تعيد التطورات المتلاحقة الأخيرة التي حدثت في البورصات العربية والخسائر الكبيرة التي لحقت بالمستثمرين العرب وأدت إلى حالات وفاة وطلاق وتغيرات اجتماعية خطيرة، تعيد هذه التطورات قضية الاستثمارات العالمية والمحلية إلى البحث بين التوجه السليم لاستثمار الفائض من الأموال العربية،

وهل من الأفضل تطوير بورصات الأوراق المالية باعتبارها آلية كبيرة من آليات النظام الرأسمالي تُستثمر الأموال فيها دون أضرار بالغة؟ أم أن سحب الأموال منها وتوجيهها للاستثمار المباشر في إنشاء مشروعات إنتاجية وخدمية هو الأفضل والأضمن؟

والمفاضلة بين الاستثمار المباشر والاستثمار غير المباشر في بورصات الأوراق المالية تتطلب دراسات عميقة، وقد يمكن استنتاجها عن طريق استعراض دقيق لأوضاع الاستثمار في دول العالم المختلفة خاصة تلك الواردة في تقرير الاستثمار العالمي لعام 2005 بالمقارنة مع الأوضاع السائدة خلال السنوات السابقة،

حيث أن هذا التقرير يعتبر أهم التقارير التي يصدرها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية )صخشء( التابع لمنظمة الأمم المتحدة، وهو الذي يعطي فكرة واضحة عن البيئة الجاذبة للاستثمار الأجنبي والحث على تنمية المشروعات المحلية والعالمية .

لقد عرض التقرير في البداية ثلاثة أشكال رئيسية لتمويل الاستثمار الأجنبي المباشر، الأول هو المساهمة في المشروعات الإنتاجية والذي استأثر بنحو ثلثي مجموع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال العقد الماضي، يليه التمويل بالقروض ونسبته كانت 23%،

ثم استثمار الأرباح المحتجزة الذي كانت نسبته 12%،وقد ارتكز التقرير على محورين رئيسيين أولهما تحليل تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتوزيعها الجغرافي خلال عامي 2004 و 2005، والثاني تمويل البحث والتطوير والتنمية، وتوجد اختلافات ملحوظة في نمط تمويل الاستثمار الأجنبي المباشر بين الدول المتقدمة والدول النامية، فالأرباح المعاد استثمارها تتسم على نحو ثابت بأنها أكثر أهمية في الدول النامية .

ولقد شهد عام 2004 تزايد في مجال التدفقات الداخلية في الاستثمار الأجنبي المباشر على الصعيد العالمي بنسبة طفيفة بلغت 2% بعد أن عانت التدفقات من الانخفاض لمدة ثلاث سنوات متتالية، لتسجل نحو 648 مليار دولار في عام 2004،

استحوذت الدول النامية منها على 36% وهو أعلى مستوى لها منذ عام 1997 بزيادة نسبتها 40% مقارنة بعام 2003، وفي المقابل عانت الدول المتقدمة من انخفاض نسبته 14% وحافظت الولايات المتحدة على ترتيبها في المقدمة باعتبارها المتلقي الأول للاستثمار الأجنبي المباشر تليها المملكة المتحدة والصين .

ويعزي نمو الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل خاص في الدول النامية إلى المنافسة القوية بين الشركات والتي أدت بها إلى انتهاج طرق جديدة لتحسين قدرتها التنافسية، والمتمثلة في توسيع أعمالها في الأسواق سريعة النمو بالاقتصادات الناشئة، وكذلك في ترشيد الأنشطة الإنتاجية بهدف جني وفورات الحجم الناتجة عن تخفيض تكاليف الإنتاج،

علاوة على ما سبق فإن ارتفاع أسعار كثيرة من السلع الأساسية أدى إلى حفز الاستثمار الأجنبي المباشر للتوجه إلى الدول الغنية بالموارد الطبيعية مثل النفط والمعادن. وفيما يخص الزيادة في التدفقات الداخلة لبعض الدول المتقدمة يرجع ذلك بصفة أساسية إلى ازدياد نشاط عمليات الاندماج وشراء الشركات عبر الحدود ََُّّْ ُْلمْ،

