. انه الموت وقد أعاد المراسل إلى صفته الإنسانية. بشري مثلنا وقد يقتل.
هو بطل شعبي، من ذلك الاحتمال. من كونه ماثلا أمام الملايين والموت يطل من خلفه. راويا لسيرة الموت ومتغلبا عليه. تماما، كما أبطال القصص الشعبية. عنترة والظاهر بيبرس وحمزة وعلي الزيبق والأميرة ذات الهمة. يحكي الراوي عن مصارعتهم للموت. توغلهم في أنفاقه وخروجهم سالمين، وداحرين لقوى الشر.
انها، ما تسميه الحكايات الشعبية الأسطورية »النفيلة«. أي المواجهة الصعبة مع الموت والتفوق عليه. العقدة الدرامية التي تنحبك وتقطع نفس المستمع إلى السيرة، خوفا على ابطاله، قبل أن يتنفس الصعداء، بعد أن ينتصر البطل على الموت، محققا ذلك التحدي المسمى »نفيلة« أو »كرامة«.
غسان بن جدو، مدير مكتب »الجزيرة« في بيروت، مثل علي الزيبق. يمتطي ذلك الموتوسيكل الصغير، بحجم كاف للمرور في الأزقة الفرعية وبين أكوام الركام ودوائر الحفر. يجلس خلف السائق الذي أتاح له الفرصة، في إحدى المرات، لكي يوضح للمشاهدين، على الهواء، كيف يتسلل بسرعة إلى مواقع القصف. بن جدو، بعد دقائق من قصف مبنى »المنار« ، كان هناك.
كان، أيضا، أو من أحبط رغبة الملايين بأن يكون المنطاد طائرة. قال: »ليست طائرة«، ثم هبطت قذيفة بالقرب منه. كان، بدراجته النارية، كوميدية الشكل، في كل مكان. يتسرب بسهولة، تماما مثل الزئبق.
بشرى عبد الصمد، قد تكون نسخة حديثة عن »الأميرة ذات الهمة«. عباس ناصر، كاتيا ناصر، فاديا بزي، علي حشيشو، الياس كرام، وليد العمري، جيفارا البديري، شيرين أبي عقلة.. وغيرهم الكثير من طواقم »ان بي ان« و»نيو تي في« ومحطات عربية ومحلية أخرى.
أسماء كثيرة حفرت في الوجدان البطولي الشعبي، من الصعب نسيانها. آخرون، اغتيلوا. رحلوا إلى الذاكرة الشعبية التي ما عادت تتسع لأرقام الموتى. قد يغتالهم النسيان مرة أخرى. أما أولئك، فقد تحولوا أبطالا، وهم كذلك فعلا، لأنهم.. بقوا أحياء!
دبي ـــ خاص لــ البيان الاقتصادي
