المشهد الأول: إيجاد المسكن المناسب أصبح حلماً بعيد المنال مع الزيادة الجنونية في الأسعار والتي تؤكد المؤشرات أنها لن تنخفض خلال العام الحالي وستستمر حتى ثلاث سنوات مقبلة، ففي الوقت الذي كانت تؤجر فيه الشقة الكائنة في بناية قديمة ومتهالكة بـ 20 ألفا في السنة، أصبحت تؤجر الآن بما يزيد على 50 ألفا ليصبح المستأجر هو الحلقة الأضعف،

حيث لم يعد بوسعه رفض شروط أغلبية الملاك الذين يحكمون ويأمرون ويبالغون في مطالبهم من دون رحمة. كشفت لجنة فض المنازعات الايجارية التابعة لبلدية مدينة الشارقة عن عدد القضايا المتداولة امامها خلال عام 2005 حيث بلغت 2432 دعوى عملا بالقانون 6 لسنة 2001 اغلبها قضايا اخلاء إداري لعدم سداد القيمة الايجارية.

بدأت دائرة الخدمات الاجتماعية والمباني التجارية اتخاذ إجراءات جديدة لوقف ظاهرة الخلو في الشقق والمحلات التجارية التي انتشرت أخيراً في إمارة أبوظبي. تشكل قضايا زيادة الايجار المعروضة على لجنة الايجارات في دبي نسبة 50% من اجمالي القضايا التي تتلقاها اللجنة والتي تتراوح ما بين 60 إلى 70 قضية ايجارية في الأسبوع.

بلغ عدد الشكاوى الإيجارية التي قدمت إلى لجنة المنازعات الإيجارية في بلدية عجمان من مطلع العام الحالي إلى منتصف الشهر الحالي 520 شكوى إيجارية. تلك كانت عينات مما تناقلته الصحف اليومية الصادرة في الدولة، كما تلاحظون ان عناوين ارتفاع الايجارات وعلاقة المؤجرين بالمستأجرين باتت أكثر المواضيع التي يتم تداولها عبر وسائل الاعلام المختلفة، بل اصبح من النادر ان يكون هناك حديث في احد المجالس يخلو من التطرق الى تلك المواضيع.

المشهد الثاني ... علاقة المؤجرين بالمستأجرين يحكمهم قانون اتحادي رقم ( 5 ) لسنة 1985 بإصدار قانون المعاملات المدنية لدولة الإمارات العربية المتحدة المعدل بالقانون الاتحادي رقم ( 1 ) لسنة 1987م وذلك من خلال المواد 742 الى 796.

ولكن الذي يجب ان يوضع في الحسبان ان تلك النصوص لم تعدل منذ اصدارها والحياة الاجتماعية تتغير باستمرار ولعل التغير غير الطبيعي كان في السنوات الثلاث الأخيرة وما شابها من تمرد غير واضح للأسعار على السلع وارتفاع الايجارات بصورة غير منطقية !! ألم يأن الأوان للتدخل التشريعي للحد من ذلك التمرد؟

هل النصوص السابقة من قانون المعاملات المدنية كفيلة لكبح جماح العلاقة غير المستقرة بين اطرافه؟ على الرغم من وجود تلك النصوص الا ان المؤجرين مازالوا الطرف الأقوى في تلك العلاقة وخاصة لو كان المؤجر شركة عقارية،

حيث انه لا مانع لديها من خوض غمار المحاكم في مواجهة الطرف الضعيف الذي تعد المحكمة بالنسبة له معركة سيخسر فيها بأي حال من الأحوال، فهو يريد الاستقرار النفسي له ولأسرته بعيدا عن منغضات الحياة، لهذا فهو في كثير من الاحيان يذعن لمزايدات المؤجر،

والأخير يدرك تلك الحالة النفسية بالنسبة له لهذا فهو لا يبالي في المطالبة السنوية بالزيادة فضلا عن المناورات غير المشروعة ضد المستأجر. لا تستطيع أن تعمل شيئاً أنت كمستأجر أمام المؤجر لأن الكثير منهم يهزأ بالقانون، صراحة أو ضمنا، ولا تستطيع بعد ذلك البقاء يوماً واحداً داخل منزل المؤجر لأنه سيريك صنوفاً شتى من العذاب أقلها المضايقة وقطع كل وسائل ومقومات الحياة مثل الماء والكهرباء والهاتف،

وليس هذا تحاملاً على المؤجرين بل انها حوادث وشكاوى حصلت ومازالت تحصل عند أغلب المؤجرين وقليل من يصمد أمام هذه المضايقات فيذهب إلى المحاكم ويمضي شهورا فيها ولا يجد سوى الخسارة وبعدها الخروج من بيت المؤجر. إن هذا الكلام بالتأكيد لا ينطبق على كثير من المؤجرين فثمة من يحترم المستأجرين ويراعي فيهم الله قبل القانون.

المشهد الثالث ... من المقرر أن المحاكم بحسب الأصل هي صاحبة الولاية العامة بنظر كل المنازعات أيا كان نوعها غير أنه يجوز لصاحب السمو الحاكم أن يخرج بعضها من ولايتها ويعهد بها إلى جهة أخرى إستناداً إلى ما لولي الأمر من تخصيص القضاء بالزمان والمكان والحادثة،

ومن ثم أصدر صاحب السمو حاكم دبي المرسوم رقم 2 لسنة 1993 ونصت المادة الأولى منه على أنه لا يجوز لغير لجنة الإيجارات نظر المنازعات التي تنشأ بين المؤجرين والمستأجرين أيا كانت طبيعتها،

كما نصت المادة الأولى من المرسوم التفسيري رقم 1 لسنة 1999 الصادر من سمو الحاكم بتاريخ 14فبراير1999 على أن عبارة جميع المنازعات التي تنشأ بين المؤجرين أيا كانت طبيعتها تعني ما يتصل بتأجير واستئجار الأموال غير المنقولة ولا تنصرف إلى أية علاقة إيجارية أخرى.

وأن لجنة الإيجارات وإن كانت بحكم تشكيلها تعتبر هيئة إدارية إلا أن المشرع قد خولها اختصاصا قضائياً معيناً حين ناط بها الفصل في المنازعات بين المؤجرين والمستأجرين، والقرار الصادر فيها يعد فصلاً في خصومة، ومن ثم فهذه اللجنة تعتبر جهة قضاء مستقلة عن جهة القضاء العادي وتعتبر قراراتها قرارات قضائية تتمتع بما للأحكام من حجية الأمر المقضي ولا يجوز الطعن في قراراتها أمام القضاء العادي،

وهو ما نصت عليه صراحة المادة الرابعة من مرسوم تشكيل اللجنة. المشهد الرابع ... مشروع قانون الايجارات الجديد يهدف إلى تنظيم عمل لجنة الايجارات في بلدية دبي يوضح الاجراءات والأساليب الواجب اتباعها قبل حسم الخلافات والمنازعات التي تنشأ بين المالك والمستأجر، مثل إجراءات تبليغ أطراف النزاع (المالك أو المستأجر) بالاضافة إلى الاجراءات الواجب اتباعها عند غياب أحدهما،

وحسم الخلافات بالسرعة الممكنة من دون تعطيل مصالح الأطراف المتنازعة وحماية حق كل منهما دون ضرر أو ضرار، كنا نتمنى أن يشمل المشروع الجديد بنوداً تحدد قيمة الإيجارات أو سقفاً زمنياً لمواعيد الزيادة، كما كنا نتمنى لو تضمن المشروع الجديد بعض الاجراءات الوقتية التي من شأنها ان تحمي الاطراف.

نحن نريد قانونا يراعي مصالح جميع الاطراف دون محاباة حتى لا يستغل الطرف القوي نقاط القوة التي في القانون لصالحه، لذلك لا يوجد مانع من ان يتضمن القانون ما يدل على حماية عقار المؤجر من خلال اشتراطه لمبلغ التأمين قبل انتفاعه بالعين المؤجرة كأن يكون للمؤجر أن يتقاضى تأميناً

ويأخذ ضماناً يتفق عليه الطرفان او ما يعادل نسبة معينة من العقد وللمستأجر الحق في استرداده عند نهاية مدة العقد أو إخلاء العين المؤجرة والهدف من ذلك حتى يكون للمؤجر خصم ما يستحق من مبلغ التأمين بسبب اخلال المستأجر بعقد الايجار.

المشهد الأخير ... في وقتنا الحالي، العلاقة بين المؤجر والمستأجر في الإمارات تخضع للقوانين والأنظمة النافذة في كل إمارة دون أن يكون هناك قانون اتحادي مطبق في جميع إمارات الدولة. ولكن لايوجد أي مانع من تبني قانون اتحادي ينظم علاقة المؤجر بالمستأجر، وبالتالي قيام الحكومة على مراقبة تطبيق القانون وتحديد أسعار للشقق والبيوت حتى لا يتلاعب المؤجرون طوال العام بالإيجارات.

وإذا خرجنا قليلا فإن أغلب بلدان العالم قد أوجدت حلولاً لمسألة أزمة السكن والإيجارات بأن حددت العلاقة بين المؤجر والمستأجر وحددت مبالغ الإيجارات بل وبنت مدناً تؤجرها الحكومات بأسعار رمزية.

نقطة وأول السطر ...

لا تقبل الأدوار التي يفرضها أو يدسها عليك المجتمع وأعد تشكيل نفسك بتكوين هوية جديدة يكون من شأنها أن تكسب الاهتمام، ولا تشعر الجمهور بالسأم أو الملل. وكن على صورتك بدلاً من أن تترك الآخرين يحددونها.

باحث قانوني واكاديمي

dr.jamal@dc.gov.ae