افتتحت مساء أمس في مركز معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية باريس فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان السينما العربية، بفيلم »حليم«، هو آخر ما قدمه الممثل أحمد زكي قبل وفاته، ويتناول حياة الفنان الراحل عبدالحليم حافظ. أخرج العمل شريف عرفه، وأنتجه الواثب حديثا ًإلى عالم الإنتاج السينمائي الإعلامي عماد الدين أديب.

حضر حفل الافتتاح حشد من أبناء الجالية العربية المقيمة في فرنسا منذ عقود إضافة إلى نخبة من المثقفين الفرنسيين والأوروبيين ومن المهتمين والمتابعين للفن والإبداع.

وغاب عن الحفل أكثر نجوم الفن السابع العرب، الذين برروا غيابهم تحت عنوان واحد جمعهم معاً، وهو الارتباط بمواعيد عمل.

وتتميز الدورة الثامنة للمهرجان بدخولها إطار برنامج »يوروميد« للسمعيات والبصريات، البرنامج الذي يدعم الاتحاد الأوروبي من خلال »كارافان« السينما العربية ـــ الأوروبية«، الذي يشجع التبادل الثقافي في مجال السينما والتلفزيون بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

وتعد هذه الدورة الأوسع من حيث استضافة عدد كبير من الأفلام الروائية العربية الطويلة، وصلت إلى رقم غير مسبوق وهو ستة عشر فيلماً، بينهما أحد عشر فيلماً من ضمن مسابقة أفضل »روائي طويل«، وهي »أحلام« إخراج محمد الدراجي (العراق) »ألبوم« إخراج خالد الزدجالي (عُمان)،

»المنارة« إخراج بلقاسم حجاج (الجزائر)، »عن العشق والهوى«، إخراج كاملة أبو ذكري (مصر)، »بركات« إخراج جميلة صحراوي (الجزائر)، »البوسطة« إخراج فيليب عرقتنجي (لبنان)، »هي وهو« إخراج الياس بكار (تونس)، »خشخاش« إخراج سلمى بكار (تونس)، »عمارة يعقوبيان« إخراج مروان حامد (مصر)،

»خوانيتا بنت طنجة« إخراج فريدة بن اليزيد (المغرب) »ظلال الصمت« إخراج عبدالله محسن (السعودية)، تحت السقف إخراج نضال الدبس (سوريا)، »زمن النرجس« إخراج مسعود عارف صالح (العراق)، »زوزو« إخراج جوزيف فارس (لبنان)، يوم جديد في صنعاء القديمة إخراج بدر بن هوسي (اليمن).

ويترأس لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة الفرنسي إيف بواسيه السينمائي المعروف، وإلى جانبه المخرج المصري داوود عبدالسيد، والمغربي محمد عسلي، واللبناني وليد شميط الإعلام المخضرم، والألمانية مونيكا مور والمخرجة الجزائرية رشيدة كريم، والفرنسية دومينيك كابريرا.

ويترأس الناقد السينمائي المصري علي أبو شادي لجنة تحكيم الأفلام التسجيلية، المؤلفة من أربعة أعضاء هم: عباس ارناؤوط، مخرج سينمائي ومدير ادارة مهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية، والمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل، وماري بيار دو هاميل مديرة »سينما الواقع« فرنسا، وياسمين كساري من المغرب.

تكريم أحمد زكي و»حليم«

ويكرم المهرجان في دورته الحالية الفنان الراحل أحمل زكي، بعرض مجموعة من أعماله منها: »أيام السادات«، »أرض الخوف«، »هستيريا«، »استاكوزا«، »ضد الحكومة«، أحلام هند وكاميليا«، »زوجة رجل مهم« »البريء«، »الحب فوق هضبة الهرم«، و»حليم« الذي افتتح فعاليات المهرجان ويعاد عرضه أربع مرات خلال أيام المهرجان العشرة.

كتب سيناريو فيلم »حليم« محفوظ عبدالرحمن بأسلوب كتابة السير، في منحى يبتعد عن الاتجاهات الأدبية لهذا النوع من السرد، الذي تلعب فيه اللغة البصرية دوراً مهماً في قيام تلك العلاقة »السحرية« بينها وبين لغة الكلام.

فقدم عبدالرحمن فرصة لمخرج الفيلم شريف عرفة، بتقديمه مفاتيح الحكاية في فضاء مريح لاستخدام »الفلاش باك«، الذي يعتبر في مفاهيم السينمائيين نقطة ضعف لأي سيناريو، إذا لم يتم التعاطي معها بعناية إبداعية دقيقة، ومؤلفّة ومخترعة على الدوام، خاصة وان كانت القصة بحد ذاتها معروفة البداية والنهاية.

بهذا المعنى استطاع السيناريست محفوظ عبدالرحمن أن يضرب بنجاح مساحة يصعب الاقتراب منها، فيؤلف سينوغرافيا مشبعة بالرموز ومتوازية مع الواقعية لقصة حديثة بالفعل في زمن أقرب من أن يكون موغلاً في البعد، فيجري احد الإعلاميين حديثاً إذاعيا مع عبدالحليم حافظ المغني الذي أطرب جماهير العرب ولا يزال، مسلطاً الضوء على حياته بشكل شامل، بدءاً من الطفولة والشهرة والمرض والحب، واليتم، والقهر،

في ظل ظروف سياسية متغيرة بقوة في مصر بالخمسينات. كل ذلك يدفع بالمخرج عرفه للارتقاء بعمله إلى مستوى السيناريو الجيد، ولا إلى مستوى فن »حليم« ولا إلى قدرات أحمد زكي التمثيلية والأدائية. فكرر وأضجر في إطلالات لا ضرورة لها، وفي استعراضات بهلوانية ومجانية في أحسن الأحوال لحركة الكاميرا. وغاب عنه ان اللغة البصرية بنية متكاملة وليست شكلية بدائية، ولا تؤدي وظيفة مجانية.

ولعل غياب ذلك جعل شريف عرفة يعود علي السطح، يسرد ما هو معروف، ولا ينبش شخصية أثرت في الذوق الفني العربي العام، كما أثر عبدالحليم حافظ، والتغاضي عن ذلك، أدى بالفيلم لأن يكون بارداً، متوقعاً، إشاراته مجترة، خاصة تلك المتعلقة بخطابات الزعيم العربي جمال عبدالناصر، حول »تأميم القناة« و»قرار التنحي« في العام 1967.

وقد بدا عبد الحليم حافظ في هذا الحوار الإذاعي يفتقر إلى التركيز أحياناً، وإلى الصدق في أحيان أخرى، أو أنه يتمتع بوصولية فجة، بتخفيها خلف طفولته المقهورة باليتم والعيش في ملجأ، وإلخ... من رؤى كلاسيكية حاسمة بمواقفها، وتسعى لإدارة الزمن السياسي الذي ولدت فيه موهبة عبدالحليم الذي بدا أيضاً موظفاً عقائدياً عند السلطة، في سبيل تخدير الجماهير،

وهذا يعد تجنياً على مرحلة يستعجل فيها البعض من الليبراليين العرب »الجدد« إدانتها بالكامل، من دون إخضاعها إلى مقاييس نسبية، تأخذ بعين الاعتبار عوامل تاريخية بعيدة ومؤثرة بعمق على كل العالم الإسلامي والعربي، إضافة إلى قفزات كبيرة علمية ومعرفية تحلى بها القرن الماضي في الغرب، وكنا نحن بعيدين عنها تماماً.

بالطبع لست لأدافع عن مرحلة سياسية ما، بقدر ما أودّ الإشادة إلى أن تحول الفنان إلى موظف »إيديولوجي« لا يواجه عادة من فيلم يحمل توجهاً إيديولوجياً واضحاً وصارماً بتقديرية سلفية تتضمن محتوى متطرفاً، هو ضد العقل والفن بالضرورة.

واللافت أن أداء الراحل أحمد زكي في الفيلم جاء أقل بكثير مما عرفه الجمهور به في فيلمي »أيام السادات« أو »زوجة رجل مهم« اللذين أخرجهما محمد خان، أو »أرض الخوف« للمخرج داوود عبدالسلام، أو »البريء« و»الحب فوق هضبة الهرم« للمخرج عاطف الطيب، وبدا واضحاً عليه التعب والإرهاق من جراء المرض الذي عانى منه قبل وفاته قبل انتهاء تصوير الفيلم، ولكن »حليم« لم يؤثر على سيرة، زكي الفنية.

فهو أبرز النجوم من مجايليه من الممثلين العرب والمصريين. والأخطاء في عمله الأخير هي مسؤولية المخرج شريف عرفة الذي وظّف الفن عند منتج صاحب »قولبة« في السياسة.

لعب دور البطولة إلى جانب أحمد زكي، ابنه هيثم الذي أدى دور »حليم« في شبابه، ولم تظهر عليه موهبة جدية، ومنى زكي في دور »نوال« يعطف عليها المغني النجم وهي تدعي أنه يحبها. حجم الدور الصغير، لكن الممثلة عرفت كيف تمسك خيوط شخصيتها وتؤديها بمعرفية عالية،

وبمستوى مرتفع أيضاً في الأداء، جاءت الممثلة السورية سلاف فواخرجي، بدور »جيهان«، المرأة الوحيدة التي اعترف عبدالحليم بحبها، وغنى لها كل أغنياته العاطفية المؤثرة، وبمستوى عادي جاء أداء مواطنها الممثل جمال سليمان، الذي بدا لا يمثل بقدر ما يغرق في كلاسيكيات درامية غير مقنعة.

باريس ـــ حسين قطايا: