توقع خبراء اقتصاديون أن تؤدي التغيرات السكانية والنمو الاقتصادي السريع في الصين إلى موجة عارمة من الإنفاق الاستهلاكي في المدن من طبقة متوسطة جديدة. وركزت كثير من الشركات على خدمات المستهلكين في المدن الصينية في ظل النمو الاقتصادي السريع، وقالت ربعية مكنزي إنه في الوقت الذي كان فيه المستهلكون في المدن هم الوحيدون، كان منطقياً أن تركز الشركات على الاستفادة من ذلك.

لكن بحثاً حديثاً لمعهد مكنزي الدولي أشار إلى ظهور طبقة أكبر وأكثر تعقيداً من السكان هي الطبقة المتوسطة في المدن وتوقع أن تعيد تشكيل القوة الشرائية في السوق الصينية. وتعمل بعض الشركات على استغلال إنفاق هذه الطبقة لكن شركات أخرى كثيرة لا تزال تخاطر بعدم استغلال هذه الفرصة الكبيرة.

ويحصل أعضاء هذه الطبقة على دخل سنوي يبلغ 100 ألف يوان (12500 دولار أميركي) وتسيطر على 500 مليار يوان ــ أو 10% من الدخل الإنفاقي في المدن، رغم أن عددها يمثل 1% فقط من إجمالي سكان الصين.

وتستهلك هذه الطبقة سلعاً فاخرة ذات أسماء عالمية وتتيح الفرصة للعديد من الشركات للنجاح في الصين دون تعديل منتجاتها أو نظامها التجاري بشكل كبير. وبما أن هذه الطبقة تتركز حالياً في المدن الكبرى، فمن السهل تقديم الخدمات لها بالنسبة للشركات التي تدخل السوق الصينية حديثاً، والتي تعمل فيها من فترة سابقة.

غير أن الاعتماد على المستهلك في المدن قد يعني أن تخفق الشركات في اللحاق بالتغيرات الجذرية التي قد تحدث مع نمو الاقتصاد الصيني السريع، والتي تحمل في طياتها صدمات غير متوقعة وتحسن في مستوى معيشة مئات الملايين من مواطنيها.

وتشير التوقعات إلى أن مزيداً من الملايين سوف يهاجرون إلى المدن الصينية من الريف في العقدين المقبلين من أجل الحصول على وظائف بأجور أعلى وكان هؤلاء المهاجرين من أفقر طبقات الصين من قبل لكنهم صعدوا درجات سلم الدخل ويشكلون طبقة متوسطة جديدة هائلة الحجم.

وسوف يخرج ملايين السكان في الصين من فئة الفقراء في السنوات المقبلة. وهناك حالياً 77% من سكان المدن يعيشون على أقل من 25 ألف يوان سنوياً وتقدر مكنزي ان ينخفض هذا الرقم إلى 15% بحلول عام 2025، وعندئذ سيشكل سكان المدن في الصين أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم، وسينفقون نحو 20 تريليون يوان سنوياً، أي ما يعادل الإنفاق الاستهلاكي الياباني حالياً.

وتقوم هذه التقديرات على أساس سعر العملة الحالي، ولذلك قد تكون أقل من الواقع في تقدير قوة الإنفاق الاستهلاكي الصيني مستقبلاً. ويخلق هذا التطور فجوة بين الفقراء والأغنياء ويجعل الحكومة تركز على تجنب التوترات الاجتماعية والاقتصادية.

غير أن توقعات مكنزي تشير إلى أن الصين سوف تتجنب النمو المحموم في الاقتصاد الذي يسود في غالبية العالم النامي، والذي يؤدي إلى ظواهر مثل وجود عدد كبير من الفقراء ونسبة ضئيلة من الأغنياء وطبقة متوسطة محدودة. وحتى لو زادت الفجوة بين الفقراء والأغنياء، سوف يزداد ثراء الطبقة المتوسطة الكبيرة في الصين.

وتوقعت مكنزي مرحلتين في نمو الطبقة المتوسطة مع ظهور موجات فئات دخل مميزة تستطيع الإنفاق وتوقعت مكنزي أن تكون الموجة الأولى في 2010 من الطبقة المتوسطة الدنيا التي يتراوح دخلها بين 25000 و40000 يوان سنوياً للأسرة، وبعد عقد من الزمان تأتي موجة الإنفاق من الطبقة المتوسطة العليا التي يتراوح دخلها بين 40 و100 ألف يوان سنوياً للأسرة،

وقد تبدو هذه الأرقام منخفضة بالنسبة للدخول في دول العالم الغنية، لكن هذه الفئة تدخل تحت الطبقة المتوسطة حسب المعايير الدولية، وتعادل فئة الدخل البالغة 100 ألف يوان في الصين، فئة الدخل البالغة 40 ألف دولار سنوياً في أميركا.

وسيصل عدد أعضاء الطبقة المتوسطة الدنيا 290 مليون بحلول 2011، لتمثل أكبر طبقة من سكان المدن في الصين وتمثل 44% منها، ويصل النمو لذروته في هذه الطبقة بحلول 2015، ويصل إنفاقها إلى 4.8 تريليونات يوان.

وفي الموجة الثانية، بحلول 2025 سيصل عدد أعضاء هذه الطبقة 520 مليون نسمة أي أكثر من نصف سكان المدن المتوقع في الصين، ويصل دخلها الإجمالي إلى 13.3 تريليون يوان.

وهناك عنصران ملحوظان في الطبقة المتوسطة الجديدة في الصين ـــ أولاً أنها ستكون من الشباب، مقارنة بنظيرتها في الدول الغنية، حيث تميل هذه الطبقة لأن تكون في أواسط العمر في الولايات المتحدة مثلاً يزداد نمو الدخل بسرعة في الفئة العمرية 45 ــــ 54 سنة.

وتستثمر الحكومة الصينية حالياً في التعليم العالي، مما يعني أن الطبقة المتوسطة المستهلكة ستكون في الفئة العمرية 25 ـــ 44 سنة. وثانياً إن الطبقة المتوسطة الجديدة سوف تفوق بمراحل فئة سكان المدن الحالية، من حيث الحجم والقوة الشرائية والإنفاق،

وسيكون هناك طبقات فرعية في هذه الفئة اعتباراً من 2010، لكن عددها الإجمالي سيظل 40 مليون أسرة بحلول 2025، تمثل 11% من إجمالي سكان المدن، وسيصل إجمالي استهلاك هذه الطبقة إلى 5.7 تريليونات يوان، أي 41% من إنفاق الطبقة المتوسطة إجمالاً.

وعلى الشركات أن تعدل استراتيجياتها لتشمل الطبقة المتوسطة الجديدة التي تمثل قلب القوة الاستهلاكية والشرائية، بدلاً من التركيز على الأثرياء من سكان المدن فقط، الذين يمثلون رأس الجيل الجليدي الطافي فقط. ويشكل ذلك بضع تحديات للشركات، لكنه يمثل في الوقت نفسه فرصاً ذهبية واسعة باتساع الصين ذاتها.

ترجمة: أشرف رفيق