نشر مركز التحكيم الدولي بغرفة تجارة وصناعة دبي، دراسة مهمة تناولت أوضاع التحكيم في الأعمال الإنشائية في المنطقة، وتساءلت الدراسة التي كتبها المهندس والمحكم الدكتور نائل البني »عن مواصفات عقود الإنشاء وصيغ العقود الإنشائية المعتمدة«.
وأضافت » تشكل مشاريع الإنشاءات في الشرق الأوسط،( وأضيف تحت هذه التسمية المشاريع الهندسية)، نقطة التقاط حضارات وأنظمة قانونية ومفاهيم كثيرة. ربما لهذا السبب، كان قطاع الإنشاءات والهندسة في مقدمة التكنولوجيا والتطور من نواحٍ كثيرة وفي أجزاء متعددة من الشرق الأوسط ويتعلق إحدى تلك النواحي بصيغة العقد المستخدم،
والذي يعتبر جزءا هاما من هذه الورقة، نظراً لأن العقد يتضمن بصورة عامة البند الخاص بحسم النزاع في الاتفاقية بين الأطراف فإن معظم عقود الإنشاء تنص على أن التحكيم يكون الطريقة النهائية لحسم النزاع وكان هذا ناجماً بصورة أساسية عن اتفاقية نيويورك لعام 1958 المتعلقة بالاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها.
وتعتبر عقود الإنشاء، وخاصة تلك العقود المبرمة على الصعيد الدولي، مرة ثانية من المبادئ القانونية من خلال شروطها، والتي تفرض نفسها على قانون العقود المطبق بين الأطراف المعنيين، إن شروط العقد في الشرق الأوسط، غالباً ما تكون نابعة من صيغ العقود القياسية التي ينشرها الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين.
إن صيغ العقود المستخدمة في مشاريع الهندسة المدنية في الشرق الأوسط قائمة في أصلها على الصيغة التقليدية لعقد الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين، الكتاب الأحمر القديم، نظراً لأن هذا الكتاب يمثل مستندا متوازنا ويعطي صيغة قياسية تعاقدية ممتازة للعقد ويحتوي على قواعد كافية لعقد الإنشاء، إلا أنه يتم عادة إدخال بعض التعديلات في هذه الشروط القياسية وخاصة فيما يتعلق بمركز وسلطة المهندس، وفي المسائل المتعلقة بآلية حسم النزاع.
وعندما حدثت ظاهرة عقود التصميم البناء في الغرب، في أوائل التسعينات، استحوذت تلك العقود أيضاً على الشرق الأوسط، وقد اعتبرت في البداية بأنها أولاً طريقة تتناسب مع التمويل الخاص للمشاريع الإنشائية والذي بدأ يظهر إلى حيز الوجود، بما في ذلك مشاريع البناء – التملك – النقل ومشاريع البناء- التشغيل – النقل.
واعتبر أيضاً ظهور عقد التصميم البناء كوسيلة للتخلص من فكرة » المهندس المستقل« والمحايد الاسطورية بصفته شبه محكم يقوم بدور تسوية المنازعات ولقد كانت فكرة المهندس المستقل والمحايد في الحقيقة غير محببة لدى جميع الأطراف الثلاثة في عقد الإنشاء في الشرق الأوسط: صاحب العمل والمقاول والمهندس نفسه أيضاً
ويمكن تبديد أي شكوك حول هذا الموضوع بقراءة التقرير النهائي عن مسح أجرته جامعة ريدنغ بناء على طلب مؤسسة المقاولين الأوروبيين الدوليين، والاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين والذي نشر في عام 1996 عن فكرة المهندس المستقل المحايد.
ويعتبر التحكيم في نماذج العقود القياسية التي نشرها الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين وكذلك في العقود المستخدمة في الشرق الأوسط، الطريقة النهائية لتسوية المنازعات إلا أنه في عام 1987 تم إدخال مبدأ حسم النزاع بطريقة ودية كخطوة إلزامية أولى قبل أن يلجأ أي طرف للتحكيم ومؤخراً في عام 1995 و 1999 أضيفت خطوة إلزامية أخرى قبل الوصول إلى تحكيم لجان البت في النزاع.
إن كلا الطريقتين إلزاميتان مع اعتبار لجان البت في النزاع خطوة أولى وحسم النزاع بطريقة ودية خطوة ثانية يجب استغلالها قبل البدء في عملية التحكيم ومن شأنهما تخفيض إحالة النزاعات للتحكيم وحصرها فقط في النزاعات المعقدة والتي يصعب حلها وأشير إلى هذه الطرق المختلفة مجتمعة بعبارة علم التنازع.
علم التنازع
يضم علم التنازع في حقل الإنشاءات في الشرق الأوسط طريقتين من بين هذه الطرق الثلاث لحسم النزاع وذلك من خلال تطبيق المبادئ القانونية المقررة في القانون الإسلامي من جهة »يوجد هناك مبدأ حسم النزاع بطريقة ودية من خلال المصالحة أو التوسط« ومن جهة أخرى لدينا مبدأ وجوب احترام تطبيق الشروط التعاقدية المنصوص عليها في التحكيم.
ويقر التشريع الإسلامي مبدأ المصالحة في الأمور المدنية والتجارية، غير أن هناك استثناء وحيدا فقط يتعلق بأي حق من حقوق الله، وهو مأخوذ من مفاهيم حسم النزاعات في أمور الأسرة ، والتي تقوم على نصوص القرآن في سورة النساء، إن احترام أحكام التعاقد هو تطبيق مباشر للقرآن الكريم
حيث تنص الآية رقم 1 من سورة المائدة ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) وتعالج الآية رقم 34 من سورة الإسراء نفس الموضوع ونصها(....... وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً) وقد تم التأكيد على هذه في حديث نبوي مشهور بما معناه أن على المؤمنين الوفاء بعهودهم.
وحين بدأت الأطراف بتعديل بعض الشروط في الكتاب الأحمر الذي نشره الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين، لم تدخل أي من التغيرات في شروط عقد الإنشاء والمتعلقة بشروط المنازعات فبقيت المرحلة الثانية من حسم النزاع بالطريقة الودية،
ولكن الشروط التي كان يجب تنفيذها قبل الوصول للمرحلة النهائية، التي هي التحكيم، اختلفت من عقد لآخر، كما تباينت أيضا عدة نواحٍ تعاقدية هامة أخرى في العقود المختلفة: على سبيل المثال ، كيف يتم تقديم وإعداد المطالبة والمطالبة المتقابلة وما هو تعريف النزاع وكيف تتحول المطالبة إلى نزاع...؟
هل التحكيم في مشاريع الإنشاء له خصوصية ينفرد بها؟
إن أشكال التحكيم المتعلقة بالإنشاء معقدة عموماً وتنطوي على مسائل متداخلة كثيراً تتضمن المطالبات والمطالبات المتقابلة المتعددة والتي تنشأ بصورة رئيسية بسبب خصائص عقد الإنشاء نفسه. حيث تتصف عقود الإنشاء بالخصائص التالية والملازمة لها على مستوى عالمي وخاصة في الشرق الأوسط.
• فباستثناء بعض الظروف المحددة، يتعين على المقاول إنجاز العقد مع المالك، بصرف النظر عما يحدث في أثناء فترة الإنشاء ، بما في ذلك الحوادث والعوائق الأخرى.
• تحتاج المشاريع الإنشائية إلى مبالغ كبيرة من الأموال تقوم بتوفيرها البنوك والمؤسسات المالية وشركات التأمين التي تتطلب نوعاً من الضمان لتأمين سلامة رأس المال الذي تقوم تلك المؤسسات بتوفيره لتمويل المشروع.
• لا توجد أوجه شبه بين أي مشروعين من مشاريع الإنشاء، حتى عند تصميمها وإنشائها بطريقة مشابهة.
• إن الوقت المطلوب لتخطيط ومناقشة وتصميم وإنشاء وإنجاز المشروع الإنشائي يمتد غالباً على طول تلك الفترة والتي تكون غالباً أكبر من فترة التكرار الدوري للمخاطر الطبيعية الكثيرة التي تتعرض لها تلك المشاريع، ويعرف هذا في المصطلحات الإحصائية بعبارة الفترة المتكررة،
ورغم أن تأثير المخاطر مثل الزلازل والفيضانات والأعاصير إلخ ، مغطاة بالتأمين إلا أن غطاء التأمين لا يشمل فقدان الوقت، بالإضافة لذلك في حالة طلب تخفيض الفترة اللازمة للإنشاء يتم عندئذ وضع مصفوفة جديدة من المخاطر.
• إن المشاريع الإنشائية معرضة لمخاطر تنشأ بسبب تشجيع الأطراف ذوي العلاقة على زيادة المخاطر أو يحدث ذلك من قبل آخرين مشاركين أو استشاريين لهم.
• يعمل في المشروع الإنشائي عدد كبير من الأفراد يقومون بتقديم فكرة المشروع والتخطيط له وتصميمه وتوريد المواد والمعدات اللازمة له وإنشائه وإدارته والإشراف عليه وتشغيله وإصلاح أي خلل فيه، وهؤلاء الأفراد غالباً ما يأتون من طبقات اجتماعية مختلفة وخاصة في العقود الدولية فيأتون من دول وحضارات مختلفة.
• يأتي الأفراد المعنيون من شركات متعددة ويتطلب العمل في المشروع تفاعلا مكثفا بين عدد من الشركات التي تشارك في عملية الإنشاء بما في ذلك شركات التوريد وشركات التصنيع والمقاولون من الباطن والمقاولون الرئيسيون وكل منهم له التزاماته وأهدافه الخاصة به، وغالباً ما تكون هذه الالتزامات والأهداف غير متوافقة مع بعضهم الآخر ومن ثم ينشأ الصراع.
• تقع الكثير من المشاريع الإنشائية في مناطق معزولة ذات أرض وعرة وفي بعض الأوقات تمتد عبر مساحات شاسعة وتتعرض لمخاطر طبيعية يتعذر التنبؤ بشدتها وتواترها وفترة تكرارها.
• إن الصناعة الإنشائية صناعة تنمو وتتجدد بسرعة فالمواد التي يمكن اختيارها للاستخدام تشمل عادة منتجات جديدة لم يتم اختبار أدائها أو قوتها، إن التكنولوجيا المتقدمة والمعقدة ليست مرغوبة فقط بل أنها أيضاً لازمة في بعض المشاريع الإنشائية.
• وأخيراً وربما الأكثر أهمية، يتضح من الخبرة أن عدداً كبيراً من المنازعات في قطاع الإنشاءات يحدث نتيجة تطبيق وتفسير الشروط القياسية الخاصة بالعقد المستخدم،
لذا ففي حالة قيام الأطراف بفرض مجموعة من الشروط في عقودهم، فلا بد لهم من أن يدركوا بأن لهذه الشروط فعالية كنظام قانوني متفق عليه بالإضافة للقانون المطبق على عقدهم لذا يوجد في قطاع الإنشاءات جانب إضافي للقانون لا بد من الإلمام به وفهمه فهماً كافياً وهو ينمو ويصقل باستمرار ليفي بمتطلبات النوع المعين من المشاريع التي يتصورها المالك أو المتعهد وفريقه الاستشاري.
التحكيم الناشئ عن العقود في حالة تنفيذ التصميم من قبل صاحب العمل
لقد كتب الكثير عن موضوع هذا التحكيم الذي ينشأ عن عقود يقوم فيها صاحب العمل أو نيابة عنه بتنفيذ التصميم ولهذا السبب فإن القصد من هذه الورقة هو التركيز على مصادر شروط العقد التي وضعت مؤخراً والتي يقوم فيها المقاول بتنفيذ التصميم ويظهر هذا في الجزء التالي من الورقة.
التحكيم الناشئ عن عقود التصميم
بالرغم من أن عقد التصميم البناء هو عقد حديث نسبياً إلا أنه قد أنتج تدهوراً في التعاون بين الطرفين وقد أفرز هذا بعض حالات تحكيم معقدة للغاية، وكان هذا التدهور يدوّر هذه التحليلات التي تدور حول عدد من الأسباب أهمها ما يلي:
• تعديلات يقوم بها صاحب العمل في العقد تتمثل في إبدال التوزيع المتوازن للمخاطر الناجمة ينتج عنها انتقال المخاطر إلى المقاول.
• عدم قدرة صاحب العمل و / أو الاستشاريين العاملين لديه من تحديد دقيق وكاف لمتطلبات صاحب العمل وهو شرط خاص بعقد التصميم البناء.
• الحاجة لوضع حدود دقيقة وكافية بين المصمم والإنشائي وتحديد من هو الذي يتحكم بوضع تلك الحدود.
• الحاجة لإجراء تحقيقات في الموقع تتعلق بباطن التربة ويشمل ذلك إعطاء المعلومات غير الصحيحة أو غير الكافية.
• استخدام مبدأ تحقيق الغاية كأساس لتحديد مسؤولية المقاول عن التصميم في أمور التصميم .
• الحاجة لفهم الفرق بين دور ممثل صاحب العمل كمشرف ودور المراقبة التي يقوم بها المقاول في عقود التصميم البناء.
• عدم كفاية البيانات والقواعد بشأن ما يحدث في حالات التأخير وتعطيل العمل.
• الحاجة لفهم كيف يمكن أن تنشأ طلبات التغيير للعقد ومدى تأثيرها على التأخير والتعطل في المشروع بأكمله.
• الفراغ الناشئ عن إزالة المنازعات من المهندس.
• الصراع الإنساني حول ممارسة الصلاحية ومن هو المسؤول عن المشروع وتصميمه.
الاعتبارات العامة للتحكيم في الشرق الأوسط
إن حجم العامل الإنشائي الهائل الذي يجري تنفيذه في الشرق الأوسط رافقته زيادة مطردة في حجم أعمال التحكيم والتوفيق خلال العقد المنصرم وقد أدت هذه الزيادة إلى تحديث و أو تنظيم قانون التحكيم في عدد كبير من دوائر السلطات القضائية في المنطقة
وقد تم تسهيل هذه العملية بفضل القانون النموذجي الصادر عن هيئة الأمم المتحدة بشأن القانون التجاري الدولي ونجاحه العظيم وقد اكتسب تأييدا من دوائر سلطات قضائية كثيرة حول العالم كنموذج لقانون دولي جديد وحديث وهكذا حدث أيضاً في منطقة الشرق الأوسط.
وأصدرت تونس في عام 1993 قانون تحكيم، للتحكيم المحلي والدولي والجزء المتعلق بالتحكيم الدولي من القانون يقوم على أساس قانون لجنة الأمم المتحدة بشأن التحكيم التجاري الدولي وان يكون غير مربوط كلياً بالقانون النموذجي.
وفي إبريل 1994 تبنت مصر القانون النموذجي في قانون تحكيمها الدولي الجديد (مع بعض التعديلات).وبعد ذلك في عام 1994 تم وضع قانون التحكيم الدولي الجديد في البحرين والذي يقوم كلياً على أساس قانون لجنة الأمم المتحدة بشأن التحكيم التجاري الدولي النموذجي.وفي عام 1994 تبنت عمان قانون تحكيم جديد وهو قريب الشبه من القانون المصري لعام 1994.
ومن عهد قريب في عام 2001 نشر قانون التحكيم الأردني الجديد وفقاً لنموذج قانون هيئة الأمم المتحدة الخاص بالتحكيم التجاري الدولي وقريباً من قانون التحكيم المصري ولكن مع بعض التعديلات بعيدة المدى.
والناحية الأخرى من التطورات المهمة في إجراءات التحكيم في الشرق الأوسط تتعلق باتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها، بصفتها أهم اتفاقية متعددة الأطراف بشأن التحكيم الدولي وربما تكون إحدى الأسس المهمة للتجارة والاستثمار الدولي، وبناء على شروط الاتفاقية يتعين على كل دولة متعاقدة:
• أن تعترف باتفاقيات التحكيم الخططية وأن ترفض السماح برفع دعوى بشأن أي نزاع للتقاضي أمامها عندما تكون خاضعة لاتفاقية تحكيم.
• أن تعترف وتنفذ أي قرارات تحكيم أجنبية.
واعتباراً من فبراير 2000 بلغ عدد دول الشرق الأوسط الموقعة على اتفاقية نيويورك كدول متعاقدة إحدى عشر دولة وهي كالتالي الجزائر، البحرين، مصر، الأردن، الكويت، لبنان، المغرب، عمان، المملكة العربية السعودية، سوريا، وتونس.
من المتوقع أن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة صاحبة الاختصاص التالية التي تتبنى قانون التحكيم النموذجي – قانون هيئة الأمم المتحدة الخاص بالتحكيم التجاري الدولي وأن تنضم أيضاً الى اتفاقية نيويورك 1958 في المستقبل القريب.
