تحتل قضية مستقبل الشركات العائلية بالدولة عموماً وفي دبي بصفة خاصة أولوية مقدمة لكونها تسعى إلى الدخول بقوة في ميدان المنافسة العالمية بكل ما يتطلبه من ارتقاء بمستوى الشركات المحلية في الامارة.
حيث تشكل الشركات العائلية وفقاً لإحصائيات غرفة تجارة وصناعة دبي لعام 2004 حوالي 54.6% من إجمالي الشركات النشطة في دبي، وهي التي تمارس النشاط الاقتصادي فعلياً لا الحاصلة على التراخيص الرسمية فحسب.
هذه الشركات العائلية التي تعد 30.769 شركة تصل مبيعاتها السنوية إلى 208 مليارات درهم وتشغل 560 ألف عامل. أما كنسبة إلى إجمالي الشركات النشطة تمثل الشركات العائلية 49% من إجمالي مبيعات الشركات و54% من إجمالي قوة العمل. هذا الأداء الاقتصادي للشركات العائلية في اقتصاد دبي يجعلها ذات دور مهم على مستوى النشاط الاقتصادي للإمارة.
وأشار تقرير بالنشرة الاقتصادية لبنك دبي الوطني إلى أن الشركات العائلية في دبي تتوزع بنسبة 68% في قطاع التجارة و10% في قطاع البناء والتشييد و9% في قطاع النقل والاتصالات والتخزين و7% في قطاع العقارات والتأجير وخدمات الأعمال و2.5% في قطاع الصناعة و1.5% في قطاع الخدمات المالية.
من حيث الحجم يبلغ عدد الشركات العائلية التي توظف أقل من 10 مشتغلين 24.9 ألف شركة تمثل 80.9% من الإجمالي، ويبلغ عدد التي توظف من 10 ـــ 19 مشتغلاً 2.76 ألف شركة بنسبة 9%، بينما يبلغ عدد التي توظف 20 مشتغلاً فأكثر 3.11 آلاف شركة بنسبة 10.1% وهذه الأرقام تظهر الثقل الذي تمثله الشركات العائلية في اقتصاد الإمارة مما يجعلها عملياً العمود الفقري للنشاط الاقتصادي في غالبية القطاعات الاقتصادية، الأمر الذي يشير إلى مدى أهمية معالجة أوضاع هذه الشركات لضمان قدرتها على التطور، بما يكفل لها استيعاب الانفتاح أمام المنافسة الدولية على نطاق أوسع دون خسارة حصتها من الأسواق المحلية، وليمكنها بالتالي من الانطلاق إلى المنافسة على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي مقدمة التغييرات التي تكفل للشركات العائلية تحقيق عملية التحول تأتي ضرورة فصل الملكية عن الإدارة، لإعطاء المديرين فرصة العمل على أساس نمو الأعمال والأرباح من خلال زيادة الإنتاجية وتحسين الكفاءة التشغيلية، ووفقاً للاعتبارات المهنية بعيداً عن منطق تقاسم المواقع الإدارية في الشركات بين أفراد العائلات المالكة لها، كي لا تفتح الأبواب للصراعات العائلية وتعقيداتها، والتي تتفاقم عادة مع تعاقب الأجيال وما يتولد من الاختلاف في المفاهيم والرؤى.
إن فصل الإدارة عن الملكية يحصر الصراعات العائلية في نطاق الملكية التي تتمثل عادة في مجالس الإدارة من خلال عضوية أقطاب العائلة في هذه المجالس، على أن تعطى صلاحيات واسعة للإدارات التنفيذية مع تقييد نطاق الإشراف الذي تمارسه المجالس عبر حصر علاقاتها بالإدارات ضمن قناة واحدة يمثلها عضو مجلس الإدارة المنتدب.
لكن الأمور لا تجري وفق هذا السياق في الشركات العائلية التي تشهد صراعاً بين ملاكها، حيث يتمحور الصراع على موقع العضو المنتدب إلى رئاسة مجلس الإدارة ويمتد ليشمل التنازع على توجيه الإدارة التنفيذية مما ينعكس بالنتيجة سلباً على أداء الشركة. وقد أثبتت التجارب العالمية أن أفضل الصيغ الممكنة لفصل الملكية عن الإدارة هو تحويل الشركات العائلية إلِى شركات مساهمة عامة من خلال طرح جزء من رأسمالها كأسهم للاكتتاب العام.
بما يغير بالنتيجة هيكلية الشركة بالكامل لا على صعيد الملكية فحسب عبر دخول شركاء جددهم المساهمون كملاك للشركة، وإنما أيضاً على الصعيد الإداري الذي يجري تنظيمه وفقاً لآليات العمل في الشركات المساهمة العامة حيث يصبح للجمعيات العمومية السلطة العليا في مراقبة الإدارة والإشراف عليها، وبما يحد بالنتيجة من تأثير الصراعات العائلية على الإدارات التنفيذية للشركات.
ويصطدم تحول الشركات العائلية محلياً بعقبات قانونية لا تزال تحول دون تحقيقه على نطاق واسع بين الشركات العائلية في دبي والإمارات عموماً.
في مقدمة عقبات التحول يأتي إلزام هذه الشركات بطرح نسبة لا تقل عن 55% من رأسمالها للاكتتاب العام عند تحولها إلى مساهمة عامة، الأمر الذي تعتبره العائلات المالكة للشركات مجحفاً لأنه يفقدها عملياً حصة الأكثرية في رأس المال، بعد أن بذلت جهوداً مضنية عبر سنوات وأجيال لتطوير هذه الشركات وجعلها كيانات عملاقة تتصدر مسيرة الاقتصاد الوطني.
وقد جرى تعديل نسبة الحد الأدنى من رأس المال الواجب طرحه للاكتتاب العام لتصبح 30% في مشروع قانون الشركات الجديد الذي ينتظر إصداره خلال الأشهر القليلة المقبلة، بينما تطالب بعض الشركات العائلية بأن تترك هذه النسبة لمجالس الإدارات لتحددها في ضوء رؤيتها لمصالح الشركات ومؤسسيها والمساهمين الجدد فيها.
وهناك عقبة أخرى تواجه الشركات إلى مساهمة عامة تتمثل في تحفظ الملاك العائليين على الطريقة المتبعة حالياً في الدولة لتقييم الأصول، حيث يتم التقييم من خلال لجنة تشكلها وزارة الاقتصاد تمثل فيها عدة جهات بعيدة عملياً عن التخصصات التقنية المطلوبة لإتمام عمليات التقييم، حيث يبدو الآن أن هذه الصيغة ستستبدل في القانون الجديد بإعطاء صلاحيات للشركات بتعيين بيوت خبرة متخصصة تتولى تقييم الأصول وتحديد قيمة الأسهم التي تطرح للاكتتاب العام.
وعموماً فإن معالجة وضع الشركات العائلية لا يقتصر على إتاحة الفرص لتحولها إلى مساهمة عامة، بل ينبغي تمكينها من ضمان أفضل مستويات الأداء، حتى لو احتفظت العائلات بكامل الملكية فيها، وذلك من خلال إعطائها الإطار القانوني الملائم لتطور أعمالها، وهو صيغة الشركة القابضة التي تتيح لها جمع كافة الشركات التابعة لها في إطار تنظيمي واحد، يضمن لها سلاسة الأداء الإداري من جهة وكفاءة التشغيل من جهة أخرى.