يبدو أن بورصة دبي للذهب في خانة الرهان على المستثمرين وصناديق الاستثمار على نحو أكبر من رهانها على صناع المجوهرات، وهي مدفوعة نحو هذا الرهان بحكم توترات الأوضاع السياسية التي تخيم على مناطق العالم المختلفة، وصعود أسعار النفط إلى مستويات قياسية جديدة، وتزايد المخاوف من مخاطر الضغوط التضخمية، ومن شأن هذه التوليفة من العوامل أن تجعل الطلب الاستثماري محركاً رئيسياً لصعود الذهب إلى مستويات قياسية جديدة.
الأمر الذي سيثقل على طلب صناع المجوهرات في اتجاه التقلص، وذلك في ظل بروز تكهنات بأن سعر الذهب سيقفز إلى 700 دولار للأونصة خلال المستقبل القريب، وفي ظل ورود توصيات من محللين ومتعاملين بشراء الذهب باعتباره «الملاذ» من مخاطر الضغوط التضخمية التي تفضي إلى تآكل قيمة الثروات.
وقد برز رهان بورصة دبي للذهب على المستثمرين في ثنايا الحديث الذي أدلى به مؤخرا فرامروزا بوشارا المدير التنفيذي لبورصة دبي للذهب بقوله إن المتاجرة في السلع بناء على عوامل الاقتصاد الكلي للطلب والعرض أسهل من المتاجرة في الأسهم والأوراق المالية.
وتحدث فرامروزا بوشارا عن مزايا التداول على السلع بقوله «إنه في الوقت الذي يكون فيه التداول في أسواق الأسهم بحاجة إلى تحليل القوائم والبيانات المالية للشركات قيد التداول على أساس كل شركة على حده، فأنه ربما يكون تتتبع السلع أكثر يسرا من تتبع أداء الشركة».
وأستدرك قائلا «إنه على المستوى الدولي، ونظرا لعلاقات الارتباط العكسية بين أسواق الأسهم وأسواق السلع، يميل أداء أحد هذه الأسواق لأن يكون أفضل من الآخر، وهذا، ما حدث خلال السنوات الثلاث الأخيرة، عندما تميز أداء أسواق السلع بأنه الأفضل بالمقارنة مع أسواق الأسهم والأوراق المالية، وواكب هذا الأداء المتميز اتجاه أسواق الذهب نحو الصعود».
وتابع بقوله «إنه في الوقت الذي تراجعت فيه أسواق الأسهم المحلية خلال العام الجاري بنسبة 60% بالمقارنة مع العام الماضي، أدت أسواق السلع خاصة الذهب أداءً جيداً ولامست بورصة دبي للذهب والسلع أعلى مستويات التداول خلال شهر مايو الماضي، بوصول حجم التداول إلي ما يزيد على 6000 عقد، وتراوح المتوسط الشهري لحجم التداول في البورصة ما بين 2000 و2005 عقد. ولكن من المتوقع أن تتزايد أحجام التداول بحلول نهاية العام الجاري، مع انضمام المزيد من المشاركين إلى البورصة».
ومع ذلك - والكلام مازال له - من المبكر وضع أحكام بشأن كيفية أداء أسواق السلع في مواجهة أسواق السندات، ورغم أن أسعار الذهب تتجه نحو الصعود، إلا أننا بحاجة لفترة زمنية أطول لدراسة السوق. ومضي فرامروزا بوشارا قائلا «إنه عندما تم تأسيس بورصة دبي للذهب والسلع في العام الماضي، لم نضع أرقاما مستهدفة لأحجام التداول، ولكن بالنظر إلى ماشهدناه، نحن نشعر بالسعادة لأحجام التداول المسجلة، حيث أن حجم التداول في الشهر الماضي وصل إلى 4850 عقدا».
وما قد يعزز رهان بورصة دبي للذهب على المستثمرين وصناديق الاستثمار، ما شهده نمط التداول على الذهب في منطقة الشرق الأوسط خلال الربع الأول من العام الجاري من اتجاهات، من ناحية بروز دور المستثمرين وصناديق الاستثمار في الحفاظ على المكاسب السعرية التي جناها الذهب في ظل تراجع مشتريات صناع المجوهرات.
وقد أورد التقرير الصادر مؤخرا عن مجلس الذهب العالمي نمط التداول على الذهب في المنطقة بإشارته إلى أنه ورغم أتسام الطلب على الذهب في المملكة العربية السعودية والمناطق الأخرى من الخليج بالتراجع، إلا أن هناك زيادة ملحوظة في اهتمام المستثمرين خلال الربع الأول من عام 2006.
وجاء في تقرير المكتب الإقليمي لمجلس الذهب العالمي ومقره دبي أنه يمكن رد أسباب التراجع في الطلب إلى الأسعار المتقلبة للمعدن النفيس فضلا عن انهيار أسواق الأسهم.
وقال التقرير إن الاهتمام المتواصل من جانب مجموعات مختلفة من المستثمرين قد دفع سعر الذهب إلى أعلى مستوياته في 26 عاماً خلال الربع الأول، وهو الأمر الذي ترتب عليه زيادة في الطلب من قبل المستثمرين وتراجع طلب مصنعي المجوهرات.
وأضاف التقرير أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعدا قي الاهتمام بالذهب من قبل المستثمرين في كافة أنحاء العالم كصناديق المعاشات الذين بدأوا يجنون مكاسب تنوع محافظهم الاستثمارية، وأنه وبشكل إجمالي هبط الطلب على الذهب بنسبة 16% خلال الربع الأول بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، حيث وصل حجم الطلب إلى 835 طناً، ومع ذلك، ذادت قيمة الطلب على الذهب بنسبة 9% بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي.
وهبط حجم طلب قطاع مصنعي المجوهرات بنسبة 22%، فيما زادت قيمته بنسبة 2% لتصل إلى 5 ,9 مليارات دولار.
وأضاف تقرير مجلس الذهب العالمي أن الطلب على الذهب في المملكة السعودية هبط بنسبه 30% بسبب أسعار الذهب المرتفعة والمتقلبة إلى جانب انهيار أسواق الأسهم منذ نهاية شهر فبراير الماضي والذي أثر سلبا على كل من معنويات المستهلكين والقوة الشرائية للأفراد، والأكثر من ذلك، دفعت أسعار الذهب المرتفعة بعض الناس إلى بيع جزء من مقتنياتهم الذهبية واستثماراتهم في السبائك والعملات والمجوهرات الذهبية، ووصل الطلب الكلي في المملكة خلال الربع الأول إلى 3 ,28 طناً .
وشرح التقرير أنه بالنسبة لبقية الدول الخليجية،تأثر الطلب بأسعار الذهب في الأسواق العالمية إلى جانب تأثره بعوامل أخرى إقليمية. حيث هبط الطلب في الإمارات بنسبة 15% ليصل 28 طنا، واتبعت الكويت بشكل عام سيناريو مماثل، وبلغ إجمالي حجم الطلب على الذهب في دول مجلس التعاون الخليجي (فيما عدا المملكة السعودية والإمارات) نحو 7 ,10 أطنان، وهبط طلب مصنعي المجوهرات بنسبة 36% في مصر و43% في تركيا بسبب ارتفاع أسعار الذهب وتراجع أعداد السائحين.
وخلص التقرير إلى أن أسعار الذهب المرتفعة والمتقلبة أثرت على الطلب في المنطقة بشكل كبير، ومع ذلك، وفي التوقيت ذاته، زادت قيمة المدخرات والمجوهرات الذهبية، وقام البعض ببيع جزء من مقتنياته من السبائك والمجوهرات والعملات الذهبية، وأضاف أنه مع ذلك، واصل المستهلكون شراء المجوهرات الذهبية ذات الأوزان الأقل، ودفعوا أسعارا مرتفعة بسبب اعتقادهم بأهمية الذهب والمجوهرات الذهبية. ودعمت هذه التحركات المستثمرين الإقليميين وعلى النطاق العالمي. ومن المتوقع أن تتزايد مبيعات المجوهرات الذهبية خلال الربع الثاني من العام الجاري.
وأوضح التقرير أن الربع الأول شهد تراجعاً في الحجم الإجمالي من المعروض من الذهب بنسبة 15% كنتيجة لانخفاض مبيعات البنوك المركزية وأن التراجع في الطلب على المجوهرات الذهبية في الشرق الأوسط يجري تبريره في العادة على انه رد فعل طبيعي على أسعار الذهب المتقلبة في آسيا ولكن هناك عوامل إقليمية أخرى دفعت إلى هذا التراجع في الطلب.
التوترات السياسية
ولعل رهان بورصة دبي على المستثمرين ينطلق من التطورات التي يشهدها العالم، من ناحية تصاعد التوترات السياسية في مناطق مختلفة من العالم، وقد أدت تلك الأوضاع إلى ارتفاع سعر الذهب خلال الأسبوع الجاري إلى أعلى مستوى في 6 شهور، وذلك نتيجة لتدفق المستثمرين على شراء المعدن الأصفر كملاذ وملجأ ضد التضخم بعد تصاعد العنف في الشرق الأوسط الذي دفع أسعار النفط إلى مستويات عالية.
وفي يوم 14 يوليو، قفز سعر عقود الذهب الآجلة المستحقة في شهر أغسطس 60 ,13 دولارا ليصل إلى 668 دولارا للأونصة في قسم كوميكس ببورصة نيويورك التجارية، بعدما قفز 669 دولارا للأونصة وهو اعلى سعر يسجله منذ 30 مايو، وقفز السعر الفوري للذهب في لندن 90 ,6 دولارات للأونصة أي بنسبة 1% ليصل إلى 95 ,666 دولارا للأونصة، وهبط مؤشر استندارد آند بورز الذي يتألف من 500 أكبر شركة لليوم الثالث على التوالي ليصل إلى 20 ,1236 نقطة في نيويورك وهبط مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 1%.
وعبر محللون عن الحساسية الحالية لسوق الذهب للتوترات السياسية التي تنتشر في مناطق العالم المختلفة، إذ علق ديفيد هولمز مدير قسم المعادن النفيسة في مجموعة «دريسندر كلينوورت» في لندن بقوله «إن الناس تتحرك بعيدا عن الأصول التي تحفها المخاطر، وقد دفع الطلب الاستثماري الذهب إلى مستويات عالية، ونحن نشهد شراء للنفط كاستجابة لعدم اليقين والتأكد السياسيين في الشرق الأوسط وقال بول ميكلويد نائب رئيس قسم المعادن النفيسة في البنك التجاري للأوراق المالية في نيويورك انه لا يمكن أن نسقط من حساباتنا التوترات الجيو سياسية.
وأشار مايك ساندر محلل سلع في شركة وورلد وايد ترادينج إلى أن القلق من الضغوط التضخمية يتصاعد مع بلوغ أسعار النفط مستويات قياسية، وأن التوترات السياسية في الشرق الأوسط تؤدي إلى أوضاع غير سهلة مما يحفز المستثمرين على حماية ثرواتهم عن طريق شراء المعادن.
وفي ضوء هذه التوترات السياسية، يتوقع المحللون أن يتجه سعر الذهب إلى المزيد من تسجيل مستويات قياسية، نتيجة لصعود الطلب الاستثماري، فمن جانب لاحظ جيمس مور وهو محلل في «ذي بيليون ديسك» أن النزوح إلى شراء الأصول الآمنة يعتبر المحرك الرئيسي للمكاسب التي يجنيها الذهب ومن المتوقع أن يستمر هذا الوضع خلال الأسبوع القادم، وانه من المحتمل أن تؤدي التوترات في الشرق الأوسط وكوريا الشمالية إلى المزيد من تصلب الأوضاع السياسية، وأوصى مور بشراء الذهب خلال الأسبوع القادم قائلا إنه مع اقتراب النفط إلى 80 دولاراً للبرميل فمن المحتمل أن يتجه الذهب إلى 680 دولاراً للأونصة.
ومن ناحية أخرى توقع فريدريش كيرنستوك المحلل في شركة «كيرنكو ميتال ترادينج» أن يحوم الذهب فوق مستويات تتراوح بين 650 و670 دولاراً للأونصة خلال الأسبوع المقبل وانه سيصعد إلى مستويات اعلى خلال الفترة المقبلة.
وتوقع مارك بريستوي المدير التنفيذي لشركة «رانجولد ريسورسيز» في أن يصعد الذهب إلى 700 دولار للأونصة في غضون الإثني عشر شهرا المقبلة، كما توقع يوكاري نوزاكي محلل العقود الآجلة في شركة «آسي كوكاي» بطوكيو أن التداول على الذهب سيجري بجرأة تفوق التوقعات وأن أسواق الذهب صارت الأكثر حساسية للمخاطر الجيو سياسية، وتوقع كذالك محللون في بنك سوسيتيه جنرال أن يصعد سعر الذهب مرة أخرى إلى 700 دولار للاونصة خلال الربع الحالي وهو ما سيعود جزئيا إلى عودة صناع المجوهرات في الهند شراء الذهب.