أما في مجال التدفقات الخارجة كان من الواضح أن الاستثمار الأجنبي المباشر ازداد بنسبة 18% لتسجل 730 مليار دولار في عام 2004 وقد شكل نصيب الشركات التي توجد مقارها في الدول المتقدمة معظم هذه الزيادة ( 637 مليار دولار ) ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ولكسمبورج قد استحوذت على قرابة نصف مجموع الاستثمار الأجنبي المباشر المتجه إلى الخارج.

وظلت الدول المتقدمة كمجموعة مصدرة صافية مهمة لرؤوس الأموال من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر حيث تجاوزت التدفقات الصافية الخارجة التدفقات الصافية الداخلة بنحو 260 مليار دولار، وفي المقابل انخفضت التدفقات الخارجة من الاستثمار الأجنبي المباشر من دول الاتحاد الأوروبي بنسبة 25 % لتقتصر على 280 مليار دولار ( وهو أكبر انخفاض منذ سبع سنوات )،

إلا أن معظم الدول المتقدمة قد زادت من استثماراتها في الخارج، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي زادة استثمارها من 90% لتصل إلى 229 مليار دولار، ويقدر مجموع الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 9 تريليونات دولار في عام 2004، ساهم في ذلك نحو 70 ألف شركة عبر وطنية والشركات التابعة لها بالخارج وعددها 690 ألف شركة .

ومن الجدير بالذكر أن انخفاض أسعار الفائدة وزيادة الأرباح وانتعاش أسعار الأصول قد أسهم ـ في الدول المتقدمة - في حدوث طفرة في عمليات اندماج وشراء الشركات، بما في ذلك عمليات الاندماج والشراء عبر الحدود، وقد قفزت قيمة هذه العمليات بنسبة 28% لتصل إلى 381 مليار دولار ولتمثل نسبة 6,27 % من إجمالي الاستثمار العالمي،

وأدت هذه المعاملات دورا هاما في عملية إعادة الهيكلة والدمج المستمرة في كثير من الصناعات ولا سيما في الدول المتقدمة، وكانت أكبر صفقة اندماج وشراء شركات في عام 2004 هي شراء شركة «آبي ناشيونال» فققم؟ خفُّيَُفٌ ) المملكة المتحدة ) من جانب شركة « سانتاندر سينترال هيسبانو» سفَُّفَلمْ مَُّْفٌ )بيَِّفَُ( والتي بلغت قيمتها 16 مليار دولار.

وسجل الاستثمار الدولي في قطاع الخدمات نموا مطردا وخاصة قطاع الخدمات المالية، حيث بلغ نصيب قطاع الخدمات 63% من قيمة عمليات اندماج وشراء الشركات عبر الحدود في عام 2004،

واستحوذ قطاع الخدمات المالية على ثلث قيمة تلك العمليات في هذا القطاع، وقد تناول تقرير الاستثمار العالمي لأول مرة هذا العام تصنيف أكبر 50 شركة مالية متعددة الجنسيات تهيمن على الخدمات المالية، ليس فقط من حيث مجموع الأصول ولكن أيضا من حيث عدد الدول التي تعمل فيها.

وفي مجال التوزيع الجغرافي للاستثمارات العالمية فإن إفريقيا وآسيا يعتبران من أهم المناطق حيث بلغ نصيب إفريقيا نحو 3% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ( 18 مليار دولار) دون تغيير يذكر عن عام 2003، وهي تمثل نسبة منخفضة على صعيد الاستثمارات العالمية،

وتعد كل من أنجولا وغينيا الاستوائية ونيجيريا والسودان ومصر أكبر متلق لهذه التدفقات إذ بلغ نصيبهم مجتمعين ما يقرب من نصف إجمالي التدفقات الداخلة على إفريقيا، وبالرغم من تزايد تدفقات الاستثمار الأجنبي الواردة إلى الدول الثلاث الأخيرة إلا أن التدفقات الواردة إلى جنوب إفريقيا قد حققت تراجعا، بينما تلقت الدول الأشد فقرا والأقل نموا في إفريقيا نسبة ضئيلة جدا من الاستثمارات اقتصرت على نحو 9 مليارات دولار.

وأُطلقت عدة مبادرات مؤخرا تشدد على تحفيز زيادة الدعم الدولي للتنمية في إفريقيا، منها على سبيل المثال تأسيس لجنة إفريقيا من جانب المملكة المتحدة التي أصدرت تقريرا في مارس 2005 توصي فيه بزيادة المعونة المقدمة لإفريقيا من خلال تقديم مبلغ إضافي قدره 25 مليار دولار في العام ينفذ بحلول عام 2010،

كذلك اعتماد إلغاء الديون الخارجية بنسبة 100%، ودعم المناخ الاستثماري في إفريقيا في إطار مبادرة الشراكة الاقتصادية الجديدة من أجل تنمية إفريقيا ( نيباد ) وإنشاء صندوق يوفر التأمين للمستثمرين الأجانب في الدول الخارجة.

وعلى مستوى آسيا والأقيانوس كانت هذه المنطقة تعتبر من أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر بين الدول النامية وقد اجتذبت منطقة آسيا والأقيانوس استثمارا أجنبياً مباشرا قدره 148 مليار دولار في عام 2004 بزيادة قدرها 46 مليار دولار عن عام 2003،

وقد شهدت منطقة شرق آسيا معظم هذه التدفقات الداخلة كانت نسبتها 46% لتبلغ 105 مليارات دولار (تشكل معظم هذه الزيادة التدفقات المتجهة إلى هونغ كونغ والصين)، كما قفز الاستثمار الأجنبي المباشر في جنوب شرق آسيا بنسبة 48% ليصل إلى 26 مليار دولار، في حين أن جنوب آسيا (الذي شغلت فيه الهند مركز الصدارة) قد تلقى 7 مليارات دولار بارتفاع نسبته 30%

كما ارتفعت التدفقات المتجهة إلى غرب آسيا إلى 8,9 مليارات في عام 2004 مقابل 5,6 مليارات في عام 2003، وقد تركز أكثر من نصفها في المملكة العربية السعودية وسوريا وتركيا، وظلت الصين أكبر بلد نام متلق للاستثمارات إذ بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلة إليها 61 مليار دولار.

وفي ضوء هذا التقرير العالمي والأحداث الأخيرة في البورصات العربية وبعض البورصات العالمية والتي أدت إلى أضرار اقتصادية بالغة للاقتصاد العربي، فإنه من المقترح على المستثمرين العرب:

ـ التفكير في التوجه مباشرة إلى الاستثمار الإنتاجي المباشر البعيد عن البورصات والمضاربات.

ـ دراسة المشروعات التي يتم فيها الاستثمار عن طريق مكاتب لدراسات الجدوى والاهتمام بأماكن الاستثمار.

ـ أن تكون البداية في المشروعات المحلية ثم الخليجية ثم العربية،ثم المشروعات التي تفيد المنطقة العربية.

ـ يفضل أن يتم الاستثمار عن طريق شركات استثمار عربية متعددة الجنسية تنشأ خصيصا لهذا الغرض وبعيدا عن الشركات الأجنبية المتعددة الجنسية.

ـ سحب الاستثمارات من المشروعات التي يظهر فشلها في التطبيق العملي وإعادة ضخها في المشروعات الرابحة ماديا ومعنويا وقومياً.

إن ذلك يتطلب اجتماعا لخبراء الاستثمار العربي يتم تنظيمه عن طريق المنظمات العربية المتخصصة والحكومات العربية ويمكن أن يكون تحت إشراف جامعة الدول العربية، على أن يتم فيه بحث توجهات الاستثمار في العالم العربي بما يفيد المستثمرين العرب والمنطقة العربية على السواء.

كاتب اقتصادي مصري