تشير أورليا إلى حجمها ضاحكة بحماسة تظهر تفاصيل وجهها الطفولي. تعبق وجنتاها باحمرار، فتبدو كبطلات قصص الصغار. تقول: »انظر إلي، ألا يظهر لك أنني بافارية؟«. تقصد أنّ أهالي بافاريا، المقاطعة الأكبر مساحة في ألمانيا، والتي تتخذ من مدينة ميونيخ عاصمة لها، يتمتعون عادة بوزن زائد. لكن ذلك ليس بعذر مقنع، فمهنتها تحتّم عليها أيضا أن تكون »مستعرة« الشهية طوال الوقت. اورليا تعمل طباخة.

إنها »الشيف« في »بوفبروهاوس«، وهو فرع في الإمارات لأحد المطاعم الألمانية العريقة التي يعود تاريخ إنشاء مقرها الأول الى العام 1589. بوسعك أن تزور »بي اتش« ( كما يوصف اختصارا) بشرطين فقط: أن تكون مولعا بالطعام الألماني الجنوبي التقليدي، وأن تفتح حواسك لاختبار أهمية التجربة كون المطعم في دبي لا شبيه له الا في ثلاث مدن أخرى هي لاس فيغاس ومايوركا، إضافة الى الفرع الأعرق في ميونيخ.

النادلات يرتدين سراويل، تشبه تلك التقليدية التي يرتديها أهالي بافاريا، ويتوارثونها جيلا بعد جيل. غير أنها ليست من جلد، كما هو التقليد الأصيل، بل من قماش، في ذلك المكان في شارع »حمر عين« بمنطقة الديرة في دبي. يخدمن على طاولات موزعة في غرف متوارية كأنها خواب. لكل فسحة تصميمها الخاص. طاولتها الخاصة، التي لا تشبه الطاولة الأخرى في المجلس المجاور أو المقابل. ستارة مميزة، وشبّاك.

وفي الوسط، هناك الباحة العامة التي صفت الطاولات فيها، جنبا الى جنب، بتواضع مظهره أناقة أوروبية بسيطة. ثمة خزان كبير، ليس في الخدمة، وإن كان يشرح التقليد الجنوبي الأهم باجتراع المشروب. »هكذا هي الحال في الجنوب«، تقول: فيما قضيب السجق المتطاول، كأنه مقبض علم.

علم بافاريا، لا يزال حتى اليوم يظهر هويته اليونانية. فمنذ أكثر من مئة وخمسين سنة، قام ملك المقاطعة آنذاك، لودفيج الاول، باستعارة اللونين الأزرق والأبيض من علم اليونان بعد أن أصبح ابنه ملكا عليها. لكنه استعار أيضا حرفا كان ينقص اللغة الألمانية.

هو »الواي« (y)، فتغير اسم الولاية من »باريا« الى »بافاريا«. ويبدو أن الابتكارات لها سيرة مستمرة في تاريخ المقاطعة. فلا يقتصر الأمر على إدخال الحرف الناقص الى اللغة، اذ أن المطعم بحد ذاته، نهاية القرن الخامس عشر، كان مخترع مشروب البيرة الألمانية السوداء، التي ظلت حكرا على الملوك حتى العام 1610.

في العام 1939 انتقل المطعم من الحظيرة الملكية الى الحظيرة الحكومية، قبل أن يصيبه القصف في الحرب العالمية الثانية، ليعاد ترميمه في العام 1958. جائزة إعادة الترميم، تمثلت بإطلاق المشروب الأبيض لأول مرة في تاريخ »بوفبروهاوس«. بدءا من ثمانينات القرن الماضي، لم يعد بالإمكان فصل ميونيخ عن ذلك البناء التاريخي. وصار المطعم، محطة أساسية لكل زوار المدينة من الداخل الألماني، كما السواح.

تشعر أورليا بذلك العبق التاريخي، وهي تقضي أكثر من عشر ساعات يوميا في فرع المطعم في دبي. ورغم أنه حديث المنشأ، الا أن طريقة التصميم، والإنارة، والطاولات، وملابس النادلين والنادلات، كلها رتبت بحيث تعيد الزائر الى زمن مضى. لم تزر العاصمة الألمانية برلين في حياتها سوى مرتين، قبل أن تغادر البلد الى بريطانيا، حيث تعلمت فنون الطبخ، ومن ثم لتعمل في سلسلة »راديسون الفندقية«.

ثم حلت في »ماريوت دبي«، في المطعم العريق. تحمل في يدها كرة جبنة مدورة، غلفت بجيلاتين مرقط بالأبيض والأسود، على شكل كرة قدم، وتدعو الضيوف الى تجربة الجبنة الألمانية. ثم تغيب لتأتي بطبق طويل يتسع لقضيب السجق، الذي يعشق الألمان أكله طوال الوقت، اضافة الى »الشنيتزل«، المؤلف من لحم العجل المشوي وعجين البطاطا،

كما »الستيك« المقدم مع شرائح البصل المحروقة: أنا كلاسيكية الى حد ما، أحب أن أحافظ على نكهة الجنوب الألماني فيما أطبخ. زبائني من العرب يطلبون السمك أحيانا، ويركزون أيضا على طلب السلطات، وهو ما لا يشبه مطبخ بافاريا، الا أنني أقدم لهم ما يرغبون، ففي النهاية مصلحة الزبون هي التي تهمنا.

تبدو تلك اللغة »غريبة« بعض الشيء عن اهتمامات مفترضة للـ »شيف«. يظن المرء أن »الشيف« يطبخ فقط، ولا يكاد يفارق تلك الفسحة المحجوبة عن الأنظار، داخل المطعم. لكن اورليا لا تترك نفسها حبيسة المطبخ. تتجوّل، بخطوة رشيقة رغم امتلائها. تسأل الزبائن عن رأيهم.

تحفظ عدد الكراسي في المطعم، وسعته الحقيقية كما المفترضة في وقت الذروة، أو المناسبات، كما في يوم احتفال الألمان بمهرجان »اوكتوبر فيرست«، حيث يمتلأ المطعم بالجالية الألمانية التي تعيش في دبي. تتناقش مع مدير المطعم النمساوي الفرد حول أفضل السبل في عرض الدجاج المشوي،

بطريقة »البوفيه المفتوح«، الذي يريح الزبائن المنشغلين بمتابعة مباريات المونديال التي تبثها أربعة شاشات مثبتة في أمكنة متفرقة من المطعم. حين يعلو الصراخ، وتصطخب الهتافات، كما يسمع صوت ضرب على الطبول، تترك »الشيف« على الفور مطبخها الصغير وتخرج لتتبيّن حقيقة ما يجري.

»نريد خردلا حلوا من ألمانيا. الرجاء الا تنسى توصية الوكيل لكي يحضر لنا طلبية. اجعله يأتي بالخردل من الجنوب، وليس من الشمال. أهل الشمال لا يعرفون شيئا عن منكهات الستيك والسجق.

مأكلهم سمك. هيا، لا تتأخر، لقد صار مطرباني فارغا«، توصي الشيف أحد الموظفين، فيما عيناها عالقتان باحدى الشاشات. »جوول«، يسجل الألمان هدفا في المرمى، فتبرق عيناها.

دبي ـ خاص البيان الاقتصادي