لم يحجب ثراء الدولة بموارد النفط والغاز الضوء عن حقيقة أخرى، ربما أقل لمعانا وتوهجا، وهي ثراؤها بموارد الطاقة المتجددة والبديلة، كما لم تحرف الطفرة النفطية الناتجة عن الارتفاعات القياسية في أسعار النفط، اهتمام وزارة الطاقة والمؤسسات الأخرى في الدولة بعيدا عن الاهتمام بارتياد أفق التطبيقات العلمية والعملية لتكنولوجيات الطاقة البديلة.
وبدا هذا الأمر لكثير من المحللين مثيرا للاستغراب والدهشة، وتجلى ذلك في التساؤل عن مغزى اهتمام الدولة بتكنولوجيات الطاقة المتجددة، في حين تحتل المركز الثالث من حيث احتياطي النفط في العالم والمرتبة الثانية عربياً والرابعة عالميا من حيث احتياطي الغاز الطبيعي والتاسعة كأكبر دولة منتجة للنفط والسادسة كأكبر دولة مصدرة للنفط في العام.
وقدم معالي محمد بن ضاعن الهاملي في 14 فبراير 2006 الإجابة على هذا السؤال في محاولة منه لفك هذا التناقض والالتباس الشكلي الواقر في أذهان البعض بقوله «إن غنى الإمارات بالمصادر النفطية لا يحد من سعيها لمواكبة التطور التكنولوجي في مجال مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والأمثلة على ذلك إنشاء محطة لتوليد الطاقة من الرياح في أبوظبي بطاقة 850 كيلوواط».
وهكذا، يعتبر اهتمام الدولة بموارد الطاقة البديلة أمرا حيويا ليس فقط للاستفادة من مصادر توليد الطاقة البديلة المتاحة بكثافة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ولكن أيضا للحفاظ على البيئة الطبيعية في مناطق متميزة بيئيا وسياحيا، وتعزيز المشروعات الاقتصادية والتطورين الصناعي والاقتصادي.
وتشير التنبؤات إلى أنه بحلول عام 2050 ستعتمد نصف الطاقة المطلوبة في الإمارات العربية المتحدة على مصادر الطاقة المتجددة. وفي الأغلب ستشكل الطاقة الشمسية التي تعد أنظف مصدر (للطاقة) وفقا للشروط البيئية، نسبة كبيرة من تلك الطاقة المتجددة.
استخدامات الطاقة الشمسية
وتستخدم الطاقة الشمسية في الدولة في العديد من المجالات، من بينها تسخين المياه للاستخدامات المنزلية والصناعية و تحلية المياه المالحة واستخدام الأملاح الذائبة فيها وإنتاج الطاقة الكهربائية عن طريق التحويل إلى طاقة حرارية ثم بواسطة محرك حراري إلى طاقة كهربائية أو بالتحويل بواسطة الخلايا الفوتوفولطية وتحويلها إلى قدرة محركة ميكانيكية أو كهربائية لمضخات المياه لأعمال الزراعة والري.
فضلا عن الاستفادة من الطاقة الشمسية في عمليات النقل والمواصلات والاتصالات اللاسلكية والأقمار الصناعية وغيرها، وتطبق حالياً بنجاح استخدامات الطاقة الشمسية المذكورة في العديد من الدول كما أن هناك العديد من الشركات والمصانع التي تختص بتصنيع المكونات الأساسية للنظم الشمسية وأنظمة التحكم.
وفي الوقت الحاضر أصبحت أنظمة تكييف الهواء التي تعمل بالطاقة الشمسية سهلة المنال وهناك العديد من الشركات والمؤسسات التي تقوم بتصميم وتصنيع مثل هذه الأنظمة. ولم تعد استخدامات الطاقة الشمسية مقصورة فقط على الأماكن البعيدة.
بل تعمل شركات الطاقة الشمسية الكبرى مع المؤسسات التقنية والأكاديمية في الإمارات العربية المتحدة على تطوير طرق إدماج جيل الطاقة الشمسية واسعة النطاق داخل المباني الحديثة، بحيث تصبح الفنادق أيضا صديقة للطاقة الشمسية؛ حيث يعتمد حاليا أحد فنادق دبي على الطاقة الشمسية في توفير احتياجاته من الماء الساخن.
