يتكلف استقدام عامل بناء واحد إلى أي مشروع نحو خمسة آلاف درهم، ينفقها المقاول على شكل كفالة مصرفية ومعاملة إقامة وضمان صحي وغير ذلك. وهذا المبلغ الذي يتحول إلى ملايين الدراهم عندما توقع شركات المقاولات على عقود تنفيذ مشاريع بناء ضخمة فتحتاج لمئات العمال لإنجاز تلك المشاريع بتكلفة وزمن معينين.

وسرعان ما تتحول تلك المصاريف إلى مبالغ ضخمة وعبئا لا قبل لبعض شركات المقاولات وتحديدا »صغار المقاولين« على تحملها في الوقت الذي تعاني فيه تلك الشركات سلفا من ضائقات مالية أو نقص في سيولتها بسبب عدة التزامات منها الرواتب وثمن مواد البناء.

مما يدفع بأولئك المقاولين »وهم قلة« إلى سرقة عمال شركات مقاولات أخرى لتوفير المصاريف وادخار الوقت والجهد، ويرى البعض ان مخالفة المقاول من هذا النوع، غالبا ما تمر دون حساب!!

وليست هذه قصة من نسج الخيال أو ضربا من الإثارة الإعلامية، بل حقائق طفت على سطح القطاع، ووجدت هذه »العورة« من يسترها خوفا على سمعة قطاع البناء والتشييد الذي حقق ومازال، إنجازات عمرانية متفردة، ربما يصبح من الصعب في ظل وجودها التصديق بقصص من هذا النوع.

وتسعى »البيان« من خلال إلقاء الضوء على جوانبها المختلفة إلى تحفيز المعنيين للتدخل وتضييق الخناق عليها حتى لا تصبح »مشكلة« أخرى من العيار الثقيل وتضاف إلى قطاع البناء الذي يئن من شدة المشاكل التي يواجهها منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ويقول حسن الجاسمي مدير شركة الحضيبة للمقاولات »لقد فوجئنا باختفاء عدد من عمالنا بشكل جماعي، وكان الأمر سيمر مرور الكرام لو أنهم اختفوا منفردين أو على شكل متقطع. ولكن كان غيابهم او بالأحرى هروبهم جماعيا. ولم ننتظر طويلا بحثنا عنهم لأنهم على كفالتنا وسنتحمل مسؤولية أي مخالفات ربما يرتكبونها. ولكن دون جدوى.

ويضيف الجاسمي« تلقينا أنباء بعد مدة عن وجود عمالنا في أحد مواقع المشاريع الذي يعمل فيه أحد المقاولين. وشكل الأمر صدمة لنا لأن كل العمال الذين هربوا بشكل جماعي من شركتنا كانوا كلهم متواجدين ويعملون لدى ذلك المقاول«.

وكأحد الحلول السريعة لتثبيت الحقوق في قطاع البناء الذي كثيرا ما يصفه المعنيون بأنه يعاني من فراغ تشريعي وتنظيمي. بادر الجاسمي إلى إرسال من يقوم بتصوير مجموعة العمال في موقع العمل المذكور، والذهاب إلى وزارة العمل وإطلاعها على تفاصيل القصة كاملة

وتقديم الأوراق القانونية التي تثبت ان أولئك العمال الذين يعملون في موقع آخر ما هم إلا العمال الذين قامت الشركة باستقدامهم على كفالتها للعمل في مشاريعها وتحملت لإتمام تلك العملية كافة المصاريف المالية وما يترتب قانونا على تواجدهم داخل الدولة«.

ويؤكد الجاسمي »ان مسلسل الصدمات لم يتوقف. فحتى الآن لم تحرك وزارة العمل ساكنا. ولم تتدخل لإعادة أولئك العمال. ولا ندري ما السبب«. ويقول الجاسمي »ان هذه الحادثة لم تقع مع شركتنا فقط بل مع شركات أخرى معروفة، وإذا ما بقيت الحال على هذا المنوال فستكون العواقب سيئة أكثر مما نتصور.

فالعامل إذا لم يجد العامل المخالف لأحكام القانون ورادعا قويا يمنعه من التصرف على ذلك النحو فسوف يستسهل الآخرون تقليد أولئك المخالفين ليغوص السوق بمشاكل جديدة من الأفضل لو تم التدخل لتطويقها منذ الآن بدلا من تركها سائبة بلا حلول«.

