على حافة دائرية حول منصة للعرض تجلس فتاة صغيرة بهدوء طفولي لا يخلو من انفعالات عفوية، تزيح خصلات شعرها الشقراء المتدلية عن وجهها، وترقب باهتمام عروض السيرك ضمن أسبوع مفاجآت المغامرات المرحة في مركز»ابن بطوطة« الذي تنظمه دائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي، تضحك طويلاً وفجأة ترتسم على وجهها ملامح الخوف والقلق في متابعتها لحركات بهلوانية غير متوقعة ونهاياتها مخيفة،
وبلا سابق إنذارتبدد ابتسامات الفرح قلقها، وإلى جانبها اصطف مئات الأطفال مشكلين لوحة جمالية ليحكوا في الخيال قصصاً طويلةً بعد المتعة والتشويق، في ظل رعاية أسرية من آباء وأمهات ينتهزون الفرصة لمتاعبة أخبار الحرب على لبنان وقصف إسرائيل للمدنيين.
وفي وقت مقتطع تخلو المنصة من الفعاليات، فينسحب المتابعون بحثاً عن حاجياتهم أو ربما عن متعة أخرى تخفيها لهم المفاجآت، إلا تلك الصغيرة ذات خصلات الشعر الشقراء، ترفض توسلات والديها وتبقى متسمرة وعيناها مشدودتان إلى المنصة انتظاراً للمزيد، ولسان حالها يستجدي عودة من أفرحوا قلبها، تبكي وتصرخ وتفلت من أيدي والديها، وكأنها تقول ارحلوا واتركوني، ذهب الجميع وظلت بشقاوتها جالسة تنتظر الأمل، ولم يجد والداها سوى الضحك مواساة لها في هذه اللحظات.
مضت عشرات الدقائق قبل أن تنجح هذه الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها بضعة أعوام في تبرير إصرارها على البقاء، وبينما اضطر الوالدان الجلوس إلى جانبها ومشاركتها الانتظار، عادت فرق العرض لمباشرة عملها بعد توقف دام أكثر من نصف ساعة، لتعود معها ابتسامات المتعة والنصر والفرح للطفلة الصغيرة، التي راحت تنظر في عيون والديها لتعبر عما لم يسعفها به لسانها، ولم تكن رسالتها لتتخطى بضع كلمات اشترك المتابعون للمشهد في تفسيرها، وهي »ألم أقل لكما أنهم سيعودون«.!
معركة بريئة
معركة بريئة تختصر الكثير من الجمل أصرت هذه الطفلة أن تكون البطلة المنتصرة فيها، لا سيما وأن فعاليات مفاجآت المغامرات المرحة جاءت كثيرة ومتنوعة بمختلف المراكز التجارية في دبي، عناوينها عديدة وفحواها جميل وممتع، وفي كل فقرة يشترك العشرات أو المئات من الصغار، يمرحون ويتمتعون بينما يظل آباؤهم وأمهاتهم على أقدامهم واقفين، متحملين عناء الانتظار في سبيل تأمين أجواء من الفرح والتسلية والفائدة لفلذات أكبادهم.
حال هذه الطفلة ربما تكرر في أماكن أخرى منتعشة بفعاليات المغامرات المرحة في دبي، خصوصاً وأن عشرات الفعاليات الجادة والمرحة تحظى مساء كل يوم بإقبال غير مسبوق من جمهور الأطفال والعائلات الآتين من الإمارات وبقية الدول العربية، ولأن هذه الفعاليات تجري في وقت خرج فيه الصغار من انتظام دراسي أو قيود بيتية، كان لا بد لعلماء الاجتماع من تفسير وتحليل للوقوف عند هذا الواقع المرح.
الدكتور أحمد العموش أستاذ علم الاجتماع في جامعة الشارقة أبدى ارتياحاً كبيراً لما يمكن أن تضيفه المبادرات المرحة إلى شخصية الطفل الأحوج إلى مثل هذه الأنشطة والممارسات، والتي تصب في صالح صحته النفسية المتكاملة، موضحاً أن التفاعل الاجتماعي في الإمارات تحديداً يعد شبه مفقود، لذلك فإن الضحية الأكبر هنا هو الطفل الذي يجد نفسه أسيراً للمتطلبات المادية دون الجانب العاطفي أو المعنوي.
عزلة اجتماعية
وأكد أنه أنهى منذ فترة قريبة دراسة بحثية عن المشكلات الأسرية في مجتمع الإمارات، وكانت النتيجة أن 67 في المئة من العائلات تعاني ضعف العلاقات الأسرية والتواصل مع الآخرين، والسبب ضغوط العمل والتحديات الاقتصادية الداخلية والخارجية، التي تؤثر سلباً على الأطفال الذين يعيشون ظروفاً عاطفية صعبة، ولا بد من الالتفات إليهم.
دراسة أخرى أظهرت أن الأطفال يفتقدون كثيراً للاهتمام العاطفي والمعنوي المساهم الأكبر في تكوين شخصياتهم كما أوضح العموش، لافتاً إلى أن الأب يظهر اهتماماً مبالغاً بأبنائه في الجوانب المادية على حساب العاطفية، فالسعادة الأسرية مفقودة نتيجة لانشغال قطبي العائلة، والأب وإن جلس مع أبنائه يبقى وجوده معهم عضوياً وليس ذهنياً وعقلياً،
لذلك توفر المفاجآت المرحة ملاذاً آخر للتخلص من روتين الإهمال العاطفي الأسري، والبقاء مع أطفال آخرين ومشاركتهم في فعاليات متنوعة تمنحهم مزيداً من الفاعلية والفائدة.
وأضاف أن الأطفال في المجتمعات العربية يعانون ضغوطاً تفوق حجمهم، ومفاجآت صيف دبي تمثل أداة حقيقية لتنشيط العقل وتنمية المهارات المختلفة لديهم، وكل مفاجأة تحمل رمزاً أو معنى،وجميعها تعمل على تنشيط الطفل ذهنياً وحركياً وعقلياً،
أما المغامرات المرحة فتجبر الصغار على استخدام عقولهم وتفكيرهم في قالب من اللعب والمشاركة، لذلك فإن هذه الأفعال ذات مضامين نفسية عضوية اجتماعية، وتمنح الأطفال فرصاً أكبر من التفاعل الاجتماعي الذي بات شبه معدوم لدى العائلات النووية التي تمثل واقعاً عريضاً لنمط العيش الحديث.
برامج مدروسة
وأضاف أن مفاجآت صيف دبي أصبحت ملاذاً آمناً لدى الكثيرين، لذلك يتعين على القائمين عليها تفعيل مبادرات تجبر الصغار على تكوين صداقات لهم بفعل برامج اجتماعية ونفسية مدروسة، فالفعاليات بمجملها تنمي شخصية الطفل وتوسع مداركه وتمنحه آفاقاً واسعة للذكاء والتفوق،
مشيراً إلى ضرورة إبراز جانب المغامرة لدى الصغار والتي تتحدد بحثهم على البحث عن الأشياء واكتشافها بجد واهتمام، فمتطلبات الحياة العصرية تفرض على الجميع المغامرة في اكتشاف العالم المحيط والتعايش مع أسراره.
محمد عبد الله عضو اللجنة المنظمة لأسبوع المغامرات المرحة أوضح أنه تم عقب اختيار دائرة الصحة لتنظيم هذه الفعاليات تشكيل لجنة لمتابعة المقترحات والإجراءات اللازمة، وجرى بعد ذلك وضع مقترحات من موظفي الدائرة البالغ عددهم 8500 شخص، لجعل هذه الفعاليات أكثر تميزاً،
وبعد أن رست اللجنة على عدد من الأفكار والمقترحات تم طرحها على شركات عالمية متخصصة في توفير الفعاليات المرحة، لتزخر في نهاية المطاف مراكز دبي التجارية بعروض أخاذة لا تترك لدى المتابعين سوى البهجة.