تطبيقات الطاقة المتجددة
وتدعم دولة الإمارات العربية المتحدة الاتجاه السائد عالمياً في توليد جزء من الطاقة الكهربائية التي تحتاجها الدول باستخدام مصادر طاقات نظيفة خاصة، وتمشياً مع مختلف التوصيات التي اتخذت حول أهمية نشر استخدامات تقنيات الطاقة المتجددة للتنمية المستدامة للدول، سارعت الجهات المختصة بالدولة وخاصة وزارة الطاقة إلى تبني عدد من التوجهات والمبادرات التي من شأنها المشاركة الفعالة في هذا المجال وكان من بينها الاقتراح على إنشاء مركز وطني لأبحاث الطاقة المتجددة تحت إشرافها.
بحيث يتولى هذا المركز اتخاذ كل الإجراءات اللازمة بالتعاون مع الجهات المحلية والمنظمات الإقليمية والدولية والهيئات المتخصصة العاملة في مجال الطاقة المتجددة للقيام بمهام ووضع البرامج الضرورية لتطوير استخدام الطاقة المتجددة في الدولة مثل الطاقة الشمسية والرياح.
وتهتم الدولة بتقنيات تحليه المياه بالطاقة الشمسية وهناك بعض المحطات العاملة بهذه الأنظمة مثل محطة (أم النار بأبوظبي)، حيث بقيت من أحدث النظم المتطورة في العالم، رغم أنها تعد واحدة من أقدم محطات التحلية بالطاقة الشمسية والتي ظلت تعمل بكامل طاقتها وبكفاءة مرتفعة بعد (18) سنة من إنشائها وبطاقة إنتاجية وصلت إلى 120 مترا مكعبا من المياه المحلاة في اليوم أي 26.000 غالون باليوم.
وتستخدم هذه المحطة التبخير بالغليان متعدد المراحل التي تشتمل على 18 مرحلة وتستخدم 1862 متراً مربعاً من المجمعات الشمسية ذات الأنابيب المفرغة.
وكان الهدف الرئيسي من المحطة هو إنشاء نواه لدراسة وتطوير نظم تحلية المياه بالطاقة الشمسية ودراسة وتقييم الجدوى الفنية والاقتصادية لهذه النظم وتحديد مدى ملاءمتها لظروف التشغيل والبيئة المحلية، حيث كانت محطة التحلية بالطاقة الشمسية في أم النار نموذجاً علمياً وواقعياً لإحدى التقنيات المتطورة لتحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية.
وقد وقع مجمع التقنية بدبي اتفاقية مع شركة «سولر تكنولوجيز» التي ستستثمر 50 مليون درهم في المجمع من أجل تطوير حلول ومنتجات مبتكرة تعتمد على الطاقة الشمسية. وستقوم الشركة بتصميم وإنشاء مصانع وحلول تكييف ومجموعة واسعة من التطبيقات المخصصة لقطاع المشاريع المتوسطة وكبيرة الحجم تعتمد جميعها على الطاقة الشمسية. ويمتد المجمع على مساحة 400 ألف قدم مربع.
وسيتضمن العديد من المرافق التي من بينها مركز متميز للأبحاث والتطوير يعد الأول من نوعه في المنطقة لتصميم وإنشاء مصانع تعتمد على الطاقة الشمسية، إذ ستعتمد هذه المصانع على الطاقة الشمسية المركزة لإنتاج طاقة كهربائية من خلال استغلال هذا المصدر وتحويله إلى درجات حرارة عالية باستخدام نوع متخصص من المرايا.
ويتواجد كذلك عدد من مشاريع استخدامات تطبيقات الطاقة الشمسية في القطاعات البلدية في عدد من الإمارات مثل: مكائن تحصيل رسوم مواقف السيارات، وكابينات الهواتف العمومية، ومصابيح الإشارات العلامات التحذيرية وغيرها، ومشروع لكهربة عدد من مراكز حماية الحياة البرية في منطقة العين.
ومشاريع استخدامات المنظومة الكهروشمسية لأغراض المراكز الحدودية ومحطات الاتصال لحماية الكاثود لأنابيب ضخ النفط.
وهناك كذلك عدد من المشروعات البحثية الجاري تنفيذها مثل مشروع قياس معطيات الإشعاع الشمسي في جامعة الإمارات العربية المتحدة. ومشروع تغذية عدد من محطات الاتصال في المناطق النائية باستخدام الطاقة الشمسية.
ويتواجد أيضا برامج لصناعة الخلايا الشمسية وتنفيذ الأنظمة الكهروشمسية في جامعات الدولة، منها دراسة جدوى لتطبيق المنظومات الكهروشمسية لأغراض ضخ المياه في الآبار لزراعة المناطق النائية، بإمارة أبو ظبي، ودراسة لتطبيقات كهربة العديد من العمارات بالطاقة الشمسية داخل المدن. كما أن هناك لجنة دولية قامت بدراسة لبناء مصنع للألواح الشمسية وإنشاء بيت نموذجي اقتصادي يعمل بالطاقة المتجددة بمشاركة مركز البحوث والدراسات في جامعة الشارقة.
ويجري العمل على قدم وساق في الدولة لإدخال الطاقة الشمسية ضمن حلول احتياجات الطاقة وبصفة خاصة في المناطق النائية حيث يرى الخبراء إن التكنولوجيا أحرزت تقدماً هائلاً منذ أن استخدمت الألواح الشمسية لأول مرة في الأقمار الصناعية في الفضاء وألواح اليوم أكثر قوة مرتين وأقل تكلفة من تلك التي أُنتِجت قبل عشرين عاماً، وباستخدام ألواح كهذه.
وفي مناخات كدولة الإمارات يمكن للبنايات ذات الواجهات الزجاجية استخراج معظم احتياجاتها من الطاقة مما سيؤدي بالتالي إلى تخفيض الطلب على الشبكة القومية، كما أن الناحية الجمالية لواجهات البنايات التي تستخدم ألواح الطاقة الشمسية لا تقل عن تلك التي تستخدم الألواح الزجاجية.
الاستفادة من طاقة الرياح
وفي خط مواز للاهتمام بموارد الطاقة الشمسية، تعمل الدولة على الاستفادة بموارد طاقة الرياح، إذ تتراوح سرعات الرياح المتوسطة على مدار العام بالدولة مابين (3 ـ 5.5) متر / ثانية.
وتخطط إمارة الفجيرة لبناء عدة حقول لدراسة طاقة الرياح وتم تركيب 7 أبراج لقياس الرياح بالطاقة الشمسية في مناطق متفرقة من الإمارة لقياس الكمية والمدة وقوة الرياح وسيحدد تحليل هذه القراءات على مدى فترة زمنية محددة جدوى هذه الحقول حيث من المفترض أن يولد كل حقل رياح بين 150 إلى 200 ميجاوات من الطاقة في السنة.
وقد توصلت دراسة أعدت بالتعاون ما بين حكومة الفجيرة ووزارة الطاقة والتي استغرقت عامين إلى أنه يمكن إقامة ثلاث مزارع للرياح في عدد من مواقع الإمارة بقدرة كلية قدرها( 66 ) ميجاوات، وجاري البحث والتنسيق لإيجاد أفضل السبل والخيارات لتنفيذ هذا المشروع.
وتم افتتاح محطة توليد الطاقة بقوة الرياح في جزيرة صيربني ياس وهو أول مشروع من نوعه في منطقة الخليج يسعى للبحث عن بدائل طبيعية لإنتاج الطاقة فضلا عن الأهمية في المحافظة على البيئة وحمايتها والعمل مستقبلا على الجزر والمناطق الخارجية بعد دراسة كفاءتها وقدرتها على تلبية الأهداف التي أنشئت من أجلها، وتم المشروع بالتعاون مع شركة اشغ-َُْيمْ ٌََُُِّّّيَه الألمانية وبإشراف من وزارة شؤون الرئاسة بديوان صاحب السمو رئيس الدولة وبطاقة قدرها 850 كيلوواط.
وتسعى الدولة لعمل أطلس شامل للإشعاع الشمسي للمناطق المختلفة بالإضافة إلى أطلس لطاقة الرياح يركز على المناطق التي تتوفر بها سرعات رياح قابلة للاستخدام.
دبي ـ مجدي عبيد:
