تستيقظ في أحد الأيّام والحماس يغمرك، وفي قلبك تفكّر سرًّا في أنّ هذا اليوم سيكون يوماً عظيماً. فأنت تعرف أنّ لديك موعداً مهمّا لمهنتك، وتخطّط للخروج باكراً من بيتك رغبةً منك في الحصول على رحلة هادئة وتحاشيًا لأيّ زحام سير.

أو أنّ ذلك أقلّه ما تخاله بسذاجة.! عند الدوار الأول تكاد أن تلقى حتفك، وفي طريقك تكاد أن تصطدم بدراجة هوائية آتية نحوك في الإتجاه المعاكس. وعند الدوار الثاني، تشعر بارتباك كليّ، فهل تُراكَ أصبحتَ في وسط برنامجِ رسوم متحرّكة تلفزيونيّ حيث تعبر شاحنة هائلة الحجم، بسرعة عالية، الجانبَ الأيمن من شاحنة أخرى هائلة الحجم،

وحيث تعبر شاحنة ضخمة من اليسار إلى اليمين في حين أنّ إشارتها تُظهر العكس، وحيث يبدو لك أنّ 30 سيّارة أخرى قد انضمّت إلى «السيرك الوطنيّ للبهلوانيّين»، فراحت تقدّم لك عرضاً فريداً في القيادة يُقتَل فيه الجميع في النهاية، إلاّ أنّه رسوم متحرّكة لذلك هو ليس حقيقيّ. ولكنّه حقيقيّ بحقّ الله! فتطلق بوق سيّارتك وتصرخ أو تصرخ وتطلق بوق سيّارتك وفقاً لمشاعرك.

وبعد مرور 90 دقيقة لتعبر مسافة 30 كلم فحسب، تصل إلى مقصدك النهائيّ. غير أنّ يديك ترفضان تلقّي الأوامر من ذهنك لتتركا عجلة القيادة. وإذا بك تدرك أنّك تحتاج إلى الدالاي لاما(Dalai Lama) شخصيّا ليعطيَك درسًا مستعجلاً في اليوغا...!ولكنّك توشك على تقبيل المبنى من الفرح لأنّك وصلت سالماً معافيً...! تسألك موظّفة الاستقبال عن اسمك، واسم شركتك وتتحقّق من أنّ لديك موعداً.

وبعدها، تسألك السكرتيرة عن اسمك، واسم شركتك وتتحقّق من أنّ لديك موعداً وعلى وجهها تعبير غريب يبيّن لك أنّها لم تسمع بك يوماً. وبعد كلّ الوقت الذي لزمكَ لتصل إلى المساعد المباشر، إذ بك تعلن تلقائيّا اسمك واسم شركتك وتؤكّد بفخر ..« نعم لدي موعد«.

وأخيراً، «الجنة»! المكتب الرئيسيّ لمطوّر للعقارات: المشهد: رجل في منتصف العمر يدخّن سيجاراً، رجل آخر في منتصف العمر يدخّن سيجاراً آخر، رجل ثالث في منتصف العمر لا يدخّن. التصميم الداخليّ: سقفٌ من خشب لونه داكن، كراسٍ من جلد لونه داكن، وطاولات من خشب لونها ايضا .. داكن.

ويبدأ الحديث: «لدينا فكرة جديدةً وفريدةً من نوعها: نودّ أن نبني أبراجا سكنيّة فخمة». فتفكّر: فكرة فريدة من نوعها وجديدة بالفعل! ويستمرّ الحديث: «فكّرنا أنّه إذا ما بلغت المساحة الإجمالية للبناء 400 ألف قدم مربّعة للبرج الواحد وبلغت كلفة البناء 250 درهمًا إماراتيّا للقدم المرّبعة وبعنا ب950 درهماً إماراتيّا،

وهو سعر رخيص جدًّا، يمكننا أن نحقّق أرباحاً تصل الى .....« وفي تلك اللحظة بالذات، يأخذ أحد الرجال الثلاثة آلته الحاسبة فيما يفتح الآخران هاتفيهما الجوّالين ليبدءا لعبة الأرقام حيثما يبلغ معدّل العائد على الاستثمار 30 في المائة. وتسأل: عن مصادر تلك الأرقام وإمكانيّة الوثوق بها.

ويستمرّ الحديث: «نعرف ذلك من السوق، وعلى أيّ حال، فقد ارتفع اليوم سعر الأراضي بنسبة عشرة في المائة على الأقلّ. ولدينا مشترون جاهزون للأبراج«. فتفكّر: أنْ ليس هذا بجواب على سؤالك. ويمرّ الوقت... ويستمرّ الحديث: «كم يلزم من وقت لتصميم أربعة أبراج فخمة؟ أسبوع؟» فتجيب: «بل شهر على الأقلّ» ولكن الآخر يقول بحماسة: «لا .. لا.. إنّه وقت طويل،

وعلينا إطلاق المشروع خلال شهر». فتفكّر: غريب! ولكنّ هذا المشهد يذكّرك بذلك الذي شهدتَه عند الدوار الثاني من ذلك الصباح، فهو برنامج الرسوم المتحرّكة التلفزيونيّ نفسه: حيث يجري رجال أعمال هائلي الحجم مشاريع بناء هائلة الحجم بسرعة لا مسؤولة،

وحيث لا يُظهر الإنتاج الضخم للأبراج السكنيّة الإشارةَ الصحيحة، وحيث يبلغ صدى حجج مطوّري العقارات درجة من الإقناع حتّى يفترض كثيرون أنّه صحيح بدون تردّد حتّى؛ وحيث يمحو الجميع مشاريعه في النهاية لأنّ ذلك رسوم متحرّكة لذلك هو ليس حقيقيّا. ولكنّه حقيقيّ بحقّ الله! فتبتسم أو تتبسم، لم يعد الأمر وفقاً لمشاعرك. وبعد أربع ساعات من التفاوض؛ أربع ساعات لأنّ هواتف السادة رنّت 300 مرّة،

وكان عليهم جميعاً الإجابة على الاتّصالات الواردة وهم يهمسون: «إنّه شخص بالغ الأهميّة»، تدّعي أنّك ستراجعهم لاحقاً، فتغادر المكتب، وفي طريقك إلى الخارج لا يسألك أحد شيئاً، فتدخل سيّارتك، منهك القوى كليّا، فقد كان ذلك اليوم خيبة أمل كبيرة، لذلك، تفضّل العودة إلى بيتك، لتشغّل تلفازك، وتشاهد »توم أند جيري»(Tom & Jerry)، فعلى الأقلّ تكون متأكّداً أنّه، هذه المرّة، رسوم متحرّكة بالفعل!

zena@arabianconcept.com