ويرفع الجاسمي أصابع الاتهام بوجه بعض شركات توريد العمالة التي تقوم بتوضيح الثغرات الموجودة في عقد العمل ليستغلها في الهرب من كفيله. فيأتي العامل وهو عارف بأن بإمكانه الهرب من كفيله والعمل لدى شركات أخرى دون ان يطوله القانون«.

إذا عرف السبب

ويقول مقاول فضل عدم ذكر اسمه ان العمال الذين يتم استقدامهم إلى سوق العمل نوعان. النوع الأول من فئة العمالة الأمية غير المتعلمة لذا فهو يجهل القوانين المعمول بها في سوق العمل. وكثيرا ما يذهب هؤلاء ضحية للتغرير بهم . أما العمالة من النوع الثاني فغالبا ما يكون على قدر من التعليم أو أنه ذكي اجتماعيا و يعرف كل التفاصيل.

ويضيف »العامل الآسيوي ونتيجة ما يبلغه إياه أصدقاؤه ورفاقه العاملون في قطاع البناء بالإمارات، ونتيجة أوضاعه المادية والاقتصادية البائسة التي يعيشها، يصبح مندفعا إلى المجيء إلى الدولة بأي طريقة وبأقل الأجور.

لذلك فانه يكون عارفا بأدق تفاصيل وأوضاع سوق العمالة قبل أن تطأ قدمه ارض الدولة. وهذه المعرفة تمكنه من البحث السريع عن عمل آخر عن طريق رفقاء آخرين سبقوه طمعا بأجر أعلى«.

ويضيف »ليس كل العمال الذين يهربون من كفلائهم المقاولين، يطمعون برواتب أكبر من الرواتب التي تعاقدوا عليها قبل سفرهم إلى الإمارات، بل ان اغلب أولئك يروحون ضحية لتغرير رفاقهم الذين يحرضونهم على الانضمام إليهم والسكن معهم«.

ويشير إلى أن »بعض شركات المقاولات تدفع أجورا جيدة للعامل ولكن الأخير يهرب ويترك عمله لينضم إلى رفيق له في مشروع آخر وربما في إمارة أخرى غير التي يتواجد فيها كفيله«.

ويوضح بعض صور التغرير التي يصبح ضحية لها ومنها »أن لعاب العامل يسيل أمام اجر أعلى بقليل من أجره دون أن يفهم – وسيفهم ذلك في وقت متأخر- ان الأجر الجديد لا يتضمن توفير السكن له، خوفا من المقاول من ان تكشفه فرق التفتيش. بالإضافة إلى ان هذا العامل يجهل تماما انه بتصرفه هذا سيخسر مكافأة نهاية الخدمة التي يضمنها له قانون العمل.

ويقول جون كلارك، مدير تطوير الأعمال، في شركة »كونفرجنت فاليو إنجنيرينغ« أنا أعتقد أن هذه المشكلة بالإضافة إلى مستويات الأداء المتدنية، ستؤثر سلباً على النظرة إلى هذا القطاع بشكل عام. فقيام احد المقاولين باستقدام عمال على كفالة مقاول آخر مخالفة صريحة للقانون، ولا يعد تصرفا حكيما من ذلك المقاول، الذي ربما ينجح هذه المرة في تمرير مخالفته لكنه سيكون عرضة لمواجهة ما يترتب على مثل تصرفه.

ويرى كلارك ان للمشاكل المتعلقة بالعمالة نتائج سلبية وقال»لطالما كان قطاع البناء بالدولة مثالاً ساطعاًً في كل أنحاء المنطقة على مشاريع الإنشاء العالية الجودة والتي تنفذ بتكلفة اقتصادية في الوقت ذاته. لكن التحديات التي نواجهها اليوم هي الإخفاق في الوفاء بهذا الوعد.

وتقوم عدة شركات صغيرة في الوقت الراهن بتنفيذ مشاريع تفوق قدراتها النوعية والكمية والمالية بقدر كبير. وقد أدى ذلك إلى ضغوط كبيرة على الإمدادات والموارد نتيجة خطط التنفيذ التي تتم في آخر لحظة.

