إن تبني دبي للمعايير الإدارية الحديثة والتي لها قبول لدى المؤسسات الكبرى والتي أساسها ينصب على الجودة في الأداء الإداري، كان هو الذي جعلها في مصاف اكبر الدول. معايير الجودة الإدارية باختلاف منهجياتها سواء كان الآيزو او معايير الجودة الأوروبية أو السكس سيجما وغيره تهدف كل منها إلى دفع الأداء المؤسسي إلى الأمام والى الأعلى وهي في ذلك تقوم بالحد من الإجراءات الإدارية التي من شأنها أن تكون بمثابة العائق أمام جمهور المستخدمين.
فمعايير الجودة حتى تصل إلى ذلك فهي تسعى جاهدة إلى تبني الأساليب المختلفة التي من شأنها أن تختصر الإجراءات الإدارية وصقل المهارات البشرية وبالتالي تحقيق الجودة من خلال السرعة في توفير المنتجات وتقديم الخدمات للجمهور.وأصبحت الجودة إحدى أهم مبادئ الإدارة.
في الوقت الحاضر. لقد كانت الإدارة بالماضي، تعتقد بأن نجاح الشركة يعني تصنيع منتجات وتقديم خدمات بشكل أسرع وأرخص، ثم السعي لتصريفها في الأسواق، وتقديم خدمات لتلك المنتجات بعد بيعها من أجل تصليح العيوب الظاهر فيها.
لقد غيرت مبادئ الجودة هذا المفهوم القديم واستبدلته كما يقول فايغونباوم «رئيس الأكاديمية الدولية للجودة» -بمفهوم آخر يدعو في العدد الأخير من مجلة شرح لعام 1999، إلى ما يلي: «إن تصنيع المنتجات بشكل أفضل، هو الطريق الأمثل الذي يؤدي إلى تصنيعها بشكل أسرع وأرخص».
والقضاء ليس ببعيد عن ذلك وان كان مفهوم السرعة يجب ان يطرح بعناية وبمعنى مغاير عما هو متعارف عليه لدى حقول الإدارة والمؤسسات. فالسرعة في القضاء يجب ان تكون مشوبة بتمهل ودراسة عالية حتى لا تخضع الحقوق المطروحة لدى المحاكم لموازين العصر الحديث التي تعتبر السرعة اهم ما يميزها فتضيع الحقوق وتتحول السرعة من نعمة الى نقمة. ولكن ذلك لا يمنع منبت المنازعات بأقصى سرعة ممكنة بما لا يعيق العمل القضائي ولا يخل بأي حق متنازع عليه لدى المحاكم.
ويساهم المشرع بصورة كبيرة في تطوير العمل القضائي، وتبسيط إجراءات التقاضي، والحد من إطالة أمد الدعاوى لدى المحاكم، فضلا عن تكديس ملفات القضايا لدى القضاة. فالقاضي لا يستطيع ان يحيد عن الطرق التي رسمها له المشرع وإلا فإنه يكون قد خالف المشرع وبالتالي تعرض حكمه للبطلان.
فإجراءات التقاضي من النظام العام، ويتم ابطال الأحكام متى كانت هناك مخالفة لها من قبل محاكم الدرجات التالية، واعني بذلك محاكم الاستئناف والتمييز. لذلك فإن المشرع يقوم بإعادة النظر في تلك الإجراءات بحيث يتبنى الإجراءات التي من شأنها ان تحقق الفائدة للأطراف المتنازعة. فالمشرع دائما يضع في اعتباره مسألة مهمة وهي استقرار الحقوق حتى تهدأ النفوس وحتى لا تكون الذمم مشغولة. لهذا فإن المشرع في تعديلاته الأخيرة تبنى إلزامية سلوك إجراءات أمر الأداء كطريق استثنائي لاستيفاء الحقوق.
ولعل في التعديلات الأخيرة التي وردت على قانون الإجراءات المدنية، والذي يحمل قانونا اتحاديا رقم 30 لسنة 2005، بعض الدلائل التي تهدف الى تبسيط إجراءات التقاضي ومن ضمن تلك التعديلات ذلك الذي ورد على نص المادة 143 والمتعلق بأوامر الأداء. كان النص القديم يقصر طلب استصدار أمر الأداء على دين النقود الثابت بالكتابة غير ان المشرع أضاف في المادة الجديدة المنقولات المعينة بنوعها أو مقدارها.
ويجب أن ندرك أن أمر الأداء هو عبارة عن طريق استثنائي فإذا تم اللجوء إليه في غير الحالات المنصوص عليها كانت الدعوى غير مقبولة ولو تم إثارته لأول مرة أمام محكمة التمييز، ويجوز للأخيرة ان تثيره من تلقاء نفسها لأن الدفع يتعلق بإجراءات التقاضي لمخالفة الطريق الذي رسمه القانون. بالإضافة الى انه طريق استثنائي، فهو أيضا طريق إلزامي ويتعين على الدائن اتباعه فإن لجأ الى إجراءات التقاضي العادية كانت هذه الإجراءات باطلة لعدم مراعاة الدائن للقواعد التي فرضها القانون لاقتضاء حقه.
ماذا نعني بمبلغ من النقود؟ حتى تتضح الصورة سنضرب بعض الأمثلة على ذلك، كالتزام المستأجر بأداء الأجرة او التزام المقترض بأداء قيمة القرض او التزام الزوج بأداء مؤخر الصداق او التزام الشاحن بأداء اجرة النقل.
وماذا نعني بأن مبلغ النقود معين المقدار؟ بيّنت ذلك أحكام محكمة النقض المصرية حيث استقر لديها في أحكامها ألا يكون بحسب الظاهر من الورقة الثابت فيها المبلغ قابلا للمنازعة فيه وبأن يكون تحديد مقداره قائما على أساس ثابت لا يكون معها للقضاء سلطة حياله في التقدير.
وهذا الاقتباس والتوسع الذي جرى على التعديل في قانون الإجراءات المدنية مصدره المادة 633 من مجموعة المرافعات الايطالية الحديثة. وهو توسع يعرفه الى بعض مداه بعض التشريعات الأجنبية الأخرى غير القانون الايطالي كالتشريع النمساوي في المادة الأولى من قانون 27 لسنة 1873، والتشريع الألماني في المادة 688 من تنظيم المرافعات الألماني.
ومن المتوقع أن يحقق نظام أوامر الأداء نجاحا كبيرا بعدما صار واجبا الاتباع في الحالات التي اوجب القانون اتباعه فيها، وفي حالة اذا كانت الشروط متوافرة ففي اعتقادي أن طلبات أوامر الأداء ستقبل ولن يتم التظلم منها أمام المحاكم إلا في نسبة ضئيلة، كما ان نسبة الأحكام الصادرة في هذه التظلمات بإلغاء الأمر ستكون قليلة.
وسيكون لذلك آثاره الايجابية الكبيرة في سرعة البت في المنازعات وعدم تكدس الجلسات بقضايا لم تكن هناك ضرورة تستوجب عرضها على المحاكم، مما سينعكس بصورة ايجابية على القضاة وتخفيف العبء عنهم. وهذا النظام سيؤدي الى عدم تكديس الجلسات بقضايا لم تكن هناك ضرورة تستدعي عرضها على المحاكم لوضوحها وخلوها من النزاع الجدي، هذا فضلا عن حصول الغالبية الكبرى من الدائنين بديون النقود الكتابية على حقوقهم في وقت قصير.
نقطة وأول السطر ...
لا تقل «فشلت»، بل قل «لم يوفقني الله في هذا الأمر ولعل توفيقي في أمر آخر والحمد لله على كل حال».
لا تقل «أنا فاشل»، بل قل «أنا متوكل»، وخذ بالأسباب، وقل «الحمد لله على ما قدّر لي مسبّب الأسباب».
لا تقل «أنا لا أملك شيئا»، بل قل «الله ربي ادخر لي من الخير ما لا أعلمه، والحمد لله يرزق من يشاء بغير حساب».
باحث قانوني واكاديمي
vipjh710@hotmail.com