تحدث ذهب دبي عن نفسه بلغة الإحصائيات والأرقام، من خلال دراسة ميدانية متخصصة أجرتها مؤخرا شركة آى سى نيلسون بالنيابة عن كل من مجموعة دبي للذهب والمجوهرات ومركز دبي للسلع المتعددة ومجلس الذهب العالمي.

وبدت هذه الأرقام عاجزة عن التعبير عن صورة ثرية بشخوصها ولاعبيها وألوانها، بحيث ظهر الهدف من الدراسة هو مجرد تقديم خطوط عامة إرشادية لسوق مليء بالحيوية والديناميكية، وبالتالي، تركت هذه الأرقام للمعلقين والمحللين مهمة استشفاف ما وراءها من مغزى ودلالات، واستنباط ما تنطوي عليه الإحصائيات من استنتاجات، بل أعطت هذه الأرقام للتجار والمصنعين بوصلة لتوجيه وتخطيط أعمالهم.

وتبقى الحقيقة القائمة، أن الذهب في دبي يتحدث عن نفسه بطرق وقوالب متعددة، وأن هذه الدراسة تعد طريقة في التعبير عن أوضاع سوق يتميز بدرجات عالية من الحراك سواء على مستوى اللاعبين أو طرق التسويق والترويج أو على مستوى الأطر التنظيمية، وبالتالي، تفيد كل طريقة في تقديم المنهاج الذي من خلاله يمكن إلقاء بصيص من النور على جانب وزاوية من السوق، ومن خلال تعدد الطرق والمناهج، يمكن الاقتراب من التعرف الجيد عن أوضاع السوق، ولكن تظل أي طريقة في حد ذاتها عاجزة عن تقديم الصورة في شموليتها وعموميتها.

وببساطة شديدة، اعتمدت الدراسة على المنهاج الكمي في التحليل، وتبنت في هذا المجال أسلوب استقصاء آراء ووجهات نظر الفاعلين الرئيسيين في السوق، وتمثلت أهداف الدراسة في التالي :

أولا: تقييم حجم ونطاق صناعة الذهب والمجوهرات في دبي

ثانيا : تقييم السوق من زاوية الحجم وقيمة شرائح منتجاته (الذهب والألماس واللؤلؤ والأحجار الكريمة).

ثالثا : تسليط الضوء على دور المستهلك في شرائح الصناعة الثلاثة الرئيسية (تجار التجزئة وتجار الجملة والمصنعين).

واعتمدت الدراسة على ثلاث عينات تمثل اللاعبين والمشاركين الرئيسيين في السوق وهم تجار التجزئة وتجار الجملة والصناع، وشملت عينة تجار التجزئة 140 تاجرا، وضمت عينة تجار الجملة 125 تاجرا، فيما شملت عينة المصنعين 6 مصنعين، واستطلعت الدراسة أراء مفردات هذه العينات من خلال المكالمات الهاتفية والمقابلات المباشرة.

وبلغ عدد المقابلات المباشرة التي أجراها القائمون على الدراسة 12 مقابلة من إجمالي 43 مقابلة حددها القائمون على الدراسة، فيما بلغ عدد المقابلات الهاتفية 249 مقابلة من إجمالي 480 مقابلة هاتفية، أي أن الدراسة لم تغط سوى ثلث مفردات العينات التي كانت موضوعة من قبل القائمين على الدراسة باعتبارها الأكثر تمثيلا لشرائح السوق المختلفة، وهو ما قد يجعل البعض يخلص إلى استنتاج بوجود قصور في منهاج التحليل الكمي الذي تبنته الشركة.

وبغض النظر عن تأثير هذا القصور على نتائج الدراسة، فإن الأرقام التي أوردتها الدراسة لم تحمل أي قيم أو كميات، بل جاءت على هيئة نتائج استطلاع للرأي.

وعليه، ربما لم تأت هذه الدراسة بمفاجآت تخالف القناعات السائدة، ولهذا، تمثل الأرقام مجرد تأكيد على هذه الاستنتاجات التي أجتهد المحللون في الوصول إليها.

مجموعة الذهب والمجوهرات

وتبدو الدراسة صائبة في اختيارها عينات ينتمي الشطر الأعظم من أشخاصها إلى مجموعة دبي للذهب والمجوهرات، حيث تمتع كافة تجار التجزئة الذين شملهم استطلاع الرأي بعضوية مجموعة دبي للذهب والمجوهرات، وتمتع الشطر الأعظم منهم بالعضوية لفترة لا تقل عن عام، وحصلت غالبية هؤلاء على العضوية لفترة تزيد على خمس سنوات، في حين يتمتع 99% من تجار الجملة الذي شملهم الاستطلاع بعضوية مجموعة دبي للذهب والمجوهرات.

ويؤكد هذا الاختيار حقيقة جلية للداني والقاصي وهي أن مجموعة دبي للذهب والمجوهرات قد أضحت كيانا قويا يعبر بصدق عن صناعة الذهب في دبي، وصارت تضم أكثر من 600 عضو يعملون في مختلف قطاعات تجارة الذهب والمجوهرات بما فيها البيع بالجملة والتجزئة وتجارة السبائك وتصنيعها. وتعمل المجموعة على ترويج تجارة الذهب والمجوهرات في دبي والخارج بغية وضع دولة الإمارات العربية المتحدة على الخريطة العالمية لتجارة الذهب والمجوهرات.

وبالتالي، أصبحت المجموعة أحد الرموز الدالة والمعبرة عن المكانة التي باتت تشغلها دبي على الخريطة العالمية لتجارة الذهب والمجوهرات، فهي تشرف على جناح دبي في المعارض الدولية مثل معرض بازل الدولي، ومعرض دبي الدولي للمجوهرات، ومعرض هونغ كونغ الدولي للمجوهرات، واسطنبول.

ولم تأت الدراسة بأية مفاجآت بخلوصها إلى الاستنتاج بأن مجوهرات الذهب تشكل المحرك الرئيسي لمبيعات المجوهرات، تتلوها مجوهرات الألماس، وأن حصة مبيعات مجوهرات الذهب والألماس معا تشكل 80% من إجمالي مبيعات تجار التجزئة، وأن مجوهرات الذهب تعتبر المنتج الأكثر بيعا لتجار الجملة، حيث تشكل 45% من مجمل مبيعات القطاع السنوية، يليها الألماس بنسبة 35%.

تؤكد هذه الاستنتاجات حقيقة بادية للعيان منذ فترة ليست بقصيرة وهي أن دبي قد نجحت في تعزيز سمعتها كمدينة للذهب على المستوى العالمي، وباتت المكان الأمثل لمتسوقي الذهب والمجوهرات إقليميا وعالميا، وارتقت أهمية هذا القطاع ليشكل أحد الروافد المهمة لاقتصاد الإمارة، وذلك بفضل الدعم الحكومي الذي تمثل في إرساء البنية التحتية للقطاع وتحديث الأسواق القائمة وإقامة مراكز وأسواق جديدة والتي تعتبر نتاج مشاركتها الجادة مع شركات القطاع الخاص العاملة في قطاع المجوهرات.

وقد تعددت تعبيرات هذه المشاركة في تشييد أكبر صالة عرض لمبيعات الجملة من الذهب والمجوهرات في الشرق الأوسط. واتخاذ دبي مقرا لمسابقة الإبداعات العربية للتصاميم الذهبية،وقد استفادت تجارة التجزئة من الحرص الحكومي على الارتقاء بعناصر البنية التحتية الداعمة لتجارة الذهب.