وقد ارتفعت أسعار العمالة أيضاً مما أدى إلى فرار العمال كنتيجة لتقديم الموردين والمقاولين بالباطن التزامات تفوق قدرتهم مقابل جني أرباح مالية في محاولة منهم لاستغلال هذا الازدهار في قطاع الإنشاءات.

وهذا يؤدي بدوره إلى إخفاق في الإيفاء بالالتزامات وخسائر للمقاولين ولمقاولي الباطن الأمر الذي يسبب مشاكل في السيولة المالية والتخلف عن السداد للموردين والعمال. وهذه السلسلة من الأحداث تؤخر المشاريع أكثر في حين تسبب تعقيدات أخرى في هذه المشاريع أيضاً.

اما الدكتور أحمد الحداد رئيس شركة الحداد العقارية وله مؤلفات عديدة حول سوق العمالة بالدولة، فيرى »إن ابرز الأسباب التي تدفع بالعامل إلى القبول بالهرب من كفيله هي الأجور القليلة التي يدفعها له بعض المقاولين، ولا نستطيع أن ننكر تأثيرات غلاء المعيشة في الدفع بذلك الاتجاه.

ويضيف الحداد أن من الأسباب الأخرى التي تجبر العامل إلى العمل لدى مقاول والقبول حتى بأجور مماثلة للأجر الذي أتفق على تقاضيه من المقاول الأول فتأتي بسبب تخلف المقاول الكفيل عن تسديد مستحقاته لشهور عدة، خلافا لقوانين العمل ولحديث الرسول المصطفى القائل »إعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه«.

ويتفق الحداد على أن توجه العديد من العمال بشكل جماعي أو منفرد للعمل لدى مقاول آخر ستسبب خسائر فادحة للمقاول الكفيل وعلى الأصعدة كافة. فالكفيل هنا- بحكم القانون يتحمل المسؤولية عن عماله- بالإضافة إلى تكبده مبالغ مالية كبيرة لتأمين متطلبات معاملات أولئك العمال.

ووصف الحداد تصرف بعض المقاولين بالالتفاف على عمال شركات مقاولات بـ»التصرف المخالف للقوانين والأعراف الأخلاقية ولتقاليد المهنة«. ونصح الحداد المقاول الذي يجد صعوبة في تأمين عمال بالطرق المشروعة إلى عدم ارتكاب تصرف مماثل طمعا بتنفيذ هذا المشروع او ذاك.

ويشير الدكتور الحداد إلى أن هذه المشكلة ستخلف تداعيات ليس لها أول ولا آخر، فبعد أن ينتهي المقاول الذي استقدم عمالة تعود لمقاول آخر، لابد له من تسريح عماله بدون حقوق تذكر عدا الأجور طبعا. ولكن العامل هنا سوف يواجه مشاكل جديدة ويتسبب أيضا في تعميق مشاكل موجودة سلفا.

فالعامل في هذه الحالة لن يعود في اغلب الأحيان إلى الكفيل القديم خوفا من قيام الأول بتسفيره بعد ان ابلغ الجهات المعنية عن هربه. مما يعني تحول هذا العامل إلى عامل هائم على وجهه بانتظار ان تسنح له فرصة عمل ربما يطول الزمن ولا تأتي.

ولم يستبعد الحداد ان تكون الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها أولئك العمال بعد تسريحهم من قبل المقاول الثاني سببا في جنوحهم وارتكاب العديد من جرائم السرقة والعياذ بالله.

ورأى الحداد ضرورة أن تكون هناك توعية إعلامية للعمال والمقاولين على حد سواء، وضرورة أن تكون هذه التوعية مكثفة وتشرح للعمال سلبيات ومساوئ هربهم من كفلائهم والعمل لدى مقاولين آخرين حيث يحرمهم ذلك من حقوقهم ويعرضهم إلى عقوبات يفرضها القانون.

وقال الحداد ان التوعية يجب ان تشمل المقاولين من خلال توضيح تبعات تصرفهم المخالف لأحكام قوانين العمل، ومعاقبة المقاول الذي يصر على مخالفته من خلال تغريره المتعمد لبعض العمال بالعمل لديه بعيدا عن الإجراءات القانونية المتبعة.

كتب مشرق علي حيدر