وذكر عضو اللجنة المنظمة بعضاً من الفعاليات في مركز برجمان، حيث تتوفر أركان يتسابق ويلهو خلالها الأطفال بمغامرات حول العالم ويتعلمون مهارات عديدة، منها للقراصنة ولرعاة البقر ولأدغال أفريقيا، إضافة إلى المغامرات العربية وعروض الأكروبات الصينية وسيرك الحيوانات والرجل العجيب، والتي في مجملها تضيف للمشاركين تعليماً ممزوجاً بالتسلية، من شأنه أن يعرفهم بعادات وتقاليد الشعوب، وينمي لديهم مهارات الذكاء والمشاركة والعمل الجماعي.
إلحاح طفولي
حمد مبارك القمزي الذي يعمل موظفاً حكومياً في العين كان واحداً ممن جذبهم سحر الإمارات مول المتلألئ بفعاليات الصيف المتميزة، ليأتي مع بناته الثلاث متابعاً العروض ومشاركاً لآلاف العائلات متعة صيف دبي، وهو يقول أنه وبالرغم من أن الفعاليات تبدو تقليدية ومكررة إلا أنها نجحت وبصورة كبيرة في جعل الآباء يعيشون تحت ضغوط متواصلة من أبنائهم الصغار للالتحاق بها والعيش مع فقراتها الجذابة لأطول وقت ممكن.
وأضاف أن إلحاح بناته الصغيرات أجبره على المجيء إلى مول الإمارات في دبي، من أجل عيش جانباً من فعاليات الصيف ومفاجآته المرحة، موضحاً أن التنظيم اللافت للفعاليات المتجددة في كل أسبوع جعلها مقصد الكثيرين من المقيمين والسياح العرب والأجانب،
حيث تتوفر في كل يوم فقرات جديدة ومفاجآت مبتكرة، مشيراً إلى أنه مضطر للبقاء متجولاً ومتابعاً للفعاليات إلى أن تتعب بناته الصغيرات فيمسين على حافة النوم، عندها يغادر إلى العين مكتفياً بمتعة بضع ساعات في دبي، إلى أن تحين ساعة الصفر ويتجدد إلحاح الطفولة البريء.
معرفة تتخطى الحدود وتجسد روح التحدى
قال حمزة عباس رئيس اللجنة المنظمة لمفاجآت المغامرات المرحة، إن الأسبوع الذي حظيت برعايته دائرة الصحة والخدمات الطبية حمل في طياته أشكالاً متباينة للترفيه والخروج عن واقع الضغط الدراسي، فكان مليئاً بالمعلومات التثقيفية التي حصل عليها الصغار بطرق متعددة، مشيراً إلى أن المغامرات المبتكرة والنوعية في مراكز دبي التجارية تنمي مهارات الصغار وتزودهم بشتى أنواع المعرفة التي تتخطى الحدود لتجسد روح التحدي والمنافسة عند المشاركين.
وأضاف أن مفاجآت صيف دبي بصورة عامة تتشارك فيها مختلف دوائر دبي، لا سيما دائرة السياحة والتسويق التجاري التي تنسق مع الدوائر المختلفة بهدف رفع اسم دبي عالياً في عالم السياحة والتسويق، وذلك يعززه الأمن والاستقرار الذي تحظى به الإمارات، إضافة إلى الخدمة المتميزة وتعدد الأماكن والفعاليات الترفيهية، وهذه العناصر مطلب مشترك لأي سائح يود إمضاء إجازة مميزة ومفيدة في أية بقعة على الأرض.
وأشار إلى أن فعاليات المغامرات المرحة حظيت بإقبال كبير من الجمهور، إذ باتت الأجنحة المقامة فيها الفعاليات بالمراكز التجارية محط أنظار مئات العائلات من مختلف الجنسيات، وذلك نتيجة لتوفير بدائل كثيرة للصغار هدفها إشباع رغبات الأطفال وعائلاتهم، عن طريق ممارسة ألعاب مهارية والعيش مع ورش عمل ابتكارية،
ومسابقات تختتم بجوائز وهدايا مجانية إمتاعاً للصغار والمشاركين، وذلك بالرغم من الأوضاع السياسية الصعبة التي تعيشها لبنان، حيث اضطررنا إلى التقليل من النشاط الإعلاني والترويجي لهذه المفاجآت تعاطفاً وتضامناً مع الشعب اللبناني.
دبي ــ عنان كتانة
