اليوم الثاني على انطلاقة فعاليات مهرجان السينما العربية في باريس، بدأ بعروضه المتنوعة أشبه ببانوراما لفن الصورة المتحركة العربية. ملقياً الضوء عليها، كاشفاً عن جوانب غموضها وإطارها النمطي، الذي كرسه الإعلام الغربي ومعظم إنتاجات هوليوود، التي قدمت العربي بوصفه متخلفاً يسعى وراء الملذات ويمارس أبشع أنواع الإجرام، فقط «لأنه إرهابي بطبعه».

صورة اخترعوها أصبحت كسجن لا يمكن الفرار منه إلا بقدرة الفنان العربي من الأجيال الجديدة التي تراكم أعمالاً إبداعية، لابد وان تولد حالة تواصل مع الآخر ومع الذات، بمعنى أن المهرجانات الخاصة بالسينما العربية، تشكل دعماً للسينمائيين العرب أينما قامت،

فالمهرجانات وحدها لا تكفي لتشكل رافعة لحركة السينما العربية الناشطة في السنوات الخمس الأخيرة، أما المطلوب فهو دعم رسمي يؤمن حاجيات مادية أساسية، وتوعية عامة حول أهمية الصورة، وتوعية خاصة لرأسمال العربي الخائف من الاستثمار في صناعة الفن السابع، الذي يمكن أن يكون مربحاً اقتصادياً إذا ما أحسن إدارته بعقل علمي وعملي.

«أحلام» ودقيقة صمت والمنارة

وكان الفيلم العراقي «أحلام» قد افتتح عروض المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة، وقبل العرض توقف الحضور دقيقة صمت حزناً على أرواح الأبرياء الذين قضوا جراء الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وفلسطين.

ومخرج فيلم «أحلام» محمد الدراجي، شاب يتمتع بقدرة على التوغل بعدسته داخل الأحزان العراقية المفجعة ما قبل سقوط «النظام» السابق وما بعده،

وكان قد عاد إلى بلده في العام 2003 ليجد نسبة عالية فيه أصيب أصحابها بالجنون وبأمراض عقلية خطيرة، ومنهم امرأة فقدت زوجها ليلة زفافها بعد اعتقاله، إلى أن وجدت نفسها داخل مصح عقلي لا يلبث أن يدمر جراء القصف. العمل أقرب إلى صيغة تسجيلية منه إلى الحالة الروائية، وفيه بعض التسرع خصوصاً في تركيب القصة والسيناريو، وتحميلها مواقف سياسية مسبقة، أدت كلها إلى تضخم شخصيات العمل الرئيسية، بشكل كاريكاتوري لا طائل منه،

ولا يخدم التجربة الأولى للمخرج محمد دراجي، ولذلك فإن فرصة فوز «أحلام» بجائزة أحسن روائي طويل مستبعدة لفقدانه لأي لمحة إبداعية تقنياً وفنياً، وخصوصاً لأنه يواجه أفلاماً جيدة ومتقنة مثل الفيلم الجزائري «المنارة» للمخرج بلقاسم حجاج، الذي يروي حكاية ثلاثة أصدقاء يسعون خلف ملذات العيش إلى أن يصدموا بأحداث 1988 في الجزائر وما صاحبها من عنف وأفكار متطرفة وتمسك القلة بالديمقراطية كطريق وحيد للخلاص من المحنة. العمل مشغول بذكاء وبتقنية جيدة في تصنيع الكوادر وبنية السيناريو الذي كتبه سليم عيسى بحرفية عالية.

أفلام لبنانية وفلسطينية

معظم الإنتاج السينمائي اللبناني والفلسطيني يرتبط بالحرب ومآسيها، وهي وإن لم تكن تعبر عن الحرب والاحتلال مباشرة، فإنما عبرت عن هواجس هذه العوامل الأساسية في حياة الشعبين، كما هي أفلام مارون بغدادي اللبناني، أو أعمال ميشال خليفي الفلسطيني. أو في «انتظار» رشيد مشهراوي، أو في «بوسطة» فيليب عرقتنجي، وكلها أفلام وأعمال هاجسها الحرب ونتائجها، وان توارت أحياناً خلف مواقف كوميدية، فهي ليست سوى عملية استمرار للألم الدائم في واقع البلدين وفي السينما المنتجة.

يشترك في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة المخرج اللبناني جوزف فارس بعمله «زوزو»، عن حكاية فتى يافع يفقد عائلته خلال الحرب الأهلية اللبنانية فيضطر للهجرة، ومن ثم يعود يتذكر حياته الضائعة، فيلم مؤثر ومشغول بالرموز البسيطة، ولافتة فيه حركة التصوير والإضاءة والتمثيل للموهوب المراهق عماد كريدي، والمخضرمة كارمن لبس.

«بوسطة» فيلم فيليب عرقتنجي أيضاً داخل مسابقة أفضل روائي طويل، وصفته سابقاً بـ «وطن على أربع عجلات» ولو بدا العمل للوهلة الأولى «فولكلورياً» إلا أنه يختزن أبعاداً ومستويات كثيرة، الحرب في خلفيته تؤثر بالأجيال والمفاهيم الاجتماعية والإنسانية والثقافية، وأعتقد أنه الفيلم اللبناني الأول الذي أنتج ما بعد فترة الحروب الأهلية اللبنانية الذي لا يقولب محتواه بأسلوب يخدم اتجاهاً أو اتجاهات سياسية محددة،

بل إن عرقتنجي يبتعد عن السياسة بمفهومها المباشر ويركز عمله على الإنسان وعلاقته بالمكان كمنصة حرب وكمنصة لرقصة «الدبكة»، إذاً لا فرق بين هذه وتلك. الأولى تعبر عن حالة أصحابها، والثانية تعبر عن مدى أوسع، يطال الحاضر والماضي والغد، والوطن، والهجرة، والعودة، والحب الصادق، والأب الضعيف، والآخر القوي.. إلخ.. من متوازيات عرف عرقتنجي كيف يقيم علاقاتها الجدلية المركبة، وكيف يضع الأسماء اللامعة في عالم السينما العربية.

في مسابقة الأفلام الروائية القصيرة والمتوسطة يشترك 30 فيلماً وهو رقم غير مسبوق في مهرجانات السينما العربية، مما يدل على حال أفضل للسينما الحديثة في العالم العربي. ومعظم أفلام هذه المسابقة من مستوى جيد وما فوق، ويبرز بينها فيلم فلسطيني للمخرجة علا طبري تحت عنوان «شتات» عن امرأة تعيش انفصاماً اجتماعياً وثقافياً وإنسانياً بسبب هجرتها من بلدها فلسطين وعدم قدرتها على العودة، فتنتظر أخبار ذويها على حدود مجتمعين ولغتين وقصتي حب.

وتقدم مواطنتها نجوى نجار عملها الممتاز تحت عنوان «ياسمين تغني»، عن قصة شاب فلسطيني يُدعى زياد يقع في غرام فتاة اسمها ياسمين اللاتي، يقرر أهلها تزويجها لشاب آخر. مدة الفيلم 20 دقيقة آسرة، في لعبة مونتاج أتقنتها المخرجة إلى حدود استغلال كل ثانية في زمنية العمل بأسلوب مدهش.

بعد أن قدم المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي مجموعة أفلام روائية ناجحة، آخرها فيلمه المثير «انتظار» عن حياة الفلسطينيين المليئة بانتظارات لا تنتهي حتى أدمنوها، وكأن الفلسطيني كائن «انتظاري» قبل أن يكون أي شيء آخر. والعمل حاز على إعجاب النقاد في مهرجان السينما الدولي في فينسيا في دورته الأخيرة في إيطاليا.

يقدم مشهراوي عمله الوثائقي الجديد تحت عنوان «أخي عرفات» وهو عبارة عن مقابلة أجراها المخرج مع شقيق الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، بعد تعذر إجراء المقابلة مع الرئيس الراحل نفسه لدواعي صحية. مدة الفيلم 25 دقيقة يكتشف فيها المشاهد أشياء كثيرة مجهولة ومعلومات مهمة عن الزعيم الفلسطيني الراحل الأبرز في القرن العشرين، خاصة تلك المتعلقة بطفولته وعلاقته بمدينة القدس مسقط رأسه، وعن أحلامه التحررية، وعن نضاله الطويل والشاق.

المخرجة الفلسطينية اللبنانية، مي المصري تقدم في إطار مسابقة الأفلام التسجيلية فيلمها من 70 دقيقة تحت عنوان «يوميات بيروت: الكذب والفيديو»، من خلال فتاة تدعى نادين تنخرط بالتظاهرات الشاجبة لاغتيال الزعيم اللبناني المعروف رفيق الحريري تظن المخرجة في شريطها قدرة الأطراف المتصارعة على إظهار وإخفاء ما يريدون، عبر تصنيفهم لصور التجمعات في أفلام فيديو،

الفيلم جيد وغير مرشح لنيل جوائز، بسبب وجود أفلام أقوى منه بكثير داخل هذه المسابقة. منها: الفيلم الفلسطيني «من يوم ما رحت» للمخرج محمد بكري، الذي يعيش أحداثاً حزينة متلاحقة، منذ رحيل الكاتب الفلسطيني إميل جيبي ومنع عرض فيلمه «حنين جنين»، إلى الحكم على أفراد من عائلته بالسجن من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

عمل مشغول بلمسة إنسانية امتلكت شروطها الفنية كاملة. ويليه مواطنه رائد أنضوني بفيلمه «ارتجال» عن ثلاثة أشقاء يعيشون في مدينة الناصرة في فلسطين ويختلفون عن بعضهم في كل شيء ماعدا اتفاقهم على الموسيقى وعزفهم للعود. ويتابعهم المخرج على مدى عام كامل في حياتهم اليومية، وكيفية نجاحهم في النهاية بتقديم عمل موسيقى رائع اسمه «الثلاثي جبران».

باريس ـ حسين قطايا: