حين تقول شركة »بوينغ« للطيران انها سوف تستحوذ على معظم صفقات بيع الطائرات في العالم بحلول العام 2010، فإن المهتمين سيوجهون أسئلتهم مباشرة الى المنافسة »ايرباص«. التحدي قد يكون كبيرا، لكن ليس في الأمر تعقيد، اذ ان الساحة تخلو لهذين المنافسين الشرسين وكل شيء جائز. ذلك مثال افتراضي، فحسب، كي لا تثور ثائرة الشركتين.
الأمثلة الأخرى تدور في ملاعب »بيبسي« و»كوكاكولا«، »أدايداس« و»نايكي«.. وعلامات أخرى من السهل أن تسبق إحداها الثانية، لتتبدل الأدوار بعد ذلك. ولكن ماذا لو كانت »اللعبة« تدور في قطاع الاتصالات، وتحديدا الهواتف النقالة، حيث تتصارع أكثر من خمس شركات عالمية على حصة سوقية جذابة تبلغ أكثر من 80% في منطقتنا؟
وفي الفترة الأخيرة حددت الإشارات الصادرة عن مختلف الشركات سياسات التنافس التي ستنتهجها، ففي الوقت الذي ترمي فيه الفنلندية »نوكيا« ثقلها على »المسرح الموسيقي«، رابطة بين تقنيات الهاتف وبين الترفيه الموسيقي، وساعية للاحتفاظ بحصتها الأكبر في سوق الشرق الأوسط، تتجه الآسيوية الكورية »إل جي« الى الاستثمار في مجال التصاميم والأشكال، معتبرة أن نقطة قوة الهاتف في الفترة المقبلة ستكون في شكله..
في هذا الوقت، تطلّ شركة »موتورولا« برأسها من بين الجموع، تنصت الى كل الضجيج الذي تثيره الشركات الأخرى، تبتسم كمن يثق بالمستقبل ويعرف مركزه جيدا، ويخرج أحد كبار المسؤولين فيها ليقول أمام العلن، وبثقة متناهية: »باق على الزمن 500 يوم.. بعدها سنكون قد سيطرنا على الحصة الأكبر في العالم في مجال الهواتف النقالة«.
في السنوات الماضية، كان مثل هذا الكلام ليثير الاستغراب وربما السخرية في نظر المستهلكين أو الشركات المنافسة. لم تكن »موتورولا« تعيش أفضل أوقاتها، وكانت علامتها التجارية قد ارتبطت في ذهنية المستهلك بمعان غير مشجعة مثل البطارية التي تنفذ أو الهاتف الذي لا يقبل عليه كثر. حتى أن إعلانات الشركة كانت خجولة. فجأة، ومنذ أقل من خمس سنوات، صاحت »موتورولا« صيحة هائلة.
قلبت الطاولة وخاضت حربها التسويقية التي أدهشت أصدقائها قبل »الأعداء«. »آلو، موتو«، باتت من العبارات الأكثر تداولا في الشارع العربي، ورفعت الشركة حصتها العالمية خلال اقل من سنتين من 13.5% في سبتمبر العام 2004 الى 21% خلال الربع الأول من العام الحالي. ثم أعلنت قبل 16 شهرا عن قنبلتها الموقوتة.
كان ذلك في أحد المؤتمرات التي نظمتها في برشلونة الاسبانية. خرج مسؤول رفيع على العلن بخطة الشركة المدهشة: »نحتاج ألف يوم لكي نصبح الرقم واحد في العالم«. مع كتابة هذه السطور تكون نصف المدة قد نفذت. باقي على الامتحان 500 يوم، الا أنّ باتريك موليغين، مدير عام قسم الهواتف النقالة في الشركة، يبدو متفائلا للغاية، ولا يريد أن يتراجع: »أرقام النمو التي حققناها تثبت أننا على السكة الصحيحة للوصول الى الهدف«.
السكة ليست سهلة وعلى »قطار« موتورولا أنٍ يمر بمحطات صعبة. اذ ان الإحصاءات تشير الى أن كل شركات الاتصالات العالمة في منطقتنا قد وصلت فقط الى 20% من إجمالي الجمهور الذي تستطيع أن تصل اليه.
هذا يعني أن 80% من سكان الشرق الأوسط وشمال افريقيا وتركيا وباكستان لا يحملون هواتف نقالة من أي نوع كان في أيديهم: »هذه المنطقة تتمتع بأهمية مضاعفة بالنسبة لنا عن أسواق أخرى مثل الصين والهند«، يقول باتريك لـ »البيان الاقتصادي«، خلال لقاء تم في القاهرة منذ أسبوعين، بمناسبة إطلاق طراز جديد من موتورولا يحمل علامة الموضة الراقية »دولتشي أند غابانا«.
ويضيف: »كما أن زيادة نسبة المستخدمين مقارنة بعدد السكان، هو عامل ايجابي بالنسبة لنا يدفعنا للتركيز، المتزايد على الفئة الشابة في تلك الأسواق، حيث يشكل من هم دون سن 30 عام حوالي 40 بالمئة من إجمالي عدد السكان،
هي من بين عوامل نمو موتورولا في تلك المناطق.. فمنطقة شمال افريقيا من أسرع الأسواق العالمية نمواً بالنسبة لموتورولا على مستوى العالم، إذ تشكل الأعداد المتوقعة من المشتركين في الأسواق المستهدفة في كل من مصـر، والجزائر والمغرب حوالي 15 مليون مشترك«.
ويغرف أيضا من سلة الأرقام: نرسم خططا تسويقية مكثفة وعاجلة لاستهداف أكثر من 731 مليون عميل محتمل، من بينهم 395 مليون عربي و192 مليون يتحدثون الاوردية. هناك فرصة لبيع 53 مليون و400 ألف قطعة هاتف نقال لهؤلاء الناس.
تبدو الحصة مغرية، ولا يقل عنها إغراء سوى التحدي نفسه الذي يذكر بعنوان قصة قديمة كلاسيكية هي »حول العالم في مئة يوم«. الا أن العنوان مع موتورولا قد يكون »السيطرة على العالم في 500 يوم«. ولكن ما هي »الأسلحة« التي قررت الشركة استخدامها في معركتها الصعبة؟
بريق النجوم
التسويق أولا والتسويق أخيرا. »لا يمكننا ان نعمل بصمت كما الشعراء والروائيين. علينا أن نصل الى المستهلك في كل لحظة، مرتدين أجمل الأثواب التي تغريه«، يقول المدير العام. قررت موتورولا ان تطبق قاعدة تسويقية أثيرة وفعالة: »اجعلهم يشعرون بالتفرد«.
وما الذي، غير عالم الموضة، يصلح لكي يعكس شخصية التفرد والتميز ومواكبة الجديد؟ أن يكون المرء فينا، باختصار، وكما يقال، »إن« (IN)، هو ما يرغب به جيل كامل من الشباب اليوم.
ربطت الشركة بقوة بين علامتها وبين عالم الموضة، وشاهدنا أيقونات في هذا المجال مثل نيكول ريتشي وفيكتوريا بيكهام وجين ستيفاني يظهرون في صور براقة مع هاتفها الجديد RAZR Dolce&Gabana الذهبي: »نخاطب من خلال هذا الهاتف الفئة الراقية من المستهلكين الذين يريدون تغيير هواتفهم، تبعا لما يرتدونه من ملابس او اكسسوارات، وما يقودونه من سيارات«، يقول باتريك شارحا »بروفايل« الفئة التي يتوجه اليها هاتف »دي أند جي«.
وردا على بعض الانتقادات »الذكورية« التي اعتبرت أن الهاتف »أنثوي مئة بالمئة« رفض باتريك ذلك التصنيف معتبرا أن الرجال »ما يرتدون أحيانا قمصانا زهرية، قد يحملون هاتفا ذهبيا في مناسبات معينة«. انها إجابة مناسبة، خاصة لرجل تسويق لا يريد أن يمهر منتجه بطابع معين، فيقفل الباب أمام شريحة الذكور التي ترغب فعلا باستخدام الهاتف.
لكنّ الهاتف الذي يبلغ ثمنه 550 دولارا أميركيا، لن يزيد شعبية موتورولا عند شريحة كبيرة من المستهلكين لا يزورون غالبا محلات »دولتشي أند غبانا« التي يباع فيها هذا الطراز من الهواتف حصريا. انه هاتف النخبة، الا أن النخبة لم تكن لتشكل يوما هاجسا حقيقيا بالنسبة الى المسوقين الذين يتوجهون الى الـ :MASS لم نهمل شريحة اسفل الهرم، وعلى العكس،
فإن الأيام القليلة المقبلة سوف تبرهن أننا سنغير مفهوم استهداف تلك الطبقات، عن طريق إطلاق طرز خاصة لتلك الشريحة من المستهلكين. وتُخطّط موتورولا لإطلاق أكثر من 15 من الهواتف المتحركة وملحقاتها خلال التسعة أشهر المقبلة ، وذلك بالإضافة إلى الهواتف المصممة لعشاق الموضة والأزياء مثل هاتف MOTORAZR V3i DG الذهبي، وهاتف PEBL، الذي سيتم إطلاقه بمجموعة ألوان زاهية وبراقة، كما سيتم إطلاق الهاتف SLVR باللون الوردي الزاهي والأحمر القرمزي.
ولجأت الشركة أيضا الى استخدام صورة لاعب كرة القدم الجماهيري الانجليزي ديفيد بيكهام، لكي يكون أحد سفراء علامتها التجارية على مستوى العالم، كما لجأت، في الأسواق المحلية، الى دعوة نجوم غناء يتحمس لهم الجمهور العربي، مثل المغنية اللبنانية أليسا، التي حملت الهاتف الذهبي وغنت في حفل إطلاقه في القاهرة منذ أسبوعين، وسط أجواء مهيبة في قصر محمد علي التاريخي.
وبالبرغم من الجماهيرية العالمية لبيكهام والعربية لأليسا الا أن البعض يرى أنهما ليسا النموذج الأفضل لكي يكونوا سفراء لموتورولا حاليا، كونهما بات وجهين مستهلكين كثيرا في مجال الدعاية:»اذا رأيت صورة إعلان لبيكهام ستحتار ان كان لجيليت أو موتورولا أو علامة أخرى.. كذلك الأمر بالنسبة الى أليسا التي هي وجه بيبسي ولوكس في الوقت ذاته«!
وبعيدا عن النجوم، فإن موتورولا (تحفر) أيضا تحت الأرض. إنها تلعب دورا قويا في تحريض مزودي خدمات الاتصالات، من حكومات أو شركات، على العناية بتطوير خدمات الانترنت الى الجمهور، لكي يصبح بمقدورها أن تسوّق أكثر هواتفها عالية التقنية التي تنقل الصور الفوتوغرافية عبر الانترنت وتشجع أصحاب المدونات على مزيد من »البلوغينغ« .
500يوم باقية على الامتحان الكبير. هل ستحمل »موتورولا« على رأسها التاج الذهبي بعد أن وضعت بين أيادي الناس الهاتف الذهبي؟
»سفراء« مستهلكون؟
في العام الماضي، أطلقت موتورولا لأول مرة هاتفها النخبوي RAZR V3i، بالاشتراك مع علامة الموضة الايطالية دولتشي أند غابانا (دي أند جي اختصارا)، وكان الهدف تصنيع نسخة محدودة من الهاتف لا يزيد عدد قطعها على 1000 توزع على مستوى العالم كله. الا ان النجاح منقطع النظير الذي لاقاه هذا الطراز والطلب الكبير من المستهلكين، جعل الشركة تطلق،
ومن أسواق الشرق الأوسط عبر البوابة المصرية، الطراز نفسه، على أن يكون جماهيريا ومتوافرا في محلات التجزئة الخاصة بـ »دي أند جي«. وقد رفض محمد بدران، مدير التسويق في قطاع أجهزة الاتصالات الشخصية، المسؤول عن نطاقات الشرق الأوسط وشمال افريقيا وتركيا، أن يكشف عن قيمة العقد بين موتورولا و»دي أند جي«،
الا أنّه لن يقل، في مطلق الأحوال، عن بضعة ملايين دفعتها شركات الهواتف لكي تحظى بعلامة فاخرة في مجال الأزياء الايطالية والعالمية لها تاريخها وسمعتها وجمهورها. ولمن لا يعرف الكثير عن »دي أند جي« فهي شركة أزياء ايطالية أسسها كل من دومينيكو دولتشي وستيفانو غابانا، قبل أن تصبح منتجاتها الأزياء المفضلة بالنسبة الى نجوم هوليوود، أمثال مونيكا بيلوتشي ومادونا وايزابيلا روسيليني. في العام 2005، انفضت شراكة المصممين الايطاليين،
لكنهما استمرا بالعمل سوية. وبعد مرور 10 أعوام على تأسيس الشركة، فإنهما بصدد الإعداد لكتاب عن سيرتهما، وكيف تمكنا من إيصال علامة »دي أند جي« الى مصافي العلامات الأيقونية في مجال الأزياء والبضائع الفاخرة مثل: أرماني، فيرساشي، برادا، غوشي وغيرها.
دبي- خاص البيان الاقتصادي
