تحية إلى لبنان... لا تقلق يا وطني الصغير، لا تخف، فأنا بجانبك... لا تخف. رجاءً... لا تحتفظْ بمشاهد الدمار في ذهنك؛ رجاءً... استبدلْها بمشاهد الأمل، بذكريات الفرح، بصور لبنان الحقيقيّ؛ لأنّني أعرف أنّك قد تكون خجولاً ممّا تعاني...

وأعرف أنّك مرتبكٌ ممّا يحدث... تنزف وتصرخ إلى متى؟ رجاءً، تذكّر يا وطني الصغير، منذ أكثر من 30 سنة عندما كنت أمضي عطلة نهاية الأسبوع في بيت جدّي، تذكّر كيف كان يعطيني، في عصر كلّ يوم، »ليرة« لأشتري بها الحلويات والشوكولا، وكيف كدتُ أطير نزولاً على السلالم، وكيف جلسَتْ على شرفة الدار المجاورة،

جارتُنا »تانت ليندا« (العمة ليندا)، تلعب الورق، فلا تفارقُني بنظراتها لكي أعبر الطريق بأمان، فيما ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة. وعندما أصل إلى »دكّانة عمو يوسف«، يبلغ بي الحماس حدًّا حتّى يكاد قلبي يتوقّف عن الخفقان، دعْنا نتذكّر أنا وأنت؛ دعْنا نتذكّر رائحة ذلك المحلّ القديم، رائحة امتزجت فيها روائحُ الفاكهة، الخضار والأعشاب...

دعْنا نننسى رائحة الانفجارات البشعة. هل تذكر، عندما لم يكن للناس فسحة كافية للتسلية في بيوتهم الخاصّة؟ فاستحالت الأرض العامّة غرفةَ جلوسهم، هل تذكر عندما كانت الفسحات بين البيوت أشبه بغرفة جلوس مجتمعنا، حيث راح الناس يتبادلون الأحاديث، يتشاركون الأشياء، يلتقون معاً ويشعرون بالراحة؟... تذكّرْ فحسب أصواتهم، تذكّر ضحكاتِهم...

وانسَ أصوات القذائف المؤلمة. رجاءً تذكّر يا وطني الحبيب، بعد ما كنت أنتهي من اللعب مع رفاقي في »الساحة«، كيف كان »فرمشاني« (الصيدلي) الحيّ يضع سرّاً على جراحي »صبغة اليود« حتّى لا تعاقبني أمّي متى عدتُ إلى البيت. وكيف كنّا، أنا وأنت، نتمتّع بــ »حنّا الكوى« و»أبو أحمد اللحّام« يتعاركان عراكات بريئة في ما بينهما، تذكّر فحسب »عنتريّاتهما«...

وانسَ »العنتريّات« القاتلة الفظيعة. تذكّر عندما كنّا نتكلّم، أنا وأنتَ: كنتَ تعرف أنّني عندما أكبر كنت أريد أن أكون »عمّو يوسف«... فكنتَ تضحك... بمحبّة وأنتَ تهمس في أذني؛ كيف حضنتَنا أكثر من 6000 سنة، اعتنيتَ بالمواسم من أجلنا، أنتجتَ أشجار البرتقال، وأشجار الزيتون... أشجار »المحبّة«، وتأكّدتَ من أنّ العائلات كلّها تعيش بكرامة. لا تقلق يا وطني الحبيب،

وتذكّر فحسب العصافير تحلّق بحريّة، الرياح تلعب بـ»أباجور« النوافذ الكبيرة، تذكّر موسيقى بحرنا الأزرق...لا تقلق يا وطني الصغير؛ لا تخف، لأنّني لستُ خائفة... لأنّك لطالما... لطالما أظهرتَ لي أنّ الحياة دائماً، وحدها... تغلب في النهاية.

لذلك اسمح لي، سيّدي الشاعر العظيم، نزار قبّاني، اسمح لي بأن أغيّر إحدى قصائدك المشهورة فأقول: »هيّئي نفسك، فيروز، مغردتي... فأجراس وطني لن تقبل... إلا أن تقرع«.

ملاحظة: هذا الأسبوع، قمت بإعادة كتابة المقال أكثر من خمس مرات، لم يكن في استطاعتي أن أكتب أي موضوع يتعلق بالهندسة والعقارات،... لم يكن باستطاعتي إلا مشاركتكم بصور الحي الحقيقي للبناني الحقيقي...