تقوم شركة إنكو الكندية العملاقة للتعدين بمشروع ضخم في جزيرة كاليدونيا جنوب شرق استراليا، هو أكبر مجمع تعديني لاستخراج النيكل في تاريخ صناعة التعدين وسط طفرة ارتفاع أسعار المعادن والسلع.
ورغم هذا الارتفاع لا يزال البعض يتساءل عن الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع، في الوقت الذي هاجم فيه أتباع دعاة حماية البيئة أصول الشركة من شاحنات ومعدات بملايين الدولارات.
لكن مشروع إنكو في المستعمرة الفرنسية السابقة يؤكد على واقع جديد في قطاع التعدين، فقد اتجهت الشركات إلى تعدين معادن مثل النحاس والنيكل والذهب في ظل ارتفاع أسعارها تماشياً مع ارتفاع أسعار البترول.
وكانت أسعار النيكل وسلع أخرى قد تعثرت في وقت سابق من العام الجاري بسبب مخاوف من استمرار النمو الاقتصادي العالمي لكن النيكل استعاد الارتفاع ليصل إلى مستويات قياسية جديدة في الأسابيع الأخيرة، ولا تزال أسعار غالبية السلع أعلى بكثير مما كانت عليه في السنوات الأخيرة، بفعل ارتفاع الطلب من الصين والمشكلات التي تواجه الإمدادات.
ويقول ألكس جوربانسكي مدير مجموعة فرانيتر استراتيجي لتحليل المخاطر السياسية في التعدين، لصحيفة وول ستريت جورنال، إن هناك ضغوطاً كبيرة على شركات التعدين لتحصل على مشروعات جديدة مستقبلاً ولابد أن يكون هناك مشروعات ذات إمكانيات ضخمة لكن هناك تحديات كبيرة تواجه ذلك.
وتجاهد كثير من شركات التعدين لإنشاء مشروعات في دول مثل منغوليا واندونيسيا وأماكن أخرى تعاني من اضطرابات سياسية. ويحدث ذلك أيضاً في الوقت الذي تجتاح فيه موجة ضخمة من الاندماجات والحيازات شركات التعدين في العالم، خاصة في سوق النيكل، وقد بدأت إنكو تحريك هذه الموجة في العام الماضي بعرضها شراء فالكونبريدج المنافسة لها في كندا، فيما نافستها إكستراتا في هذه الصفقة.
لكن أكبر عرض في تاريخ شركات التعدين جاء من فيلبس دودج بقيمة 40 مليار دولار لشراء كل من إنكو وفالكونبريدج. ورغم أن كلتا الصفقتين لم تبرما فقد يكون اندماج فيلبس دودج مع إنكو مقدمة لأكبر كيان تعديني في العالم.
في الوقت نفسه تعهد رافائيل مابو الزعيم من السكان الأصليين في كاليدونيا بأن المشروع التعديني لإنتاج النيكل لن يتم ما دام حياً، وهدد بأن، تحدث تظاهرات وعنف، وقال »لا شك في ذلك«.
غير أن شركة إنكو تمضي قدماً في المشروع، وتعمل في بناء ميناء عميق جديد لاستقبال سفن نقل النيكل، وقد يصل ارتفاع هذه الناقلات إلى تسع طوابق، وتبدأ إنكو قريباً في تجميع أطراف المشروع وضرورياته التي تشمل مصنعاً عالي التقنية لمعالجة النيكل يجري إنشاؤه حالياً في الفلبين وسينتج المصنع العملاق 750 ألف طن سنويا وستطلب أكبر الأوناش في العالم لمناولة هذا الإنتاج.
ويدخل ثلثا إنتاج العالم من النيكل في صناعة الصلب الذي يدخل في كل شيء بدوره، ويأتي غالبية إنتاج العالم من مواقع سهلة التعدين، خاصة في كندا وروسيا، لكن الرواسب التي تسمى سولفيرات الأكثر صعوبة في تعدينها تمثل 40% من إجمالي احتياطي العالم الباقي،
وفق ما يقوله خبراء التعدين وبقية رواسب النيكل تسمى لاترات، و هي من نوعية أقل من حيث الجودة وكانت تتجاهلها الشركات التعدينية فيما سبق لصعوبة تعدينها، ويحتاج فصل النيكل عن اللاترات كمية كبيرة من الطاقة، مما يجعل تعدينه مكلفاً في بعض الأحوال.
وهناك طريقة أقل تكلفة لإنتاج النيكل عن طريق تعريض الخام لضغط عال في خزانات وحرارة مرتفعة ومواد حمضية, وأنفقت الشركات مبالغ ضخمة على هذه الطريقة في التسعينات خاصة في استراليا، واعتقدت أن هذه الطريقة سوف تؤدي لزيادة إنتاج النيكل بسبب انخفاض التكلفة وضمنت الوفاء بالطلب العالمي خلال عقود مقبلة. وتراجعت أسعار النيكل بناء على ذلك.
غير أن تجارب هذه التقنية لم تنجح لأسباب منها أن المعدات لم تتحمل الضغط والحرارة المرتفعين واضطر كثير من المصانع لإغلاق أبوابه بسبب مشكلات الصيانة، فارتفعت التكلفة.
وتقول شركة إنكو إنها تعلمت من الأخطاء السابقة، وخضع تصميم مصنعها الجديد لاختبارات عديدة باستخدام مواد مختلفة مثل صمامات التيتانيوم التي تسيطر على تدفق الأحماض وتقول إن المصنع الجديد سوف ينتج 60 ألف طن سنويا أي 5% من الاستهلاك العالمي، مبدئياً، والأكثر من ذلك إنها تقول إن إثبات جدوى هذه التقنية سيفتح الطريق أمام تعدين هذا النوع من الرواسب في أماكن أخرى، منها مواقع في كاليدونيا ذاتها.
وفي المشروع الجديد الذي يسمى جورو، تصل نسبة النيكل في الخام إلى 2% وقام خبراء الجيولوجيا بتسريع استخراج الرواسب في الستينات. غير أن الموقع لا يزال غير مستغل جيداً منذ عقود لأنه لم يستطع أحد تحقيق الربح من هذه النسبة الضئيلة من المعدن في الرواسب.
وقال رون انتون مدير مشروع جورو إنه يتساءل ماذا كان يفعل المهندسون من قبل، في البداية وقد استخدمت إنكو فريقاً من المهندسين لإعادة تقييم المشروع. وقللوا موقع التعدين إلى 64 فداناً، أي نصف الموقع الأصلي، وأعادوا تصميم عناصر مصنع الأحماض وأجروا تغييرات أخرى لتقليل نسبة الصلب المستخدمة في المشروع إلى نحو 9 آلاف طن مقابل 24 ألف طن.
وبدلا من إنشاء خزان مياه مكلف لتوفيرها للمصنع، وجدوا طريقة لضخ المياه بالأنابيب من خزان طبيعي على مسافة 20 ميلاً، وأضاف المهندسون أيضاً إنشاء مصنع أحماض في الفلبين، بدلاً من استيراد العمالة والإمدادات من هناك إلى كاليدونيا.
ويعترف المسؤولون في إنكو بأن المنجم سوف تخرج منه نفايات تزيد على المعدلات العالمية، لكنهم يقولون إن نظام ضخ النفايات في البحر سوف يساعد على التخلص الكامل منها بطريقة لا تضر بالبيئة.
ويشعر السكان الأصليون من جماعة ريبونوو بالقلق من عملية معالجة الأحماض التي قد تسبب مشكلات بيئية غير معروفة، ويريدون وقف المشروع حتى يتم تقييم العواقب والأخطار البيئية.
لكن المسؤولين في إنكو يؤكدون أن نظام معالجة الأحماض أقل ضرراً من تقنيات أخرى في التعدين، ويقول جيفري سويج نائب مدير مشروع جورو للشؤون المالية والإدارية إن لديه ثقة كبيرة في المشروع، والشيء المهم هو تنفيذه بالطريقة السليمة.
ترجمة:أشرف رفيق