حيث جرى تدشين بوابة تخليص معاملات الذهب في سوق الذهب بدبي والتي تديرها شركة ترانس جارد الذراع الاستثماري الأمني لمجموعة الإمارات، كما قام مركز دبي للسلع المتعددة بتدشين مجمع المجوهرات والأحجار الكريمة في مسعى لتعزيز سمعة دبي كمركز لصناعة المجوهرات المزدهرة وبلوغ أهدافها العالمية في هذا الصدد. ويتألف مجمع المجوهرات والأحجار الكريمة الذي جرى تصميمه على أساس تلبية احتياجات الصناعة من 3 مبان كل مبنى مكون من 12 طابقا ويحتوي كل طابق على ورشة ومقر للموظفين، وقويت قاعدة مصنعي الذهب والمجوهرات في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وبالتالي، وفي ضوء هذا الواقع، زادت قيمة مبيعات الذهب - وفقا لأرقام مجلس الذهب العالمي - بواقع 200 مليون درهم أي بنسبة 10% ليصل إلى 1,2 مليار درهم خلال الربع الأول من العام الجاري بالمقارنة مع 9,1 مليار دولار خلال نفس الفترة من عام 2005، ولكن تراجعت كمية المبيعات بفعل ارتفاع الأسعار بنسبة 17% من 33 طنا خلال الربع الأول من عام 2005 إلى 28 طنا خلال الفترة المماثلة من العام الجاري.

السياح الأكثر استهلاكاً

كما لم تأت الدراسة بأية مفاجئات بخلوصها إلى استنتاج مفاده أن السياح مسؤولون عن 52% من مبيعات دبي من الذهب والمجوهرات، في حين يعتبر المقيمون من مواطنين ومقيمين مسؤولين عن 43% من إجمالي مبيعات هذا القطاع، فمن المعروف أن الذهب والمجوهرات بشكل عام يمثل أحد الملامح المميزة لمدينة دبي، لكونها تعيش في حالة احتفالية دائمة وطوال أوقات العام، فما بين مفاجآت صيف دبي التي تبدأ من يوليو حتى سبتمبر، وفعاليات مهرجان دبي للتسوق التي تبدأ في شهر يناير من كل عام، تتعدد المبادرات والحملات التسويقية للذهب في الداخل والخارج.

وتبرز المفاهيم الخلاقة والإبداعية في كيفية تنظيم الحملات التسويقية، وتتنوع أشكال المشاركة بين العام والخاص في إشاعة إغواء الذهب بين مختلف الفئات والأعمار. وتصب كل هذه الاعتبارات في جعل الذهب في دبي مقصدا رئيسيا للسياح والزوار. ولهذا يرتاد المدينة أعداد ضخمة منهم ليجدوا فيها تشكيلة متنوعة من المشغولات الذهبية التي تتناسب مع مختلف الأذواق ويحرص السياح والزوار خلال هذه المهرجانات على اقتناص الفرصة لشراء الذهب من دبي للمزايا العديدة التي يحصلون عليها حيث يمكن أن يحالفهم الحظ بالفوز بالجوائز الضخمة التي تطلقها مجموعات الأعمال المختلفة.

ويؤكد إقبال الزوار على شراء الذهب في دبي، تعزيز المدينة لمكانتها كمعبر للذهب مما دفع العديد من المحللين إلى تسميتها «بوابة الذهب»، ويرمز هذا المسمى إلى الدور الذي أصبحت تضطلع به الإمارة في سوق الذهب العالمي حيث لم يعد سوق دبي للذهب أحد الموارد الحيوية لاقتصاد الإمارات والذي حظي بدعم حكومي تجسد في تطوير بنية تحتية متقدمة لهذا القطاع وتحديث الأسواق الموجودة وإقامة أسواق جديدة ومراكز تجارية بل أضحت كذلك بوابة تمر من خلالها تجارة الذهب العالمية استيرادا وتصديرا، ويؤكد مجلس الذهب العالمي مثل هذه المكانة المتميزة بإشارته إلى أن 60% من تجارة الذهب في العالم تمر عبر دبي.

غلبة المجوهرات التقليدية

ولعل خلوص الدراسة إلى أن المجوهرات التقليدية لها الغلبة الواضحة بالمقارنة مع المجوهرات التي تحمل علامة تجارية معروفة، يؤكد أن ارتفاع الدخول لم يؤثر بشكل كبير على استهلاك المجوهرات التي تحمل علامات تجارية، حيث بلغت نسبة المبيعات الإجمالية من المجوهرات التقليدية 84 % من إجمالي المبيعات.

كذلك لم تأت الدراسة بأية مفاجآت بخلوصها إلى أن قطاع الذهب والمجوهرات المحلي ينتعش بشكل ملحوظ خلال مهرجان دبي للتسوق ومفاجآت صيف دبي والمهرجانات الرمضانية، واستندت الدراسة إلى أقوال تجار التجزئة الذين أفادوا بأن مبيعاتهم خلال تلك الفترة تمثل ثلثي مجمل مبيعاتهم السنوية، ويستأثر مهرجان مفاجآت صيف دبي بحصة تبلغ 30% من إجمالي هذه المبيعات، كما استحوذت المبيعات الموسمية على 50% تقريبا من العائدات السنوية بالنسبة للاعبين الرئيسيين.

ويبدو هذا الاستنتاج منطقيا في ضوء واقع مؤداه أن هذه المهرجانات تشهد حملات تسويقية لتشجيع الجمهور على شراء الذهب من خلال الحملة الترويجية التي يتم تنظيمها كل عام، وهو ما يشيع التفاؤل في أوساط التجار بأن تشهد المبيعات خلال مفاجآت صيف دبي في العام الجاري نموا مقارنة بالأعوام السابقة، حيث يتدفق المتسوقون لحضور فعاليات المهرجان، وهم من داخل الدولة،بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الدول الخليجية،ويزور دبي خلال مفاجآت صيف دبي نسبة كبيرة من العائلات الخليجية ثم يأتي بعد ذلك السائح العربي ثم السائح الأوروبي، وهو ما يسهم إلى حد كبير في زيادة نسبة مبيعات التجزئة في محلات المجوهرات المشاركة.

وتعد عروض الذهب في مدينة الذهب عنصرا رئيسيا في عناصر الجذب الكثيرة التي تميز مهرجان دبي للتسوق في دوراته المختلفة، وغالبا ما تكون محلات الذهب محط أنظار السياح والزوار الذين يقدمون إليها من جميع أنحاء العالم يحرصون على شراء المنتجات التي تتمتع بجودتها العالية وسعرها المميز والثقة التي تحظى به هذا السوق من حيث نوعية ومستوى الذهب في السوق، وتسجل مبيعات التجزئة بسوق الذهب والمجوهرات المحلية زيادة بمعدلات الأداء في ظل الحملة الترويجية المصاحبة لمهرجان دبي للتسوق والتي تتيح للمتسوقين الحصول على جوائز إضافية عبر السحوبات اليومية.

ورغم أن الدراسة لم تأت بمفاجئات، إلا أنها أكدت - على حد قول كولين جريفث الرئيس التنفيذي للذهب والمعادن الثمينة في مركز دبي للسلع المتعددة - إن إمكانيات مركز دبي للسلع المتعددة وما يتمتع به من بنى تحتية فائقة التطور إضافة إلى ما يقدمه من دعم كامل لقطاع الذهب والمجوهرات في مراحله كافة والتي تبدأ بالتعدين وصولا إلى مراحل التصنيع النهائية، هي عوامل قد أسهمت بشكل واضح وأساسي في نمو قطاع المجوهرات المحلي.

كما أن الدراسة - والكلام ما زال له - قد سلطت الضوء على نواح عدة تتعلق بقطاع الذهب والمجوهرات، وعليه، فإن أهمية الدراسة في رأي معاذ بركات الرئيس التنفيذي لمجلس الذهب العالمي لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وباكستان تستمد من كونها تمكن من التعرف على الخصائص التي تؤثر بشكل مباشر على قرارات شراء المستهلك كما تساعد على التعرف على مكامن القوة والضعف، ومن ثم فإن هذه الدراسة ستساعد المعنيين بهذا القطاع على تشكيل إستراتيجيتهم العملية. ولكن تظل حقيقة أن الأرقام والإحصائيات مجرد وسيلة في التعرف على سوق الذهب والمجوهرات في دبي، ولكن بالتأكيد تعجز هذه الأرقام عن التعبير عن هذا الواقع بكافة جوانبه وزواياه.

دبي ـ مجدي عبيد: