لعل من أكثر التعريفات شيوعا عن عملية اتخاذ القرارات هو: أنها العملية التي بمقتضاها يتخذ صاحب القرار باختيار حل أو بديل معين بين مجموعة من البدائل الممكنة، وذلك في مواجهة مشكلة معينة أو موقف معين، والهدف دائما هو اختيار البديل المناسب، ولولا وجود البدائل لما كانت الحاجة أصلا إلى اتخاذ قرار، فوجود (مشكلة) هو الأساس الذي تقوم عليه خطوات عملية اتخاذ القرارات، ولذلك تعتبر اللحظة الحاسمة في اتخاذ القرار هي تلك التي يتم فيها الانتقاء والاختبار والحسم على الرغم من أهمية الخطوات السابقة التي أدت إلى توفير المعلومات وتحليلها وتشخيص ما يترتب على كل بديل من آثار مستقبلية ايجابية وسلبية، ويمكن القول:

إن الأدوات والمعايير المستخدمة لترشيد عملية اتخاذ القرار تهدف إلى تحقيق الأغراض التالية: تحقيق مكاسب أو مصالح مرتقبة، دفع أضرار أو مفاسد متوقعة، تعظيم مكاسب أو مصالح موجودة، تقليص أضرار أو مفاسد موجودة. وقد أسفرت جهود المختصين المتراكمة عن العديد من المفاهيم والمعايير التي يتم استخدامها للوصول إلى أفضل البدائل، واتخاذ القرار الاقتصادي السليم سواء على مستوى المنشأة أو الدولة، واليوم يعد استخدام الأنظمة الالكترونية والمواقع الافتراضية وسيلة جيدة لتحسين مهارة ومقدرة متخذي القرار.

خصوصا مع وجود التشارك المعرفي وتبادل المهارات والخبرات والآراء بين الخبراء من خلال المراكز الافتراضية الأمر الذي يؤثر تأثيرا ايجابيا على طبيعة أداء المؤسسة في مساهمة تحقيق التخصيص الأمثل للموارد وتعزيز كفاءتها بما يحقق الرفاه الاجتماعي والتقدم الاقتصادي للمجتمع، ولقد حدثت بسبب عدم إدراك هذه التقنيات أو تجاهلها والتقصير في استخدامها خسائر كبيرة لدول العالم النامي أدت إلى هدر كميات كبيرة من الموارد المحدودة أصلا.

وفي الوقت نفسه نجد أن معايير - تحليل المنافع والتكاليف، وتكلفة الفرصة البديلة، والآثار الخارجية المبنية على توفير المعلومات- ترسخت في بلدان العالم المتقدم، وأصبحت منهجًا وأسلوبًا لاتخاذ القرارات على جميع الأصعدة، بما فيها جانب العلاقات الإنسانية، فمن المعروف أن أكثر من (7%) من الناتج المحلي الإجمالي المتحقق في معظم اقتصاديات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأوروبية مبني على مدى توفر المعلومات حيث اتجهت الاستثمارات نحو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات حتى أصبح استخدامها رأسمالاً استثمارياً في حد ذاته.

إن مهمة تحليل السياسة العامة تكمن في المساعدة على خلق مزيج مناسب من الرقابات الفردية والعامة على القرارات المتعلقة بتخصيص الموارد، ولا يتعلق الأمر بالدولة ذاتها من حيث بنيتها وخصائصها وطبيعة دورها فحسب وإنما أيضا وبشكل مهم بالمجتمع نفسه الذي تمارس فيه الدولة نشاطها الاقتصادي ومصالحها في توقيت اتخاذ القرارات المناسبة لمصالحها في المحافل الدولية.

وهذا ما يسري على مستوى صناعة القرار السياسي في أغلب المنتديات والمؤتمرات إذ يتم تبادل الأفكار لا استصدار القرارات، إذ لم تصدر إشارة ما بصدد استعداد صانعي القرار الاقتصادي والمالي، وصانعي القرار السياسي لاتخاذ الإجراءات أو الخطوات المناسبة العملية فيها، فنجد على سبيل المثال الرئيس الأميركي كلينتون في دافوس، وهو في آخر سنوات رئاسته يتحدَّث عن الأضرار التي أصابت الدول النامية الأفقر من سواها.

ويقول بضرورة أن تشملها الميزات المتحققة من خلال تحرير التجارة (وهي متحققة حتى الآن للدول الصناعية فقط)، ولكنه عندما يطرح (الحلول أو البدائل) التي يراها لا تصدر عنه بفاعلية سوى مطالبة تلك الدول الأضعف تجاريًّا واقتصاديًّا بفتح أسواقها أمام المنتجات الصناعية وبحرية الاستثمار الأجنبي فيها، وما يسري على الرئيس الأميركي يسري على سواه، مثل توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الذي لا ينكر ما تثيره ظاهرة العولمة من مخاوف..

فهو يتفهمها، ويبقي على التمسك بها كسواه من المسؤولين في البلدان الصناعية المستفيدة منها. كما أن للإيجاز والتلخيص في كتابة دراسات الجدوى والتقارير الاقتصادية لهما شأن كبير في تسهيل مهمة اتخاذ القرار من قبل صناع القرار، ويروي الخبير الاقتصادي فخري شهاب في هذا الصدد، انه عندما كان مستشاراً للحكومة العراقية في العهد الملكي، طرحت فكرة انسحاب العراق من كتلة العملة الإسترلينية. قررت حكومة نوري السعيد الاستعانة بأحد الخبراء الاقتصاديين في العالم ليدرس الموضوع ويعطي رأيه فيه للحكومة العراقية. حيث قضى بضعة أشهر في دراسة اقتصاديات العراق.

ثم بضعة أشهر في كتابة التقرير المترتب على ذلك.عاد إلى بغداد محملاً بهذا التقرير الذي بلغ نحو 450 صفحة. تسلمه منه الموظف المختص وقدمه بدوره إلى محافظ البنك المركزي. التفت المحافظ إلى الموظف وقال: يعني أنت تعتقد ليس لدي عمل غير قراءة كل هذا التقرير؟ اذهب ولخص التقرير حتى اختصره إلى 30 صفحة، قدمها في ملف وقال له: (حسنا، أنا أقرأ الثلاثين صفحة، لكن تفتكر إن وزير المالية سيكون مستعداً لقراءة كل هذا الكلام؟، اذهب ولخص هذا المختصر بما يكفي للوزير أن يقرأه).لخصه بتسع صفحات.

وعمل موعداً مع الوزير ليسلمها له. وهو ما كان. فتح معالي الوزير الملف وراح يتصفح التسع صفحات بأطراف أصابعه (كما ينقلها الكاتب خالد القشطيني)، ثم التفت إلى محافظ البنك المركزي، وقال: (شكراً على هذا التعب، لكن إذا كان بإمكاني أن أقرأ هذه الخلاصة بتسع صفحات، تعتقد يعني الباشا عنده الوقت لقراءتها).

كان يشير بالباشا إلى رئيس الوزراء نوري السعيد، ثم طلب الوزير من محافظ البنك تلخيص الخلاصة لما لا يتجاوز صفحة واحدة، وهذا ما جرى، لخصوا التقرير إلى صفحة واحدة أخذها معه وزير المالية وقدمها لنوري السعيد. مرت الأيام ولم يسمع من رئيس الوزراء أي تعليق، حتى رآه ذات يوم فسأله عن الموضوع، أجابه فقال: (أي موضوع؟).. (موضوع الإسترليني.. أعطيتك خلاصة تقرير الخبير).. (أوه! أنت جلبت لي صفحة مليانة، أنا عندي وقت أقرأها؟ قل لي بكلمتين ماذا يقول؟ نبقى أو ننسحب من الإسترليني؟

باحث اقتصادي

Kutaiba@emirates.net.ae