أفقدت الحرب العدوانية الدائرة على لبنان وفلسطين نكهة وحرارة التمتع بالعرس السينمائي القائم هنا في معهد العالم العربي، والقلق والتوتر لا يصيب الجمهور العربي لوحده، بل يشاركهم فيه كل متابعي نشاطات العروض من الفرنسيين والأجانب، الذين حضروا إلى باريس بداعي التعرف على تنوع الثقافات العربية البصرية، وعلى صورة العرب الحقيقية المقموعة كما هي حال الشعوب العربية، يعانون من الذل القهر.
المثقف الفرنسي المؤمن بتنوع ثقافات الحضارة الإنسانية الواحدة، يسأل عن سبب سبات «الجامعة العربية»، والآخر الأوروبي يتفاجأ بمواقف المرجعيات الرسمية الدولية التي لا تتجرأ إلا بالتصفيق للمعتدي، ومنح المعتدى عليه صفة القتيل، مع الاعتذار عن العجز المانع لفعل أي شيء لإنقاذ ما تبقى من بشر وحجر، في بلدين عانا لعقود طويلة، من انتهاكات لحقوق الإنسان، تمارسها دولة إسرائيل من دون أي طائل.
تنظيم المهرجان إذا ما قيس بمهرجانات سينمائية عربية أخرى، يبدو من أكثرها فوضى، وفقدانا لأي خطة إعلامية، كان من المفترض أن تواكب هكذا حدث، فالمكتب الصحافي التابع لمعهد العالم العربي، يشبه بأسلوب عمله المؤسسات الرسمية التقليدية ، ولم يؤمن للصحافيين أي شيء مما يحتاجونه، من «الإنترنت» إلى «الفاكس» إلى أي معلومة أو بيان صحافي، يفيد الإعلامي بتغطيته للحدث.
يكتفون بالقول إنهم لا يملكون هذا ولا ذاك، أي أن معهد العالم العربي الذي هو مؤسسة تابعة للجامعة العربية ليس سوى حالة اهترائية كحال الجامعة تقريباً منذ قيامها.
برنامج العروض موضوع باللغة الفرنسية من دون أي لغة ثانية عربية أو انجليزية على أقل تقدير، الأمر الذي أزعج كل من لا يتقن الفرنسية، إضافة إلى هنات تقنية كثيرة، تفضي بمجملها إلى ارتباك وسط أحوال من ارتباكات ملازمة إلى حد ما كل أفراد ومؤسسات العرب.
العروض الخليجية
قدم المخرج العماني خالد الزدجالي فيلمه الروائي الطويل البكر، تحت عنوان «البوم»، وهو اسم لجزيرة يعتاش أهلها على صيد البحر، ويواجهون متاعب كثيرة، من قبل البعض منهم الطامع بحيوات الآخرين الإنسانية والمادية، تبدو المتاعب للوهلة الأولى، كأنها وليدة الصدف، ولا تلبث أن تتكشف خيوط «المؤامرة».
العمل مشغول تقنياً بمستوى مقبول، وحبكته الدرامية إضافة إلى متوسطيتها، تعبر عن بيئة محلية واقعية.
أي أن أحداث الفيلم ليست مسقطة عليه من الخارج أو من الأعلى إلى الأسفل، بقدر ما هي تنتصب من أرضية «خليجية» بصفاتها، وترتفع إلى الأعلى بالارتكاز على مستوى فني لفت مشاهدي «البوم»، الفيلم الذي طرح نفسه كمنافس حقيقي على جائزة أفضل عمل روائي طويل.
ليس «البوم» لوحده من الأفلام الروائية الطويلة «الخليجية» الذي ينافس على الجائزة الأولى في هذا المهرجان، بل يأتي إلى جانبه الفيلم السعودي «ظلال الصمت» للمخرج المعروف عبدالله المحيسن، الفيلم الذي انسحب من المنافسة الرسمية في مهرجان روتردام للسينما العربية في دورته الأخيرة، لسبب اشتراكه في المنافسة هنا.
و«ظلال الصمت» يتمتع بمستوى فني «عالمي» من حيث نظافة الصورة وتوازنها اللوني، والكادرات المصنوعة بتقنية ممتازة، مع إضاءة ومنتجة احترافية. فكرة قصة الفيلم مستخدمة في السينما من قبل، حول إخضاع المثقف في مركز أشبه بالسجن لعملية غسل دماغ، تحوله إلى أداة طيعة بيد السلطة.
ويحاول كل هؤلاء أن يفروا من هذا المكان المشيد في جفاف الصحراء، ولا يفلحون إلا حين تساعدهم قبيلة بدوية عربية بالهروب.
لتبدو الأخلاق النبيلة للإنسان العربي غير «المدني» في حال العودة إليها، سوف تنقذنا من المكان الرهيب الذي وضع فيه هؤلاء.
مناخات «ظلال الصمت» تلامس المناخات الروائية للكاتب الإنجليزي جورج أورويل، الذي أيضا عبر عن الآسر العقلي والنفسي والجسدي الذي يخضع له الإنسان في الأنظمة الشمولية الشبه عسكرية.
قدم موسيقى الفيلم اللبناني زياد الرحباني بما يشبه بسيمفونيات متتالية قصيرة الوقت، وأضفى على جو العمل نجاحاً إضافيا. وكذلك هو التصوير لطارق عبدالله، والصوت (على محفيش ويوسف راشدي) ومونتاج كامنة عطية، إلى جانب أداء تمثيلي جيد لـ (غسان مسعود،منى واصف، عبد المحسن النمر، فرج بسيسو، جميل عوض، احسان صادق، فتحي الهداوي، أحمد أقومي) وسواهم.
من الصعب أن يخرج الفيلم من المسابقة الرسمية خالي الوفاض. اختارت المخرجة الإماراتية ندى محمد الكريمي عنواناً مثيراً لعملها، وهو «الموت للمتعة» مدة الفيلم عشر دقائق وينتمي إلى فئة الأفلام التسجيلية المتوسطة والقصيرة. والفيلم فاز بجائزة أفضل فيلم طلابي عربي في مهرجان بيروت للأفلام الوثائقية العام 2004. تتناول كريمي في شريطها القصير، رحلة الصيصان منذ تفقيسها من البيض، مع ملاحظة نفوق أكثر أعدادها، إلى كيفية إحضارها إلى البيوت كي يلعب بها الأطفال كأي لعبة أخرى.
الفيلم ذات لمسة إنسانية شفافة وعميقة، مستواه الفني والتقني من مستوى ما فوق الوسط، وهو مرشح حقيقي لنيل إحدى جوائز مسابقة هذه النوعية من الأفلام.
إلى جانب كريمي من الإمارات يأتي مواطناها عبدالله حسن أحمد ومحمد إبراهيم في عملهما المشترك «سماء صغيرة»الأشبه بقطعة فنية تكتنز صورا شعرية تتبدى كانجاز معتبر، إذا ما عرفنا أن التقنيات المستخدمة لصناعة هذا الشريط من 14 دقيقة قليلة وضعيفة حد الفقر. لكن أصحابه نجحوا في إيصال رسالتهم المشفرة على يد فتاة ترسم سماء بحجم القلب.
سينما سعودية ومغربية
«نساء بلا ظل» فيلم سعودي من اخراج هيفاء المنصور أول سعودية تعمل في إطار الفن السابع كمنتجة في شركة «روتانا» للإنتاج الفني، أو كمخرجة حازت على عدة جوائز عن عملها الوثائقي الأخير، الذي صورته بـ 44 دقيقة، تناولت خلالها، أوضاع المرأة في بلدها، بتوجيه أسئلة إليها، عن عملها، وعن الخروج من المنزل لوحدها، وعن زواجها إن كان عن حب أو لا. الفيلم جريء وشفاف وينتمي إلى بيئته بصدق، كما هي ميزة أكثر الأعمال الخليجية المعروضة في «المهرجان».
القرب الجغرافي للمغرب العربي الكبير من القارة الأوروبية، والتأثرات بثقافة «المستعمر» القديم، والحاجة إلى دعم مؤسسات إنتاجية مخضرمة كالأوروبية، كلها أسباب لسقوط معظم انتاجات هذه السينما في فخ صناعة صورة لكي يراها الأجنبي الأوروبي وسواه. وأكثر من ذلك احياناً تبدو كسينما مشغولة لتقول ما يريد الأوروبي أن يسمعه ويراه فينا.
كأن نظهر تخلفنا في شؤون الحياة كافة، كي يبرر الاستعمار «القديم» لنفسه ما فعل من مآس بحق الشعوب التي استعمرت. بالطبع هناك أعمال مغاربية كثيرة قدمت وتسعى لأن تقدم أعمالاً على صلة بواقعها هي، وكيفية رؤيته من أبناء المغاربة العرب.
وبعض المخرجين يروحون إلى أكثر من ذلك، وفي طليعتهم المخرج محمد عسلي الذي انسحب من لجنة تحكيم المهرجان تضامناً منه مع الشعبين اللبناني والفلسطيني. رافضاً إقامة المهرجان في فرنسا التي تساهم برأيه بغض النظر العالمي عن العدوان. وقال في حديث خاص لـ «البيان» عبر الهاتف: «لقد قاطعت فعاليات المهرجان تضامناً مع الشعب العربي اللبناني، خصوصاً وأن إدارة المهرجان لم تعدل من البرنامج، أو تجدول أفكار النقاشات وحوارات حول مقاومة الاعتداءات الإسرائيلية الجائرة. يريدون مهرجاناً فنياً.
والفن شأن ثقافي. والمثقف من المفترض أن يلتزم قضايا شعبه. لا أن يقدم فناً للفن. هذا كلام سطحي لانه يدل على جهل بأهداف الفن والثقافة الأولى. التي هي إنسانية بالكامل. قبل كل شيء.
والمسألة الثانية التي جعلتني أقاطع، هو من الحكومة الفرنسية، التي منعت بث تلفزيون «المنار» الذي ينقل صورة المقاومة الحقيقية والخبر الصحيح. وكوني عربيا ولا أستطيع أن أبقى عشرة أيام في هذه الظروف من دون أن أسمع الأخبار عما يحدث في لبنان وفلسطين».
وأضاف محمد عسلي حول مشكلة السينما المغاربية التي أسلفت عنها: «الأسباب التي ذكرتها لي هي حقيقية إلى حد كبير، يزاد عليها فقدان البلدان المغاربية للكوادر التقنية وغياب الدعم الرسمي. فبعد قيامي بإخراج فيلمي الأول «الملائكة لا تحلق فوق الدار البيضاء».
تأكدت إننا فقراء بامتلاكنا للكادر البشري المختص تقنياً، من نواحي، التصوير، والصوت، ومسائل تقنية أخرى. فقد تجد العشرات من المخرجين ولا تجد مدير إضاءة واحدا. أو مهندس صوت، وهذا عيب ضخم، يطرح أسئلة كبيرة، عن ماهية سينمانا إذا لم تكن مشغولة بإياد محلية.
قد يحتاج مدير العمل أحياناً إلى الاستعانة بخبرات أجنبية لعمل معين. ولكنه إذا استطاع أن يجد في بلده من يقوم بالعمل سيستغني عنه بالضرورة.
لذلك قمت مع مجموعة من القلقين على هذا الأمر بتأسيس مركز «كان زمان» في مدينة (وارزازات) في المغرب، كعبارة عن معهد يدرس ويعلم التكوينات السمعية والبصرية. تخرجت دفعات وأخرى ستتخرج. والجميع يدرس مجاناً بعد أن يثبت جدارة جدية في امتحانات الدخول.
باريس ـ حسين قطايا:
